تخطى الى المحتوى

شركة تازيازت... توقف عن فعل الخير...

جدول المحتويات

 

ذلك أن أي استغلال منجمي و خصوصا إذا كان بوسائل حديثة لا بد أن يؤثر على البيئة مما يدفع الدول الراقية والمتحضرة إلى استفتاء شعوبها المتمدنة العارفة لحقوقها بين الاستغلال بما يدره من أرباح ومنافع للدول وبين الإبقاء على بيئة نظيفة طبيعية عذراء ينعم فيها الإنسان والحيوان والنبات بأمن صحي استراتيجي لا يخشى فيه تشوها في الخلق ولا داء غريبا ولا نفوقا مفاجئا للحيوانات والطيور البريئة، أما الشعوب المغلوبة على أمرها فتقدر حكوماتها الأمر فتبت فيه على مقاسها حيث لا هم أكبر من الربح – إن وجد – و لا حاجة لهم ببيئة لا تدر دخلا و لا تحقق ربحا ماديا ملموسا.

 

وفي حالة تازيازت موريتانيا المحدودة فهي ليست بدعا من هذه الشركات وإن كانت لا تدري ما يفعل بها كما أنها هي أول مشروع منتج للذهب بهذا القدر وذاك التمويل ولو سبقتها موراك و أم سي أم في أكجوجت لكن ظلتا بإنتاج محدود وآثار بيئية قاتلة ونشاط اجتماعي هزيل. بخلاف تازيازت التي تستثمر أكثر من أربعة مليارات من الدولارات وتسعى لتبوء مكانة أكبر منجم لا في إفريقيا فقط وإنما في العالم أجمع عن طريق مشروع توسعة عملاق أنفق في وقت يسير مليارا من الدولار الأمريكي واستجلب الكثير من الشركات الحقيقية منها والوهمية، الجادة منها والهازلة على كل ضامر يأتين من كل فج عميق.

 

شيء من تاريخ المنجم

ما إن أعلنت شركة ريونارسيا الأسبانية عن بدء الاستغلال في منجم الغيشه بتازيازت يوليو تموز 2007  في حفل مشهود حضره الرئيس المنتخب سيد محمد ولد الشيخ عبد الله، حتى وضعت الشركة أسهمها في البورصات العالمية للبيع فتلقفتها شركة ريدباك ماينينغ الكندية والتي حضر ممثل عنها في الحفل المذكور. بيعت الشركة و غادر الأسبان وما كادوا يستمتعون بأولى أوقيات الذهب المستخرجة من هذه الأرض العذراء بعد جهد جهيد من حفر ونبش و تركيب حيث حل محلهم الكنديون ببرنامج جديد وإستراتيجيات تطوير جديدة. ضاعفوا الإنتاج  وبدأوا العمل في توسيع مرافق الشركة وبناها التحتية بما يتلاءم ومضاعفة الإنتاج ولم يغفلوا العمل الاجتماعي والخيري بل عينوا واحدا من خيرة رجالاتهم بل خيرهم على الإطلاق على العلاقات الخارجية عموما وعلى العمل الاجتماعي بشكل خاص حيث أمضى الرجل عصرا ذهبيا في هذا القطاع جمل فيها سمعة الشركة وحسن صورتها لدى المواطنين من أغسطس 2007 حتى بيعت الشركة مرة أخرى لكنديين جدد أكثر مالا وأغمض رؤية واستمر في العمل معهم حتى يوليو تموز 2011 حيث غادرها مأسوفا عليه تبكي الأرامل والأيتام والأرض، وحلت مكانه فتاة جاءت من منكب برزخي ناء يسمى "بيرو"، اتسم عصرها بتجفيف المنابع الخيرية وقطع الأرزاق ومضايقة الأيتام في أعطياتهم فأهلكت الحرث و النسل وأحلت التنظير محل التنفيذ والاتهام المجاني لمن سبقوها محل حسن الظن والعدل في الحكم، والأسفار المتكررة محل العمل والاستقرار ، واللعب والتكسر محل الجد والعمل، وقد استمر هذا التجفيف إلى وقت كتابة هذه السطور دون إنجاز عمل يذكر حيث ما زالت تشغل المنصب.

