جدول المحتويات
وللتذكير جاءت ثورة الحسين رضي الله عنه ضمن هبة هائلة واجه بها شباب الصحابة وكبار أبناء الصحابة رضوان الله عليهم بداية الملك العاض في هذه الأمة ثم واصل بعدهم -مدة قرن أو يزيد- جيلٌ التابعين وفقهاء الأمة العظام الثورةَ واستشهد -وأوذي في هذا المعمعان- أعلامٌ من أفضل سلف هذه الأمة.
هذه الثورة شوهها طائفتان تشويها غريبا: أولهما عامة الشيعة إن لم نقل جميعهم الذين ربطوا ثورة الحسين ببدع ما أنزل الله بها من سلطان أبسطها أنها تجعل من البيت النبوي الشريف بيتا كسرويا لاهوتيا يتوارث رقاب الناس وكأن الحسين عليه السلام خرج ليزيل ملك بني أمية ويقيم ملكا لبني هاشم.
الطائفة الثانية هي فقهاء السوء والسلاطين وأئمة الخنوع من أهل السنة الذين سعوا لطمس كل هذا الجهاد المبارك ليحلوا محله فقها صيروه بعد ذلك عقيدة بوجوب الاستكانة و "حب أئمة المسلمين" حتى لو ضربوا الأبشار وأخذوا الأموال وضرورة الدعاء لهم أن يديمهم الله على ظهورنا وظهور أبنائنا وأحفادنا.
أحسب أنه من المناسب في هذا الزمن الثوري الجهادي المبارك العودة إلى ذلك المعين الأول وتلك الثورة السلفية المباركة للاقتداء بما سطرته بصفائح السيوف وصحائف الكتب على جبين التاريخ الناصع و"الفقه اللاهب" ومن ذلك نذكر نماذج منه من الصحابة الكرام ومن الآل الأشراف .
أولا: ثورات الصحابة وامتداداتها
1- بواكير معارضة توريث يزيد
لما بدأ معاوية رضي الله وعفا عنه التهيئة لتوريث الخلافة ليزيد عليه من الله ما يستحق انطلقت المعارضة الشديدة لهذه البدعة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة شباب الصحابة وخاصة من المهاجرين أمثال الحسين بن علي رضي الله عنهما وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق الذي قاطع مروان بن الحكم أمير المدينة حين قال في خطبته "إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنة أبي بكر وعمر، بل سنة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ولا في أحد من أهل بيتهما".
2- ثورة أهل المدينة
فلما توفي معاوية رضي الله عنه وتولى يزيد الملك العاض قامت الثورات في وجهه لاسيما أنه كان سيئ السيرة وكانت من أوائل الثورات في وجهه ثورة أهل المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة بن الصحابي الأنصاري الأوسي الجليل حنظلة الغسيل شهيد أحد، ومعه التابعي القرشي عبد الإله بن المطيع فأرسل لهم يزيد مليشياته الشامية بقيادة "مجرم" بن الوليد -اسمه مسلم ولكن صار العلماء يسمونه مجرما لبطشه بأهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم – فأوقع بهم مجزرة عظيمة استشهد فيها من الصحابة وأبنائهم والتابعين خلق كثير وسميت وقعة الحرة سنة 63 هجرية.
3- ثورة بن الزبير رضي الله عنه
رفض عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما بيعة يزيد وانحاز إلى مكة حيث بايعه أهلها فلما فتك يزيد بثورة الحسين وثورة أهل المدينة وجه إليه "مجرم بن الوليد" الذي كان من يزيد بمثابة الحجاج من عبد الملك بن مروان فحاصر أهل مكة حتى توفي يزيد فتداعى عدد من الأمصار لبيعة بن الزبير (الحجاز والعراق واليمن) بدل مروان بن الحكم الذي حل محل يزيد بن معاوية لكن الانتقال السريع للملك الأموي إلى عبد الملك بن مروان وبروز الجزار الحجاج بن يوسف أدى إلى سحق ثورة بن الزبير واستشهاده في حرم الله المشرف على نحو ما هو معروف.
