جدول المحتويات
مثل نجوم ساطعة باغتها انبلاج الصباح، تمضي أمهاتنا – الواحدة تلو الأخرى – إلى عالم الخلود و قد تركن وراءهن أجمل ما وهبن للحياة، كثيراً ما أنظر إلى تلك الأجرام السماوية والقوافل اللامتناهية من الغيوم التي تجوب السماء كأنما ترسم صورا لشتى المخلوقات، فيخيل إلي أن بين ظلالها أطيافا ترنو من بعيد إلى أروع ما خَلّفته على هذه الأرض.
يقول الكاتب الفرنسي سانت اكسيبري : " الأشياء الأساسية لا يدركها البصر" هكذا تطوى صفحات لتفتح أخرى وتلك لعمري سنة الحياة لقد مضى الرعيل الأول ممن صنعوا هذه البلاد، ومن بين تلك الحشود تحضر في خيالي نساء بيض الأيادي نقيات القلوب عُرفن بالفضل والتقى، وتلوح لناظري صورة كريمة ماجدة واكبت اللحظات الأولى لاستقلال بلادنا
أحد الموريتانيين الأوائل الذين احترفوا الهبوط من السماء ليسجلوا على أديم الأرض حبهم لهذا الوطن رجل المظلات بوبكر ولد بوسالف وإلى جانبه زوجته -والداتنا وخالتي الكريمة – فاطمة منت بوبكر امبارك رحمها الله، كانت شجاعة عزيزة النفس أريحية
لقد رحلت عن هذه الدنيا و لكنها تركت لموريتانيا أحد أبنائها الأكفاء الملتزمين بخدمة الدولة و الوطن هو سيدي محمد ولد بوبكر كما يعرفه الآخرون و أحمد لوليد بالنسبة لنا نحن إخوته و أقرباؤه… بيد إن تلك قصة أخرى ليس هذا محل سردها… أقول ببساطة إن هذا الرجل يمثل رمز وفائنا لبلادنا التي قطعنا عهدا على أنفسنا ان لا نخونها ولا ناخذ منها ما ليس من حقنا.
إن عبارات مثل نزيه وكفؤ ووطني … لم تعد تعني الكثير لفرط ما استعملت في أيامنا هذه، لذلك أتركها عن طيب خاطر للذين يشتهون الإطراء و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فليس من عادتي أن أخوض في حديث يراد منه للقارئ أن يبتلع الطُّعْم والخيط والسنارة معا
في حياتي لم أتطرق قط إلى الحديث عن هذا الرجل مع أنه ابن خالتي بالإضافة إلي كونه صديقا حميما، و أعلم يقينا أنه عندما تسقط شجرة ضخمة في صحراء خالية من أي كائنات مزودة بحاسة السمع، يكون من العبث الحديث عن الضجة التي أحدثتها فهو أمرا لا طائل منه وكلاما يصعب إثباته
لكن واجب الشهادة يدفعني اليوم إلي كتابة هذه السطور التي أحرص على أن تكون مختصرة وخالية من أي إطراء لقد كنت أحد أفراد تلك العصبة من الأطفال التي ملأت لأول مرة شوارع مدينة نواكشوط الناشئة بصراخها و مرحها وألعابها الجنونية بكل ما في الكلمة من معنى
أتذكر العديد من الأشقاء والأصدقاء الذين فرقتهم الأيام فتوزعوا على مختلف مناحي الحياة الوطنية ويمثلون جميعا مصدر فخر و اعتزاز بالنسبة لي"سيدي المختار ولد الشيكر، صديقنا وشقيقي محمد ولد مكت، صديقنا العزيز معالي حمادي ولد ميمو، أخونا الراحل حمزة ولد أعمر رحمه الله، اخوتنا ابناء المرحوم دودو كان، أحباؤنا أبناء المرحوم كاندكا سامبا وزوجته المحترمة -والدتنا جميعا- مريم سال، ابن خالتي وصديقي الحميم المرحوم يسلم ولد الشيخ ولد الولي
وذكر لي بعض الأصدقاء فخامة رئيسنا الحالي محمد ولد عبد العزيز وإن كنت شخصيا لا أتذكره، لا في حي مدينه "R" ولا في المجموعات المتنافسة في حي ’’مدينه 3’’، وهذا طبعا لا يقلل من الاحترام الذي أكنه له، و آخرون كثيرون… ذكريات مشتتة في ذهني ولكنها لحظات لا يمكنني نسيانها أبدا، عالم لا يزال حيّا في ذاكرتي وحقبة من تاريخ هذا البلد ما انفكت تُلقي بظلالها علي الأحداث حتى يومنا هذا
كان أحمد لوليد يتمتع منذ نعومة أظافره بطباع فريدة تختلف عن طباعنا جميعا و إني لا أزال أذكر ما قاله لنا ذات يوم الشهيد النقيب اسويدات ولد وداد و هو يمر بالقرب منا في سيارته العسكرية من نوع "جيب" التي ألفناه فيها في شوارع نواكشوط الناشئة : "أيها الحمقاء! كونوا مثل زميلكم هذا الذي يحمل دائما كتابا في يده". لم يكن أحمد يكذب أبدا ولم يكن يشارك في أعمالنا الطائشة و نزواتنا الصبيانية وكل الحماقات التي كان يمارسها معظم أطفال المدينة آنذاك.
لقد نشأ و ترعرع في كنف والد شهم علَّمَه شيَّم الأصالة و المروءة و أمٍّ طيبة كريمة دأبت بهدوء لا يخلو من صرامة على إشاعة قيم الفضيلة في نفوسنا الطرية، كانت لا تلومنا إلا نادرا غير أن نظرة عتاب منها كانت أقسى و أشد إيلاما لضمائرنا الصغيرة من وقع السياط.
و كم كنت سعيدا فيما بعد و أنا ألتقيه في مختلف المناصب التي تبوأها و َلْمَسُ دائما مدى حرصه على تلك القيم و وفائه لتلك المبادئ التي زرعها في نفوسنا أعز الناس علينا. في كل مراحل حياته المهنية، من مدير الميزانية إلى وزير المالية إلى وزير أول مرتين إلى سفير في كل من باريس و مدريد و القاهرة ثم ممثل لبلده في الامم المتحدة، ظل أحمد متمسكا بقيمه و لم تغيره الظروف. مسيرة ناصعة مثل درب التبانة في ليلة مضيئة بالنجوم.
لقد أدى من المهام الوطنية ما تقاصر عنه الكثيرون، إنه واحد من أبناء هذا البلد الذين لم يخذلوه و لم يخيبوا أمله.
واليوم أقرأ في خبر ثانوي على أحد المواقع أنه أُحيل الى التقاعد كان بإمكان إحدى وسائل إعلامنا الكثيرة و من خلال ضجيج برامجها المتنوعة أن تنوه بخصال أحد مواطنيها الذين تفانوا في خدمة الوطن و خروجوا من الوظيفة بسجل نقي و خال من الشوائب، عسى شبابنا المتأهب للمسؤولية يجد في ذلك قدوة و مثالا يحتذى.
ما أضيع الدول التي يتساوى في نظرها المحسن و المفسد و الصالح والطالح.
ذلك أن العمل على تكريم الأوفياء والمخلصين لأمتهم وشعبهم هو أحسن درس يمكن أن نعطيه لأجيالنا القادمة