 

عصر ذهبي…

من المعلوم بأن شركة ريدباك ماينينغ في استغلالها لمنجم تازيازت لم تكن تملك خطة محكمة ولا إستراتيجية واضحة لإنجاز وتنظيم المشروعات الخيرية ذات النفع العام، كما أن الدولة الموريتانية لم توقع معها أي اتفاق منظما في هذا الصدد يجعل غلة هذه المشروعات تستمر لأمد معتبر ويحدد طبيعة هذه المشروعات لتكون ذات مردودية عامة تصل إلى أكبر كم ممكن من الساكنة قائمة بنفسها، تلقائية التسيير ذاتية الإدارة إلا أن الأخلاق العالية للدكتور والحس الإنساني النبيل لديه هبة من الله تعالى لم يسمح له إلا أن ينطلق من أول لحظة في فعل الخير ومساعدة المحتاج وإغناء العافي استجابة لنداء الضمير وشهامة نفس راسخة في الروح والوجدان والسلوك، وإن اتسمت مبادراته بالارتجالية والعفوية وندرة التخطيط. ساعد المحتاجين، وكفل الأيتام، وواسى الأرامل، وعم المنظمات الخيرية في مجالها الإنساني، وحفر الآبار وبنى المدارس والمستوصفات، وشيد المساجد، وساعد طلاب المحاظر، ودعم التعاونيات النسوية، وأطر، وكون وأسس لأول مدرسة للمعادن في تاريخ البلد ومركزا طبيا للحالات المستعجلة بنواكشوط.

 

معالم شخصية الدكتور…

لعل أبرز ما يميز شخصية الدكتور أمران اثنان: الطيبة والصرامة، وهما خلتان قلما تجتمعان في شخص واحد، فعرف ببشاشة وجهه في مهنية رائعة، وبلين خلقه في صرامة قاطعة وبأريحيته في ثقافة واسعة، كما عرف عنه أيضا تدينه الذي طبع سلوكه وتعامله مع الآخرين فهو يخاف الله في تعاطيه مع الناس فيعدل بينهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا يوصل النفع إلى من استطاع من العباد في حدود الإمكان والسعة والمرسوم ليس من مال الشركة فحسب وإنما أيضا من جيبه ونفقته الخاصة وقوت عياله.

 

هذه الصفات الحميدة ساعدت إلى حد كبير في انطلاق أعمال الخير على مختلف الأصعدة في ظل عدم وجود إطار رسمي يحدد الطريق ويرسم الخطة ويعين الهدف كما ساهمت أيضا هذه الأخلاق وهذا العطاء في دفع عجلة الأعمال الاجتماعية والخيرية والتعاونية خصوصا على مستوى ولاية انشيري ومدينة انواكشوط وبعض ولايات الداخل راسمة صورة حسنة للشركة في أذهان الشركاء وناشرة سمعة طيبة لها في الآفاق فانطلق كلمة "وخيرت" على كل لسان.

 

نماذج من المشروعات…

من المؤكد أن أكبر مشروع اجتماعي تنموي تبنته الشركة أو مولته بشكل كبير هو مدرسة المعادن و مركز الحالات المستعجلة وكلاهما من فكرة الدكتور واقتراحه وحتى تنفيذه ابتداء، وبينما تم استلام الأخير من قبل الدولة بشكل غير رسمي، وإن عجزت عن تجهيزه كما التزمت، فإن الأول قد تولت الشركة تمويله المعتبر حيث شاركت فيه كل من "أم سي أم" و"اسنيم" و لا يزال المشروع الهام قائما على قدم وساق حيث اكتتب الأساتذة واستقبل الطلاب وشرع في بناء الأقسام والإدارة والحي السكني أو كاد كما لم تضف إليه "كينروس" إضافة تذكر باستثناء التزام بضخ عشرة ملايين دولار لا ندري أوفت بها أم عجزت!

 

أما مركز الحالات المستعجلة و هو الواقع جنب المركز الوطني لأمراض القلب فكان اتفاقا بين الشركة والدولة على أن تتولى الأولى البناء والأخيرة التجهيز الضروري من الآلات الفنية والطاقم البشري وقد وضع حجره الأساس الوزير الأول في الذكرى الإحدى و الخمسين لعيد الاستقلال الوطني وبدأت الشركة في البناء حتى تم لكنه بقي مغلقا حتى كتابة هذا المقال و لم يدشن حتى الآن ولما توف الدولة بتجهيزه وافتتاحه.

