جدول المحتويات
كانت الوالدة العزيزة -حفظها الله – قد دخلت في لحظة صمتها المعهود في ذلك الوقت ( اتصيفيط) الملائكة ، وقد اتجهت نحو القبلة فملت أنا إلى ذراعها مما يلي الظهر اعبث بالأرض، ومن حين لآخر تشدني فطرة التأمل إلى قرص الشمس حمراء نقية تنحدر شيئا فشيئا….
وفي ما أنا كذالك بين لهو عابث بثياب أمي وتأمل صبياني إذ تراءي لي عن بعد فارس مستقيم الجلسة مرفوع الرأس يسراه يشد بها العنان وبيمناه توكأ على قطعة من الخيزران تعتمد قوائمه على قدميه المتمكنتان من الركاب يهمس بمؤخرته أحيانا فيتوثب الجواد وأرجله تخلف بعضها بعضا كأنها أنامل عازف يصنع بها الإيقاع، بدت لي ناصية الجواد وقد سال بينها وبين الأنف الواسع مربع ابيض نوراني وتحت الرقبة الممشوقة والخيشوم الحديد بدت لبته الواسعة مع (قوائم رواء لا تجارا )ومن خلفه عمود النقع الذي أحدثته حوافر وهو يرسم أشكال هندسية مختلفة .
بدا لي وقد أصبح الفارس القادم قاب قوسين أو أدني أن القادم هو الوالد العزيز -رحمه الله- فتركت ظهر أمي وهرعت نحوه انتظر هدية طالما عودني عليها كلما غاب وعاد… كانت دراعة بسيطة تلتف حول عنقي تنزاح من حين لآخر عن جل – إن لم يكن كل – جسمي، نزل الوالد من على صهوة جواده فأسرعت نحوه فلم يلتفت نحوي ولم يقدم لي ولا لإخواني ما كان يعتاد حمله لنا من المدينة، بدا لي الأمر مختلفا لكنني لم أفهم أي شيء فتبعت أبي الذي كان – رحمه الله – يستمتع بأن يرانا سعداء بمقدمه نستبق ما يحمل قبل تقسيمه بيننا فيكثر الحمد لله والثناء علي رب العالمين، وقد عرفت فيما بعد أنه كان شكورا لربه على ما رزقه من ولد.
بادرت أختي الكبرى لتضع له المتوفر من الفراش فدعا بوضوء فأفرغ كعادته على وجهه بكلتا يديه وكان رحمه الله يطيل الغرة وكان وجهه واسعا صبوحا يشع بهجة وجمالا، جمال القبول ونور العبادة وأثر الفتوة وإن تسللت التجاعيد إلى جبينه.
جلس الوالد بصمت كالمغضب، لم يجرأ أحد علي الحديث وبدا أن ثمة شيء غريب، أطالت الوالدة النظر كأنما تستنطق أمرا ما فهي – حفظها الله – تمتلك إحساسا غريبا بمن يحمل خبرا أليما وإن كتمه أو حاول التستر عليه.
أخيرا حزمت أمرها وقطعت صمتها ملتفتة نحوه قائلة "إياك ما انعيت حد مشهور"…؟
أجابها الوالد وهو يعيد يديه من الأعلى بعد رفعهما إلى السماء بعد الوضوء
وهو يقول: "اصنادر حكمو المختار اليوم " …..
أجابته الوالدة بصوت حزين : "إنا لله وإنا إليه راجعون" ثم قام يمشي نحو المسجد الذي لم يكن يومها سوي "زريبة" أقيمت للصلاة التي تقدم لإمامتها فأتمها كعادته بروية تختلف عن عادة البدو في السرعة، فهو رحمه الله يحسّن الركوع والسجود ويطيل الدعاء وعند السلام وبعد سبحة الصلاة اخبر شيخ القرية والقائم على أمرها خله الشيخ الحسين حفظه الله بالخبر الذي أجمعوا على أنه فاجعة وقد أوصلهم التحليل إلى أن النصرانية لن تسكت على الانقلاب وأن دولتها ستنتصر لها وللمختار فتعيده إلى الحكم وأشياء من قبيل هذه الأفكار …..
كان من عادة الوالد رحمه الله التي دأب عليها مُذ عقلت عليه حتى لحق بالرفيق الأعلى أن يدخل في نافلة ما بين المغرب والعشاء ويقرأ فيها خمسة أحزاب ثم يؤذن المؤذن وتتم صلاة العشاء فيبادر إلى المنزل يتناول ما تيسر علي عجل ثم ينام مباشرة ليستيقظ في حدود منتصف الليل لكنه في تلك الليلة انشغل مع من في المسجد بالسياسة وتحليل مآلاتها حتى أذن لصلاة العشاء ولعلها كانت أول درس لي في سماع السياسة والتحدث عنها وقد كان عمري يومها في حدود ثمانية أعوام حسب ما أخبرتني الوالدة.
تذكرت هذه الأيام ذاك الاثنين المحفور في ذاكرتي وتلك القصة الماثلة أمامي كأنها الأمس القريب وأنا أسمع اللغط الدائر حول الرئيس المؤسس المختار ولد داداه ووطنيته ومكانته في القلوب.
إن قصتي عميقة الدلالة في أن المختار كان محبوبا بحق من كل الموريتانيين على اختلاف مشاربهم وجهاتهم فتلك القرية الوادعة الهادئة شرقي جكني بسبعة كيلو مترات والموسومة بحاسي الخالفة أشغلها تلك الليلة الانقلاب على المختار عن نوافل أهلها العباد وأدخلهم في حزن مبرح غير متكلف ولا متقرب به لأي كان فلا الوالد رحمه الله من أهل حزب الشعب ولا له صلة بالسياسة أو أخواتها ..
لكنها القلوب الصافية والحب الصادق …
أما محطات المختار الكبرى وعلاقته بفرنسا وعلاتها فذاك حديث من تأمل تفاصيل ما جرى فيه من مواقف لن يجد العناء في أن يقر بان قيادة من طينة وطنية خالصة دبرته بعبقرية وحكمة واقتدار.
محمد غلام الحاج الشيخ