4- ثورة الفقهاء (نعم ثورة الفقهاء!(
كان علماء الأمصار من التابعين ممتعضين جدا من سلوك بني مروان ويدهم الباطشة الحجاج بن يوسف وكانت نفوسهم تختزن الثورة بسبب ما اقترفه الحجاج في الحرم المكي أيام قمع ثورة الصحابي بن الزبير فحدث أن أحد أمراء الحجاج "عبد الرحمن بن الأشعث" كان يقود جيشا غازيا في بلاد الكفر وكان الحجاج يخاف من طموح مساعده فأمره أن يتوغل في بلاد الأعداء عكس ما يقتضي التخطيط العسكري السليم وذلك لكي يتخلص منه فطرح بن الأشعث الأمر على الجيش فقالوا إنهم لن يطيعوا "عدو الله" الحجاج وكان ذلك شرارة ثورة عارمة فجَّرت ما كان في النفوس من غضب على الحجاج، ولأن هذا الجيش كان قوامه من أهل العراق ومن ضمنه كتائب من قراء العراق وعلمائه الأجلاء تحول الأمر إلى ثورة على تعسف بني أمية وطغيان جيوشهم الشامية فتخلوا عن بيعة عبد الملك بن مروان وعادوا إلى مدنهم في العراق (البصرة والكوفة بالأساس) وأخرجوا منها الحجاج وقاتلوه قتالا شديدا وكانت كتائب القراء التي في الجيش من أشده حماسة وكان شعارهم "يالثارات الصلاة" (احتجاجا على تأخير الحجاج الدائم للصلاة) ولكن هذه الهبة المباركة سحقت تحت مكر الحجاج ووحشيته في آخر معركة من معاركها التي ناهزت الثمانين معركة وهي معركة "دير الجماجم" سنة 83 هجرية.
ومن العلماء الأجلاء الذين شاركوا في هذه الثورة سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بعدها صبرا!! وعامر الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومئات غيرهم.
5- ثورة الفقيه المحدث أحمد بن نصر الخزاعي شيخ الإمام البخاري ووجهها السلمي أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
ثار هذا المحدث السلفي العظيم ضد فرض بدعة خلق القرآن على الناس بقوة السيف على يد العباسيين فخلع بيعة الواثق بن المعتصم بن هارون الرشيد وبدأ الناس يبايعونه سرا للثورة على طغاة بني العباس لكن أمره انكشف مبكرا فأخذه الواثق وطلب منه أن يقول بخلق القرآن فأبى فقتله رحمة الله عليه وكان ذلك سنة 231 هـ.
قال عنه الإمام أحمد بن حنبل "رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه لله".
وأحمد بن حنبل رضي الله عنه كان هو أيضا الجانب السلمي للثورة ضد القول بخلق القرآن فقد أوذي 18 سنة بالسجن والتنكيل والتعذيب ليقول إن من حق "أمير المؤمنين" مصادرة عقائد الناس وإجبارهم على القول على الله بما لا يعتقدونه فأبى وجاد بنفسه لله أيضا ولكن بالتقسيط!!
فقد تعاقب على إيذائه ثلاثة ملوك: المأمون والمعتصم والواثق وظل صابرا على التعذيب والسجن والمضايقة وانحنت الأمة كلها تحت سياط بني العباس إلا جلد أحمد بن حنبل النحيل الواهن رحمه الله من شهم!! ثم يجيء اليوم من يريد أن يفرض علينا باسم مذهبه مهادنة الطغاة.
ثانيا: ثورات الأشراف
1- ثورة الحسين رضي الله عنه.
لما توفي معاوية رضي الله عنه أراد يزيد من أهل المدينة مبايعته فخرج الحسين إلى مكة رفضا لبيعة يزيد وحين حل بها بدأ أهل العراق وخاصة الكوفة يراسلونه ليقدم عليهم ويبايعونه، فرأى في الأمر فرصة للثورة على توريث الخلافة ليزيد الذي لم يكن أهلا لها ولم ينلها بطريقة شرعية.