 

كفالة الأيتام

لعل الشركة لم تنتبه إلا متأخرة لأهمية كفالة الأيتام وإن بحجم ضئيل مقارنة بحجمها وإمكاناتها، فكان أن أرسلت جمعية بسمة وأمل طلبا لكفالة الأيتام إلى الشركة سنة 2010 فكان الدكتور إيجابيا في هذا الاتجاه حيث وافق على كفالة أكثر من خمسين يتيما قبل أن يبلغ العدد الثمانين لاحقا في 2011 بعد توقيع اتفاق بزيادته بمبادرة كريمة من الدكتور بعقد لمدة سنة قابل للتجديد حيث يتقاضى اليتيم الواحد مبلغ 15000 أوقية كل شهر دون تأخير في أغلب الأحيان.

 

ما إن تم التوقيع حتى غادر الدكتور وحلت محله الفتاة فابيانا اليسكاس أو الابنة المدللة لنائب الرئيس المكلف بإفريقيا باتريك هيكي وجددت العقد بعد لأي وعلى مضض لمدة سنتين 2012 و2013 مع عدم الاقتناع بالفائدة والهدف والتشكيك في وسائل وأهداف من سبقها وورثته، وفي السنة الثالثة قطعت الفتاة الشك باليقين فجزت بآلة قاطعة حبل الكفالة المبرم مغطية نيتها المشكوك فيها أصلا بإهداء مبلغ خمسة أو ستة ملاين أوقية دفعة واحدة في يونيو حزيران 2014 أي قبيل حلول تجديد العقد لتسدل الستار على قصة كفالة تازيازت لثمانين يتيما من خلال جمعية بسمة وأمل.

 

مركز الحماية والدمج الاجتماعي للطفل

منذ بداية ظهور تازيازت وهي تتمتع بعلاقات مع هذا المركز  في المجال الطوعي وهو مركز رسمي تموله الدولة ويتبع لوزارة المرأة والطفل وله فرعان أساسيان أحدهما في الميناء والآخر في دار النعيم وقد أهدت له الشركة باصا لنقل الأطفال وتولت بشكل دائم إن كان لا زال تغذية أطفاله بدفع مبلغ أربعة ملايين وتزيد كل ثلاثة أشهر، وكذلك تكوين مجموعات منهم بصفة دورية في مجال النجارة بالنسبة للأولاد والخياطة بالنسبة للبنات. لكن كل هذه العمليات وخصوصا الأولى  تتخللها بعض الثغور باعتبار دفع المبالغ بشكل مباشر دون اعتماد آلية رقابية دقيقة تسد الذرائع وتضمن وصول الفائدة كاملة للمستفيد المستهدف.

 

مشروعات متفرقة…

أنجزت الشركة عدة مشروعات صغيرة متفرقة في بعض ولايات الوطن من بناء أقسام للمدارس الابتدائية و تشييد نقاط صحية وتنظيم سقاية لبعض الأحياء وحفر بعض الآبار  وتوفير الحاويات المائية وإن لم تتبع هذه المشروعات المعايير الفنية المضبوطة في التمويل والتنفيذ والتسليم إضافة لكونها تفتقد الدراسة في أغلب الأحيان ولم تصل إلى مستوى المشروعات الاجتماعية ذات البال.

 

خاتمة…

نستشف مما سبق أن النشاط الاجتماعي لدى الشركة ظل رهين عدة عوامل منعته حتى في عز ازدهاره من أن يصل إلى الحد الذي يوصف أو يسمى فيه بالمشروع الاجتماعي ذي النفع العام، ولعل أهم هذه العوامل إحجام الشركة وخوفها من مترتبات ما بعد انجاز المشروعات كالتسيير والإشراف ودفع الرواتب من جهة، ثم تلكؤ الدولة وعدم نهوضها بالتزاماتها تجاه المشروع المزمع إنجازه مما نص عليه العقد أو لم ينص، وكنتيجة لهذه الحالة فقد ظل هذا النشاط طريقة للمداراة لدى الشركة تسكت بها من أراد التقول أو من يحتمل له ذلك بدراهم معدودة في ثوب مشروع اجتماعي صغير ذي نفع عام بينما يكون في الحقيقة نفعا شخصيا لا يعدو ريعه جيب المقاول صونا لصورة الشركة وحفاظا على عرضها من قول المتقولين وقدح القادحين.

 

أما و قد تولى الأمر من ليس له بأهل فأحل التنظير محل التنفيذ والدراسة اللا متناهية محل الانجاز الحاصل –كما قلنا – فقد أصبحنا نبكي على زمن الإسكات ذلك.

الأحدث