تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

وقد اقترحت في المقالين التعامل مع المنطقة الحرة في انواذيبو باعتبارها مشروعا كبيرا يتعين تحضيره بتوأدة وإعداد الظروف اللازمة لإنجاحه على المدى الطويل وأوصيت باختيار موقع بكر حددته وبسطت أسباب اختياره وبإشراك مستثمرين عرب ودوليين في إنجاز المشروع بأعبائه وعوائده وعرضت الاكتفاء في المستقبل المنظور بإنشاء خلية للدراسات والاتصال والتمهيد لإطلاق مشروع بحجم دولي، وحذرت من أن إعلان المنطقة دون تحضير قد يؤدي إلى إجهاض مشروع حيوي وتفويت فرصة تنموية ثمينة.

 

ولكن سلطات بلادي، لم تعبأ بما كتبت، فقد حزمت أمرها ومضت في مشروعها باستعجال ألجأها لكراء منزل خصوصي، لا يزال المقر الرسمي للمنطقة الحرة في انواذيبو وتوخيا للمصلحة قررت صون قلمي والاكتفاء بمتابعة أخبار المنطقة باهتمام آملا أن تقطن وتمتد جذورها.

 

لكن وبعد سنتين من إعلانها بدأ اليأس يدب في نفوس الساكنة حيث لم تنعكس منطقة انواذيبو الحرة إيجابا على حياة الناس ولم تجذب استثمارات صناعية أو تجارية ذات بال ولا يعد استقبال ضيوف الدولة الرسميين – الذين تضمنت الجداول البروتوكولية لزياراتهم المرور بالمنطقة الحرة – إنجازا كما لا يعد مبشرا لأن المستثمرين تحدوهم المصالح ويتشبثون بالحسابات ولا ينفقون في الغالب دون توقع الأرباح ولطالما عرج ضيوف الدولة على النقطة المركزية للشركة الوطنية للصناعة والمناجم وميناء انواذيبو قبل إنشاء هذه المنطقة التي لم يسجل منذ إعلانها انطلاق مشاريع تنموية حقيقية.

 

لم تستقطب المنطقة الوليدة إلا اهتمام بعض الخبراء الباحثين عن فرص كما هــو حال وفد منطقة العقبة الحرة الأردني الذي زار منطقة انواذيبو لدراسة تقديم تكوينات أبدى الصندوق الإسلامي للتنمية المرافق الإستعداد المبدئي لتمويلها أما الإستشارات والدراسات فقد إستحوذ عليهما مكتبان فرنسيان هما مكتب المحاماة Gide Loyrette Nouel الذي كلف من طرف الحكومة بإعداد مشروع قانون إنشاء المنطقة الحرة في انواذيبو (والذي تجسد فيما بعد في القانون رقم 001-2013) ومكتب الدراسات egis الذي أعد خطة العمل الرئيسية (Schéma Directeur Opérationnel) ومخططا تنمويا متعدد السنوات (Plan de Développement Pluriannuel) يستعذب البعض تركيبهما الأجنبي لدرجة الإعتقاد بأن مختصري SDO و PDP يحملان بركة سترفع من شأن المنطقة بحيث تفيض خيراتهما على البلاد والعباد.

 

وبدلا من جني ثمار المناخ الجديد بدأت ساكنة المدينة تئن تحت وطأة الانعكاسات السلبية للتضييق الذي رافق نشأة المنطقة الحرة فقد قيدت السلطات دخول المواد القادمة عبر القطار وقامت شركة اسنيم (بأمر من السلطات) شباكا حديديا، لا ينفذ منه إلا الغبار، للحيلولة بين المدينة وبين منافع القطار الذي طالما أفاد القاطنون بمحاذاة السكة من فتاته.

 

ومن المتناقض كون السلطات التي أعلنت فتح المنطقة الحرة في انواذيبو قيدت الإعفاء بأن تكون البضائع داخلة من اللجة البحرية الشرقية أما المنفذ البري الشمالي فقد أحكم إغلاقه بقفل جمركي "على حد تعبير عبد الفتاح ولد اعبيدن في مقاله انواذيبو يختنق" وفـرضت على البضائع الداخلة منه رسوم معتبرة دون أن تبين السلطات سر التمييز بين المدخل المائي والبري ما دام النظام الجمركي الخاص للإقليم موحدا.

 

وإذا كان نجاح المناطق الحرة يعتمد على التصدير بالأساس فإن مهندسي المنطقة الحرة في انواذيبو لم يخططوا لذلك حيث تقـرر حظر صادرات المدينة وأخضعت لمراقبة جمركية صارمة دفعت بمواطن كان يصطحب جهاز تلفزيون مستخدم إلى تهشيمه على الطريق احتجاجا عندما ضيقت عليه نقطة التفتيش الجمركية المرابطة عند مدخل المدينة.

 

صحيح أن أسعار القطع الأرضية ارتفعت في انواذيبو كما ترتفع أسهم البرص بفعل الشائعات ودبت حركة تشييد أدت لارتفاع عمارات من عدة طوابق لم تكن معروفة في المدينة وهـو ما ينذر بفقاعة عقارية بدأت بوادرها لأن أغلب المباني المشيدة لم تجد من يعمرها ومدينة انواذيبو لا تجتذب الزوار إلا في الصيف وأغلب روادها مواطنون محدودو الدخل.