غير أن العارفين بأهل العراق من أمثال حبر الأمة عبد الله بن عباس حذروا الحسين من أنهم لا يعول عليهم وذكروه أنهم خذلوا قبله أباه عليا وأخاه الحسن رضي الله عنهما..فأرسل الحسين بن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليعرف له الواقع الميداني فتوجه إلى الكوفة ونزل عند أعيان من أنصار الحسين بها وبدأ يستطلع الأمر وينشر الدعوة لمبايعة الحسين ولم يكن يمتلك من الدهاء السياسي والتقدير الحصيف والمعرفة بالعراق ما يمتلكه بن عباس رضي الله عنه وأمثاله الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج، فحين رأى الآلاف تبايع الحسين أرسل له يستحثه على المجيء.
و بعد أن علم يزيد بن معاوية بأمر مسلم بن عقيل غير واليه على الكوفة النعمان بن بشير لأنه تبنى سياسة سلمية في مواجهة بن عقيل وعين على الكوفة الداهية الفاتك عبيد الله بن زياد بن أبيه فتبنى سياسة كيدية ماكرة أدت إلى انكشاف أمر مسلم بن عقيل وتخلي رؤوس الناس عنه مما اضطره إلى تعجيل المواجهة مع بن زياد فوقعت بينهما معركة كانت نهايتها هزيمة جيش بن عقيل وأخذه أسيرا وقتله.
كان الحسين قد خرج قبل وقوع المعركة متوجها إلى العراق ومعه أهل بيته وجماعة من أنصاره من ضمنهم وجوه من أهل الكوفة وجماعة من شباب آل البيت من إخوته وأبنائه وأبناء إخوته وأعمامه، ولم يعلم بمقتل بن عقيل حتى اقترب من الكوفة وحين جاءته الأنباء بما وقع تبين أن أهل الكوفة خانوه ولكن الوقت كان قد فات على التراجع لاسيما أن ابن زياد وقادة جيشه الذين أرسلهم لمنع الحسين من دخول الكوفة تشددوا في المفاوضات فكانت النتيجة أن وقعت المعركة وكان مع الحسين نحو مائة رجل بعد أن سمح لمن أراد ان ينصرف عنه بالانصراف.
أما جيش ابن زياد بقيادة عمرو بن سعيد بن العاصي وشمر بن ذي الجوشن فكان بالآلاف وقد استبسل الحسين ومن معه من الفدائيين وخاصة من شباب أهل البيت ولم يقبلوا الاستسلام فكانت النتيجة المنطقية وهي استشهاد الحسين في العاشر من محرم سنة 61هـ ومعه عشرات من أصحابه بينهم 18 من آل بيت رسول الله من أبناء علي والحسن والحسين وعقيل وجعفر وحمل رأس الحسين إلى ابن زياد في الكوفة ثم حمل إلى يزيد بن معاوية بدمشق؛ ووا أسفاه!!
2- ثورة زيد بن علي، وثورة أبناء عبد الله بن الحسن
تلك صفحة مؤلمة من تاريخ هذه الأمة تقطر الأكباد، ولكنها تسطر ملحمة كبرى في مواجهة سلب الناس حقهم في أن يكون الأمر بينهم شورى. ولئن كانت النتيجة لم تتحقق حتى الآن لكنها ألهمت ثوارا كثيرين من بعده ظلوا يواجهون الاستبداد بعضهم بالعمل وبعضهم بالعلم وإن طمسهم التاريخ!!
ولضيق الحيز نذكر على وجه التمثيل -لا الاستفاضة ثورتين قادهما أئمة من آل بيت رسول الله بعد الحسين بفترات ليست طويلة وهما ثورة يزيد بن علي بن الحسين وابنه يحيى ضد هشام بن عبد الملك (122هـــ إلى 125هـ )وثورة أبناء عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي رضي الله عنهم وهم محمد النفس الزكية وإبراهيم ضد أبي جعفر المنصور (145هـ) وهذه الثورة يذكر كثير من المؤرخين أن الإمامين أبا حنيفة ومالكا رضي الله عنهما كانا متعاطفين معها.