جدول المحتويات
لكن "واغا" مساء الغد بدت خالية من الزينة ودواعي الاشتهاء، وعاجزة عن الإيحاء حتى بالعيون.. تلبس السواد وتخفي سياراتُ العسكر جمالَ شوارعها وساحاتها الفسيحة.. فقد بدأت تتربص بنفسها بعد ما خلعت زواجا قسريا طويلا مع بليز كمباوري، وبدت غير مطمئنة إلى مغازلات الساسة والقادة العسكريين المتحلقين حولها.. رفضت الجنرالين أونوري تراوري ولوغي، رغم الرتبة العسكرية العالية لكليهما واستقرت أخيرا على المقدم إسحاق زيدا.. ربما أغوتها مطارحات الشباب أمام البرلمان وفي ساحة الأمة، فتذكرت أيام وصل مضت مع الكابتن توماس سانكارا، ووجدت بعضا من صفاته الشبابية، لا الثورية في زيدا فارتمت في حضنه، غير مستمعة لتحذيرات ونصائح الترويكا.. هي كذلك المدن الأفريقية تعشق البزات والنياشين، أليس كذلك يا نواكشوط؟
من المطار إلى فندق "سبلنديد" على شارع كوامي نكروما، ولاحقا في رحلة بحث غير موفقة عن مطعم أو حانوت بدت "واغا" ليلا في تصالح تام مع حكامها الجدد.. حظر التجوال الذي يبدأ من العاشرة بالتوقيت المحلي تفرضه بالقوة سيارات الشرطة والجيش، وينصاع له البوركينيون المنهكون من أيام الصدام..
لقد رحل كومباوري والبقية تفاصيل، يقول معظمهم.
خلدت "واغا" إلى النوم باكرا.. لم تعرنا كثيرا من الاهتمام في تلك الليلة ولم تجب على أسئلتنا المتعددة، لكن مظهر البناية المحترقة الحزينة جنب الفندق فضح صمتها.. إنها مقر حزب الرئيس السابق وقد لعبت به أيادي الثائرين.. أراقبه عن بعد وآخذ نفسا عميقا لا تكدر صفوه رائحة الدخان المنتشرة في سماء واغا.. أحس بالارتياح والزهو، وأحرق في ذهني مقرات كل الأحزاب الحاكمة في أفريقيا والعالم العربي.. أبدأ من نواكشوط وأرى ألسنة اللهب تلتهم مقررات بعثتي الحزب الحاكم إلى الحوض الغربي وغورغول وتوصياتهما بترشيح فلان نظرا لوفرة أعداد قبيلته وقوة شكيمتها، وتقديم فلان نظرا لقدرته على تمويل حملته ذاتيا، وسعيا لفت عضد ابن عمه المعارض.. أرى تلك المقررات تتطاير في الشارع فأشعر بالانتصار وأقبل كل البوركينيين.
يتسلل النعاس بعد يوم متعب من استهتار الخطوط الجوية للسنغال، والقلق من الإيبولا وفحوصات درجة الحرارة في مطارات داكار وباماكو وواغادوغو.. أتذكر قبيل النوم أني صافحت سائق تاكسي بباماكو في لحظة مرح فأبعد يدي عني وأسأل نفسي ما إذا كنت سألعب دور "لويس نوا" في رائعة الروائي السوداني "إيبولا 76" وأنقل المرض الفتاك إلى بلدي.. لكني لم أقم بما قام به "نوا" من عبث خلال رحلته إلى الكونغو.. أطرد الوساوس وشخوص وأحداث الرواية وأمني النفس بيوم صحفي مثقل بالأحداث تنفرد فيه الجزيرة بين القنوات العربية بنقل واقع بوركينا فاسو الجديد..
تشرق شمس "واغا" وضاحة كما هي ثورة البوركينيين.. تبدد الشكوك في أنفس القادمين ويفتح ميدان الأمة قلبه فيحتضن الزوار بعبق ثوري، يتخلص تحت جهد عمال النظافة الطيبين، الذين لا ترافقهم كاميرات أثناء عملهم، من بقايا الثورة وتبقى الجدران المحاذية له شاهدة على بغض وتبرم أبناء واغا من كومباوري.. تقول إحدى لوحات الغرافيتي إن كومباوري والإيبولا ثنائي رهيب يجب القضاء عليهما في أسرع وقت..
تمر الدراجات النارية التي تعج بها المدينة مسرعة في يوم جديد من حياة بوركينا فاسو.. يغيب كومباوري تماما من دائرة الضوء، فيستعيد مؤسس بوركينا فاسو الحديثة المغدور سانكارا بعضا من ألق عاش مطمورا في النفوس طيلة ثلاث عقود.. يمر من أمامي رفقة تشي غيفارا مزهوين في صور معلقة على السيارات، يحمل أحد الشباب العاطلين عن العمل -وما أكثرهم في واغا- صورا لجثث عثر عليها في منزل فرانسوا كمباوري وأسطوانات تمجد الثورة والأفريقانية، ويعرض بائع آخر خارطة أفريقيا وقد غابت عنها الحدود بثمانية آلاف فرنك غرب أفريقي فقط..
ليس الباعة المتجولون وحدهم من يشعرون بمركزية واغا في الفعل السياسي الأفريقي، فالمعارضة الشبابية والحزبية تريد أن يؤسس حرق البرلمان وفندق آزالاي الذي بات فيه النواب آخر ليلة لهم لمرحلة جديدة من وعي الأفارقة وحقهم في رمي الحكام الحاكمين بغير مصالح الشعوب في مزبلة التاريخ والحكم عليهم بالتسلل في أدغال الجغرافيا والهروب تحت المظلة الفرنسية، يا لسوء الخاتمة!
يبدو الجيش ممسكا بزمام الأمور، ولكن نياشين زيدا وخيله ورجله لم تنجح رغم المحاولات في خطف ثورة الشباب المتدثر بإرث "سانكاري" مجيد.. يجيبك قائد الجبهة التقدمية السانكارية المحامي بنويندي سانكارا، الذي وقف مع الشباب في ميدان الأمة بدل أن يدعمهم بلافتة أو اثنتين وينتظر، حين تسأله عن إمكانية التفاف الجيش على الثورة بكلمة واحدة هي: "محال".. وحين يحاول أركان الحكم الكمباوري العودة تحت غطاء مبادرة الإكواس، تطل روح سانكارا من جديد في شكل نشيد وطني صاغ الكابتن كلماته عن ليلة واحدة اكتملت فيها المسيرة البوركينية لتحطم عبودية وذلا استمرا آلاف السنين، تقول كلمات النشيد.. ليلة أطلت منتصف الثمانينيات ثم اختفت تحت ضربات الامبريالية وعملائها المحليين الصغار وعادت للظهور من جديد نهاية أكتوبر ألفين وأربعة عشر.. ترتفع حناجر قادة المعارضة صادحة بالنشيد الوطني الذي يوجز القضية بين خيارين هما الشهادة أو الوطن، فيضطر أصدقاء كمباوري إلى المغادرة.. أرفع المايكروفون في وجه رئيس وفدهم، فيسألني عن المصعد.. وما أدراني، إذا كنت أنت لم تعرف مصاعد واغا ومنازلها طيلة ثلاثين سنة!!