جدول المحتويات
أربعة وخمسون عاما والجمهورية الاسلامية الموريتانية تبني نفسها براعية السيدة العظيمة فرنسا تارة، وبرعاية كافة القوى المحركة لعالمنا الكبير والمسيطرة عليه تارة أخرى، أربعة وخمسون عاما، وغيرنا كثيرٌ تشكلت هويته بعد ذلك بسنوات وهو الآن ينافس القوى العظمى في التقدم والازدهار، ونحن لا زلنا في طور التشيئ نعيد الخطى ونرتبها مرة تلو الأخرى ونقيّم أنفسنا ونقدم ونؤخر، لكن هل ذلك راجع إلى تجربة المجتمع الموريتاني القليلة تاريخيا مع السلطة؟ يتساءل البعض، ويتساءل آخرون ويفسر أسباب التلعثم بالعقلية المنحطة التي أنتجتها تلك الوضيعة السابقة.
والحق أننا ومنذ أن سُلمت مقاليد السلطة إلى السيد المختار ولد داداه ونحن لا زلنا نسير في بوتقة الأحلام الصغيرة التي كان يضعها هو ومن معه كمستقبل للبلاد، ولا زلنا نعيش بفضل تلك المشاريع الصغيرة التي كانت تنم عن وضعية اجتماعية مفتتة بين القبائل والوجهاء وبين ذوي النفوذ الضيق الذين كانت تحملهم شهوة حب الظهور إلى تبني الفكرة التي باركتها فرنسا بإنشاء وطن مستقل قائم بذاته يسمى موريتانيا، يضم أعراقا عدة وفئاتا متعددة وجغرافية متسعة بالمقارنة مع ذلك، ومع أن تاريخ المنطقة مليء بأحداث الملوك والدول إلا أن ذلك كان في أشكال غير شكل الدولة القائم في وقتنا الراهن، فمملكة سونغاي وصوصو وغانا والمرابطون كلها دولٌ كانت تضم إما أجزاءٌ من المنطقة بمناطق من الدول المجاورة أو تضم المنطقة مع أيضا مناطق أخرى مجاورة، ثم أن أشكال السلطة وأجهزتها التي قامت بعد دخول قبائل بني حسان المنطقة كانت محدودة النفوذ وضيقة الولاء بالمقارنة مع الدولة الحالة التي ورثت كل ذلك.
فمن هذا المنطلق يمكن للقارئ أن يستبعد قرار طفولة التجربة المحلية مع الأجهزة السلطوية، ويلقى الضوء على الواقع ليقرأ أسباب الفشل في بناء دولة يترسخ مفهومها الوطني في الضمير الجمعي للأفراد، وتكون مصلحتها فوق مصالح الجهات والقبائل الضيقة، والولاء لها أولا يكون قبل الولاء لما هو أضيق.
كما أن الحديث عن الاستقلال يجب أن يكون حديثا عن الانتاج الاقتصادي وما حققت الدولة في سبيل بناء الوحدة الوطنية وتجسيد الوعي بها والطرق الناجحة التي اتبعتها في تسير الموارد الطبيعة، ولا يجب أن يُتجاهل في الحديث عنه والاحتفال به أي من النقاط السابقة، فهدف الدولة يتمثل في ذلك، ويجب أن تحتفل بتحقيقها لأي من ذلك، ولا يجب أن تكون ذكرى عارضة يحتفل بها في أسلوب روتيني ممل يتجسد في خروج الرئيس من الخيمة الإسمنتية وحضور الشخصيات النافذة في البلد ورفع العالم الوطني وتوشيح شخصيات في الجيش تكريما على مجهودهم الشخصي ـ مع أهمية تلك النقطة ـ.
إذ أن ذكراه تمثل خيارا اتبعته السلطة واختارته العامة أو فرض عليها، في إنشاء دولة من رحم الفلاة والسيبة ويجب أن تكون تجسيدا وإثباتا لصحة الخيار الذي سار إليه أبناه هذا الوطن وتعبيرا عن صدق إرادتهم ونبالة رؤاهم في خلق دولة يعم فيها جميع المنتسبين إليها بالأمن والحرية والمساواة وتتحقق فيها الحقوق، علما بأن ذلك لا يتم إلا بالمشاركة الفعالة والصادقة وفتح جميع الأبواب من أجل ذلك ودحر العقد وإخراجها بعيدا عن جو التعاضد بعيدا، فالتاريخ لا يتحكم فيه الحاضرون ومخلفاته لا ينبغي أن تكون عائقا يحول دون نهضتنا نحن.
إن نتيجة الوضع الذي نعيشه الآن بناء على هذا هو الخطى المتذبذبة والأزمنة السلطوية المتضاربة بسبب كثرة الأنظمة المتعاقبة علينا، فكل نظام أتى يلعن صاحبه ويعد ويمني ويبين سوءات السابق ويصيغ من الفضائح ما يشغل به الرأي العام عن أسباب تقلصه هو سدة الحكم، وبقى بذلك حلم التشكل في كف نزوات العسكر وتسلطهم على الشعوب وجهلهم في فقه الحكم والإدارة الرشيدة لجميع المؤسسات الممثلة في البلد.
فالدولة لا بد لها من رؤية واضحة المعالم محكمة تتم صياغتها بحنكة ودراية فائقة تأخذ في الاعتبار الخصوصيات المحلية وما يتماشى مع البيئة الجغرافية الاجتماعية لهذا المجتمع، يُلزم بعد ذلك التمسك بها ويحرم القانون جميع ما من شأنه أن يمس منها ليحرك بذلك الارادة الجماعية إلى رغبة شخصية هكذا تبنى الهمم الدولانية وتحرك المصالح العامة، وفقدان ذلك هو ينقص دولتنا الوليدة من رحم السيبة.