جدول المحتويات
وقد كانت ردود الفعل على تلك المقاربات من بعض الفئات المعنية في غاية الجودة والتجاوب،بينما قابلها البعض بالصمت المطبق، ولاسيما من المثقفين الجدد، ربما لأن أغلبهم ـ للأسف ــ يتحاشى المطبات و يعتبرُ المغنم أولى..
ولكنني اليوم سأبسط موقفي من التحرك الفئوي..
في كل مجتمعات الدنيا من بني الإنسان شرائح و طبقات و تراتبية. وترتيب الناس على ما سوى الجدارة في عمل الخير والعلم والتقوى فعل ظالم ومُجَرَّم بالفطرة الإنسانية السليمة، ومناقض لحقائق الأشياء و طبيعتها.
وقد جاءت الشرائع السماوية كلُّها، والثورات الأرضية جلُّها، لإزالة الظلم و إحقاق حقوق المستضعفين بالحرية والانعتاق من كافة المظالم الجسدية والمعنوية الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية.
وموريتانيا ــ كغيرها ــ من دول العالم و مجتمعاته عرفتْ الظلم والغبن و التمييز على أساس المحتد تارة، والقوة أخرى، وتأخرت هذه الممارسات الظالمة فيها إلى ما بعد دولة الاستقلال ـ برغم الترسانة التشريعية من دستور وقوانين وأحكام ـ نتيجة للتخلف الفكري والعلمي والتقني وانغلاق المجتمع عن التأثيرات الخارجية.
ومع تنامي الممارسة السياسية المؤدلجة ظهرت حركات انعتاقية كبرى كان لها كبير الأثر في نشر الوعي التحرري والنضال الحقوقي بجدارة، تدفعها الوطنية الحقة والشعور بالآخر الشريك في الوطن وتحملت قضيته كقضية وطنية إنسانية عادلة، بعيداً عن أي تعصب فئوي أو شرائحي أو طبقي..
لكن تحويل قضايا المظالم الفئوية إلى حالة عنصرية وعصبية جديدة وعزلها عنبقية الفئات المهمشة المظلومة الأخرى، بغية خلق مكون إثني جديد، هي دعوة مرفوضة لأنها تهدم كيانا واحدا وتخترقه أفقيا لتمزقه رغم أنه موحد لغة وعادات و تقاليد وأنماط سلوك ومنظومة قيم و آدابا و فنونا ومرويات و أحاجي ومذهبا و تاريخا وانتماءات قبلية..
ولأن الانتماء لا يحصل باللون و لا بالطبقة و لا بتماثل المعاناة، لأنها حالات متبدلة بتغير الوضع المادي والعلمي لصاحبها، فإن المراهنة عليها خاسرة بشواهد التاريخ حديثه وقديمه.
صحيح أن التعبئة على كراهية الشريك في الوطن والدين وتحميله مظالم من موروثات طبائع المجتمعات القديمة، و شحن النفوس بالحقد والأوهام المريضة، قد يولد انفجارات تسبب مآسي و تُجدِّدُ مظالم أخطر وقد تستبدل ظالما بظالم جديد وتورث أحقادا مستجدة وتهيئ لدوامة من الانتقام والانتقام المضاد أشدُّ فتكا وأخطر أثراً من تلك التي كانت في حكم المنتهية بحتمية انتفاء ظروفها الموضوعية.
و ستخمد الانفجارات حتماً، وستقوي اللحمة وتنصهر الوحدة في بوتقة تزيدها صلابة، وكذلك المعدن النفيس، بعد انطفاء الحريق وهلاك مُسببيه. ذلك هوالدرس المستفاد من تاريخ مآسي الشعوب بعد ما يفنى مشعلو الحرائق في أتون ما جنت أيديهم.
عندها سيتضح للناس أن الهدَف لم يكن عتقا ولا عدلا لفئة وإنما هو زعزعة وحدة المكون الأساس للشعب الموريتاني أي الكتلة الصلبة الناطقة بلغة القرآن الكريم ودقِّ إسفين من الكراهية بين شرائحها و فئاتها .
وإلا فلماذا لا يشمل الحراك الأرقاء الحاليين والحدادين والأقنان و الصيادين و مزارعي السخرة والقوالين من القوميات الأخرى التي من بينها من يفرق بين الفئات في الحياة وفي الموت و العبادات؟! أم أن لعبة وحدة اللون هنا تسمح بما لا يسمح به اختلافه؟
من هنا و تأسيسا عليه، فإننا، وقد مارسنا النضال منذ الحلم من أجل حلم واحد لكنه عريض هو تحقيق الحرية والعدالة و المساواة و الكرامة والتكافل الاجتماعي الذي يضمن حق المواطن في العمل والعلم والصحة و الفرح دون فئوية أو تراتبية أو تسلط ، في إطار الوحدة الوطنية الشاملة العادلة الجامعة للشعب الموريتاني التي تصون هويته الحضارية الجامعة الضامنة لحق كل مكون في تميزه الذي يحفظ له ذاته دون نقص أو طغيان، نؤكد على:
*أن رفع ما تقدم من الحيف التاريخي اللاحق بكافة الفئات قديما: من أرقاء سابقين ومعلمين وحمريين و لحمة ومرابطيين و إيمراقن و نمادي و خدام تأبير.. وما تأخّر: كوضع فقراء أحياء الصفيح و سكان الأرياف وعمال المياومة و الكفاءات المعطلة ليس برنامج مرشح ولا خيار حزب و لامكاسب معارضة…
*ومطالبة الدولة باستعمال كافة أدوات الفعل الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي و الديني في مسار مقصده الأسمى رفع الظلم من غير انتقاء و لا إقصاء ليست استجداء فضل حاكم ولا مبرة من مُحسن.. و إنما هي مطالب شعب وحقوق مواطنين لا مساومة فيها و لا تنازل عنها.
* و أن الأخطار المحدقة بالبلاد داخليا و خارجيا تتطلب موقفا غير قابل للتأجيل والشعب الموريتاني وحده هو القادر على اتخاذه والدفاع عنه..
و على من يجد في نفسه الأهلية للتجاوب مع آمال و آلام شعبه أن يهيئ ــ على وجه الاستعجال الذي لا يتنافى مع الرويةــ مؤتمر وحدة وطنية تأسيسيا لا يستثني أحدا و لا يحجر على رأي إلا بكتاب.
و بنفس الإلحاح على الطلائع المستنيرة من كافة مكونات الوطن والمجتمع أحزابا و منظمات و أسماء مرجعية، ممارسة دورها لإنجاز مطالب الجماهير المظلومة صاحبة الحق الحصري في إرادتها و صنع غدها الوضاء..
*وبعدُ…فإن أخطر ما يواجه البلد هو غياب المنظومة السياسية والأخلاقية التي تنظم مجال الخلاف وقواعد الاختلاف، وتحدد الثوابت التي لا يجوز المساس بها باعتبارها جوهر الكيان الوطني المقدس، وتلك ، منوطة ،شرطيا، بالهيئة الناظمة المؤتمنة المُهابة المَهيبة بالعدل والصدق والوازع الديني والحس الوطني واليقين بما بعد الموت.
حمى الله شعب موريتانيا من كل مكروه.