جدول المحتويات
هذه الشريحة وبوصفي جزءا منها أعلم عنها أشياء كثيرة ماضيها.. حاضرها.. وآلامها وسوف أتناول كفاحها الطويل من أجل البقاء ونضالها السلمي المرير من أجل نيل الحرية والعيش الكريم الذي يسعى له كل البشر. ثم اقترح حلولا.
إن هذه الشريحة التي عانت عقودا كثيرة من الظلم والغبن والتهميش والإقصاء وحتى الإذلال هي التي بسواعدها شيدت المدن وبنت السدود وعبدت الطرق وغرست النخيل وحفرت الآبار وزرعت الحقول وهيأتها بعد حصادها رعت الإبل والغنم أمنت الممتلكات حاربت واستبسلت في حرب الصحراء في السبعينيات من القرن الماضي ولأنها اليوم تشكل العمود الفقري للجيش الوطني تراها في أقصى الحدود تدافع عن الحوزة الترابية للوطن الذي لا بديل لها عنه عكس المكونات الأخرى. ترى أبناءها في الأسواق في المطارات وفي الموانئ يحملون الأثقال ويركبون الأمواج أمام المنازل يحرسونها وبداخلها يخدمون أهلها.. تراهم في المناسبات الاجتماعية ينشدون ويطربون أصحابها بفلكلورهم الشعبي وبالمديح النبوي الذي تتميز به غالبيتهم.
إنهم فعلا الشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين، هذه الشريحة التي ليس لديها ما تخسره اليوم، لم تسع يوما للثأر ولا للانتقام ولا لإشعال الفتنة كما يتحدث المرجفون الأعداء الحقيقيون للوطن.
لقد ظل نضالها سلميا وسيبقى سلميا رغم الاستفزاز، لكنها كذالك سوف تواصل نضالها ومطالبتها بالإنصاف وإعادة الاعتبار لشريحة ضربت في الصميم وذاقت الظلم والتنكيل والقتل حيث كان العبد إذا عبق أو كان لديه بعض المال، ولم تكن له حماية من الأسياد أو من القبائل النافذة آنذاك تلصق إليه تهمة "السل" أي امتصاص الدماء فيستباح بذلك دمه فيقتل ذبحا ويمضي الجاني بدون حساب وبدون عقاب بل كان أحيانا يكرم.
هذا بالإضافة إلى التعذيب الجسدي والنفسي بالبيع والشراء والإعارة والإخصاء، ورغم هذا كله، لحراطين ليست لديهم مشكلة لا مع البيظان ولا مع الزنوج.
إن مشكلة لحراطين ظلت دائما مع الدولة والأنظمة المتعاقبة عليها حتى اليوم. الدولة هي التي تعمدت إقصاءهم بواسطة سياستها العنصرية الممنهجة وعدم إشراكهم حتى في القضايا التي تخصهم مثل وكالة التضامن ومفوضية حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية الأخرى التي تتاجر بها الدولة بغرض الحصول على التمويلات بحجة ترقية "آدوابه" وإلى آخر ذلك من المغالطات للرأي العام الوطني والدولي.
وظلت تتهم الحقوقيين بزعزعة الاستقرار وتهديد الوحدة الوطنية لأنهم يفسدون عليهم أو يحاولون تغيير النمط السياسي الذي أرادت الأنظمة الفاسدة المستبدة لهذه الدولة المسكينة أن تبقى عليه حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
الدولة هي التي تمتلك الوسائل ولديها القدرة على نشر العدالة وفرض القانون والسهر على تطبيقه بين مكونات الشعب الذي عليها كذلك تأمينه وحفظ ممتلكاته، لا بالقمع والترهيب وملئ السجون بأصحاب الرأي والحقوقيين وكل من سولت له نفسه مقارعة النظام.
إن مسيلات الدموع والدبابات والصواريخ لم تعد تخيف أحدا ولا تجدي نفعا، ولو كانت كذلك لما ابتلعت الثورة الدكتاتور "نيكولاي اتشاوسسكو" في رومانيا، ولا أكلت القذافي ناره التي أشعل في ليبيا وأرغمت جبابرة آخرين على الرحيل كان آخرهم ابليز كامباورى.
أعتقد أن تكفير حركة "إيرا" ومن خلالها لحراطين جميعا ونعت حركة "افلام" بالتطرف ووصف "لمعلمين" بالزندقة وزرع الكراهية بين مكونات الشعب وتحريض بعضه على بعضه هذا لا يخدم الوحدة الوطنية والتعايش السلمي بل يساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي.
ولكي نجنب بلادنا الهزات الخطيرة التي شهدتها في أواسط الستينيات ونهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، علينا جميعا؛ بيضا.. سودا.. وملونين اتخاذ الحيطة والتحلى بالمسؤولية ونبذ التفرقة وبناء الثقة بين المواطنين.
وعلى الدولة فرض القانون وتطبيقه بين جميع أفراد الشعب وأن تتبنى سياسة التمييز الإيجابي لتذليل الفوارق وهو مقترح سبق أن تقدمت به الشيخة الموقرة المعلومه منت الميداح في دورة برلمانية سابقة، وأن تقلع عن التعيينات الفئوية العرقية الطائفية والقبلية.
العلماء والفقهاء لهم دور كبير في الموضوع بدل التراشق مع "إيرا" وسبها بالعمالة لليهود واتهامها أحيانا بسب العلماء وإن كان ذلك قد حدث فقد سبقها لذلك الداعية الكبير محمد ولد سيد يحيى واصفا إياهم بعلماء "بنافه" وبأنهم يفتونه عند الطلب ويتقاطرون على القنوات الحرة لأن هناك دراهم تدفع وإذا طلبت منهم إلقاء محاضرات في الأحياء الشعبية يستفيد منها الجميع يعتذرون.
لحراطين لم يطلبوا منهم تمويل المشاريع ولا عتق رقابهم بالمال بل طلبوا فقط منهم استصدار فتوى شرعية صريحة لا غبار عليها بخصوص ظاهرة الاسترقاق المشينة المقيتة والمتخلفة في آن واحد.
لماذا لا يقومون بذلك برأيكم ؟ أنا اعذرهم لأنهم بين وضعين أحلاهما مر إما الاعتراف بشرعيتها وبوجودها وذلك يحرج الدولة التي تتستر على الظاهرة بل تنكرها وتكتفي بوجود مخلفات لها.
وإما بعدم شرعيتها ويكونوا بذلك قد حكموا على أنفسهم بممارسة ظاهرة حرام لا تجوز وهو الشيء الذي لن يقبلوه أبدا لا لأن فيه إساءة فقط على أسلافهم بل أن فيه أيضا طعنا في شرعية أبناءهم من الإماء لأن الجميع يعلم ما كان يقام به في ذلك الصدد.
إنهم فعلا في موقف صعب لا حول لهم ولا قوة كمثل قاض في دولة لا يسودها القانون والكلمة الأولى والأخيرة لصاحب أعلى هرم في السلطة.
"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" صدق الله العظيم.