جدول المحتويات
وزيادة على هذا الإرث التاريخي والمجد الحضاري الذي تتمتع به الجزائر، فإن لغة الواقع والأرقام لا تغمط الجزائر حقها وإنما تضعها في المقدمة أيضا، فهذا البلد يعتبر الأكبر عربيا وإفريقيا من حيث المساحة، كما أن جيشه البالغ 130 ألف فردا يعتبر الثاني إفريقيا بعد الجيش المصري، بالإضافة إلى الثروات الطائلة التي يتمتع بها، حيث يتوقع أن يصل الناتج الداخلي الخام إلى نحو 244 مليار دولارالعام المقبل، فيما ستصل النفقات الدفاعية وحدها إلى 15 مليار دولار في نفس السنة، ومؤخرا وصل الاحتياطي الجزائري من العملات الصعبة نحو 186 مليار دولار، ولا شك أن هذه الأرقام الفلكية تظهر أننا أمام بلد غني بإمكانيات بشرية ومادية ضخمة، يصاحبها إرث تاريخي وسياسي يشكل عاملا مهما من عوامل القوة الناعمة…
ورغم هذا التاريخ الثري، والحاضر القوي، إلا أن المتأمل لأداء السياسة الجزائرية في المجمل، يصاب بالحيرة من محدودية الحركة والرغبة في الانزواء بعيدا عن صناعة الأحداث والتأثير فيها، رغم الفرص المتاحة والإمكانات المختلفة التي تؤهل البلد لذلك..
وبالرغم من أن السنوات الأخيرة شهدت حراكا دبلوماسيا أعاد للجزائر بعض الألق والفاعلية، إلا أن كل ذلك يظل دون ماهو متاح للجزائر بثقلها السياسي والاقتصادي الكبير، الذي يتيح لها التحرك على أكثر من جهة، والسعي لإطفاء الحرائق المشتعلة في العالم العربي وفي إفريقيا.
ولعل من المفيد التنبيه إلى بعض النقاط المضيئة في عتمة النكوص الجزائري هذا، ومن أبرزها التدخل الجزائري الهادىء، والفعال في نفس الوقت، في الأزمة السياسية التي عصفت بتونس في مرحلة ما بعد الثورة، فكل المتتبعين يعرفون جيدا الدور الذي لعبته الدبلوماسية الجزائرية، والرئيس بتوفليقة شخصيا في ردم الهوة والتقريب بين قطبي المعادلة السياسية في تونس، راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي، وهي جهود ساهامت في تجنيب تونس مطبات ومزالق كثيرة كانت يمكن أن تعصف بهذا البلد العربي المهم
ولا شك أننا ونحن نحتفل مع التونسيين بانتخاباتهم الرائعة، نستحضر الدور الإيجابي للجزائر التي سعت بكل ما أوتيت من قوة دبلوماسية لمساعدة التونسيين نحو العبور من الإشكالات والخلافات السياسية المعقدة..
كما أن الدبلوماسية الجزائرية لعبت، ولا تزال تلعب دور نشطا في جهود حلحلة أزمة شمال مالي، وذلك عبر رعاية الحوار المستمر بين الحكومة المالية والمجموعات المطالبة بالاستقلال الذاتي..
وبرغم أهمية كل ماسبق، إلا أننا نتوقع من الجزائر بوصفها واحدة من الدول القائدة في العالم العربي وإفريقيا، أن يكون تواجدها الدبلوماسي أكثر فاعلية، وأسرع إنجازا، خصوصا في المرحلة الراهنة التي تلتهم فيه حرائق العنف والصراعات ماتبقى من خضرة واستقرار في هذا العالم العربي المرهق والدامي..
فعلى سبيل المثال يتطلع الكل إلى دور حاسم للجزائر في مساعدة الليبين للخروج من دوامة الصراع العبثي المجنون، عبر رعاية حوار شامل يضع مصلحة الشعب الليبي فوق كل اعتبار، ويمنع ليبيا من الانزلاق أكثر في مستنقع الدم والدموع..
كما أن قضية الصحراء الغربية، يمكن للجزائريين أن يساهموا في إيجاد مخرج لها عبر”التفكير خارج الصندوق”، وطرح حلول واقعية تلبي تطلعات الصحراويين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، وتضمن المصالح الاستراتيجيية للمملكة المغربية، وتخرج المنطقة المغاربية من حالة الشلل المزمن التي تعيشها..
ولعل الدور المتوقع للجزائر، والذي هي بالفعل قادرة عليه، يتجاوز المنطقة المغاربية ليشمل العالم العربي أجمع، فلماذا لا نسمع عن مبادرة جزائرية لإيقاف طاحونة الموت التي تحصد مئات السوريين يوميا، ولماذا لا يكون لبلاد المليون شهيد دور حيوي في ضبط الايقاع في عالم عربي أصبح أهله لا يتحاورون إلا بالمدافع والقذائف، وأصبح الكل فيه ينام ويصحو على أخبار القتل والتشريد..
وعلى المستوى الإفريقي، يمكن للدبلوماسية الجزائرية أن تساهم بفاعلية في إيجاد حلول للمشاكل السياسية والاقتصادية التي تتخبط فيها “سمرائنا الجميلة” من إفريقيا الوسطى إلى جنوب السودان…
يؤمن الكل بأهمية الجزائر ومحوريتها وقدرتها على أن تكون فاعلة ومؤثرة، ويتسائلون، تسائل المحب العاتب، عن سر هذا النقص الذي يعتري الجزائرالقادرة على التمام في حدوده البشرية المتاحة دبلوماسيا واقتصاديا…