 

ومن سوء طالع المنطقة الحرة أن القدرة الشرائية لساكنة المدينة تقلصت بفعل تردى أوضاع قطاع الصيد البحري الناجمة عن سوء التخطيط وانخفاض إيرادات الشركة الوطنية للصناعة والمناجم الناجمة عن هـبوط أسعار خامات الحديد في السوق الدولي.

والأدهى من عدم تحقيق إنجازات تنموية أنه لا يتوقع نجاح المنطقة الحرة في انواذيبو نظرا لمعوقات لعل أكبرها إعاقة ميناء انواذيبو وعدم وجود طرق تمكن من تصريف البضائع خارج المنطقة.

 

1.     إعاقة ميناء انواذيبو:

 

لاحظ التحليل الاقتصادي لقطاع النقل في موريتانيا الصادر عن البنك الدولي سنة 2004  أن حجم البضائع التي تمر عبر ميناء انواذيبو تراجع بين سنتي 1991 و2001 بنسبة – 4 % (تخلف) بعكس ميناء انواكشوط الذي سجل بين سنتي 1998 و2003 نموا بنسبة 9,4 % (Rapport n° 30039-MR) وربما ازداد التراجع في السنوات الأخيرة نظرا لتراجع نشاط الصيد البحري، ويمكن إرجاع إعاقة ميناء انواذيبو إلى أسباب من أهمها:

 

أن العمق البحري للقناة وعند المرسى التجاري في ميناء انواذيبو المستقل لا يعدو ثمانية أمتار (8 متر) وهو ما يجعله غير مؤهل لاستقبال حاملات الحاويات الحديثة التي يبلغ الجزء الغاطس من بعضها 16 متر وبالتالي لا تسلك سبيله إلا سفـن صغرى أو متوسطة يجتهد مجهزوها لتكون – عندما تدلف إلى ميناء انواذيبو – خفيفة الحمولة كي يرتفع جزؤها الغاطس عن القاع، ومعلوم أن حاملات الحاويات الكبرى تكتسح النقل البحري وأن أي ميناء لا تصل إليه يعد من ذوي الإحتياجات الخاصة (السفن الصغـرى والمتوسطة).

أن البضائع المنقولة إلى ميناء انواذيبو ضئيلة أصلا لمحدودية استهلاك ساكنة مدينة انواذيبو وهـو ما يستتبع رفع الناقلين البحريين تلقائيا لتكاليف النقل البحري المتجه إلى انواذيبو لتغطية المصاريف.

 

غلاء الرسوم والخدمات الأرضية حيث يفرض ميناء انواذيبو رسوما أكبر أو مساوية للتي يفرضها ميناء نواكشوط والذي قدرت دراسة البنك الدولي السالفة أن رسومه تزيد على ضعفي نظرائه في منطقة غرب إفريقيا أما تكاليف التحميل والتفريغ به فقد تبلغ ثمانية أضعاف التكاليف في موانئ غرب إفريقيا المجاورة (داكار، آبيدجان وتيما).

 

2.     انعدام تصريف رخيص وسريع للبضائع خارج منطقة انواذيبو الحرة: إن ما يدفع المتعاملين إلى المناطق الحرة هو اقتناء بضائع رخيصة يتيسر نقلها إلى أسواقهم وقد رأينا أن ميناء انواذيبو غير مؤهل للعب دور تصريف البضائع لوقوعه خارج طرق الملاحة بسبب عجزه عن استقبال السفن التجارية الكبرى التي تبلغ الأجزاء الغاطسة من بعضها 16 مترا بينما لا يعدو العمق عند مرسى انواذيبو التجاري ثمانية أمتار (8) كما أنه لا يوجد طريق بري إلا الطريق الذي يخرج من شبه الجزيرة مارا بالإقليم الجمركي الوطني أو معرجا إلى مدينة الداخلة التي توجد بها منطقة حرة للتصدير بمحاذاة الميناء.

 

وقد تضافر العاملان أعلاه مع طول آجال توصيل البضائع ليترتب عليها عزوف المستوردين عن ميناء انواذيبو وتفضيل توجيه بضائعهم إلى ميناء انواكشوط حيث يمكن تصريف أغلب البضائع ونقل اليسير منها إلى انواذيبو عبر الطريق البري مع أن الميناءين ليسا في مضمار التنافس مع محيطهما ولا يستقبلان إلا بضائع لا مندوحة لأصاحبها عنهما.

 

وجملة القول أنه بالنظر للحصيلة الزهيدة للمنطقة الحرة في انواذيبو ولعدم توفرها على مؤهلات نجاح مستقبلية يتعين على من يهمهم الأمر مراجعة القانون رقم 001-2013 المتضمن إنشاء المنطقة بتحويلها إلى مشروع وإقرار قانون لتأهيل مدينة انواذيبو لتصبح منطقة حرة حقيقية ولو بعد حين.

 

الأحدث