جدول المحتويات
لماذا لا ينتشر التطور والازدهار فينا كما هو الحال في الآخرين؟ لماذا لا تنتهي فينا الأزمات السياسية والانسداد الثقافي والاستبداد العسكري؟
وفي فضاء ذلك تثار العديد من العراقيل والمشاكل المختلفة من فرد لآخر وحسب رؤية اجتماعية راديكالية تحاول العودة قلبا وقالبا إلى الزمن البعيد والانصهار فيه دون ما لا حدود، وأخرى معتدلة تتفهم العصر وتعطيه حقه ودوره الأساسي في إحداث التغيير.
ومن خلال قول الله تبارك وتعالى {إن الله لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} يكون التغير الاجتماعي يقف في المستوى الأول على الرغبة الجامحة لدى الأفراد والجماعات في إحداث التغيير وشعور الأفراد والجماعات بتدني واقعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وفي ظل عوارض الشدِّ والجذب بين هذا وذاك (الرغبة في حدوث التغير ، والشعور بانحطاط الحاضر) يمكن أن يتيه الأمل بحثا عن مثل يقتدي به لذلك، وهو أمرٌ طبيعي وقاعدة مجبولٌ عليها الإنسان بالفطرة، وقد عبر ابن خلدون عن ذلك من خلاله مقولته الشهيرة (المغلوب مولع بتقليد الغالب).
والحق أن هذه الكلمة والعبارة تنطبق علينا الآن أكثر من أي وقت مضى بعد أن تراجعت جيوش بني أمية وكفت مياه دجلة والفرات عن الجريان وجاءت قبائل التتار تزحف لتشرب مياهها وتحطم مقومات حضارة شملت الشرق والغرب، وبعد أن جنا العثمانيون ثمار تلك الحضارة وصارت تنتمي إلى الأتراك وتخضع لنفوذهم في حفظ مقومات الدولة الإسلامية وشرائعها وكتبها المقدسة، وبعدما احتوى الغرب ذلك وطور معارف تلك الحضارة البائدة بأسلوب آخر يتماشى مع ثقافتهم وأبدعوا فيه حتى دمروا بقاياها رأسا على عقب، يمر زمن وكل يبكي على ليلاه ويندب من الزمن ما بقي عالقا في الذاكرة الجمعوية من عز و ازدهار.
وقد كثرت التأويلات والتفسيرات لتلك المسألة منذ زمن ما يسمى أو يطلق عليه مجازا عصر النهضة حتى الساعة، وقد انقسمت الاتجاهات والآراء بين من يرى أن سبب التخلف الدين ويجب الابتعاد عنه، وبين مناصر له جازم بأن النهضة الإسلامية لا تصح من دونه، ويبرر الذين لا يرون الدين مخرجا، أن الإسلام لم يعد جديرا بالعالمية والقيادة، ويجب علينا فصله عن السُّلط ومواقع القرار، والواقع أن حال الحضارة الغربية وما يسود فيها من قوانين تحث على العدل والمساواة بين كافة الشرائح هي نفسها الشعارات التي جاء الإسلام لتثمينها وترسيخها وهي التي صنعت التقدم لها، وتركها هو الذي جعلنا في الحضيض وقد يتبين ذلك من خلال مقارنة قصيرة لواقع كلا العالمين:
ـ ففيهم نظام سياسي فوق الفرد ولا يخضع لسلطته ويتحكم النظام بأسسه في الفرد أكثر مما يتحكم هو فيه.
ـ بينما الأفراد فينا هم من يتحكم في النظام وقانونه، والشعب ومصيره، والاقتصاد وموارده.
ـ العدالة الاجتماعية التي هي بمنظورنا نحن المسلمين أساس كل تطور وازدهار فلا أسبقية لأي شخص ولا أهمية له أمام العدالة إلا بحكم حجته وضعف حجة المدعي عليه فيهم.
ـ وعندنا العدالة أو القضاء ملك للطبقة المسيطرة ولا يطبق إلا على الضعفاء.
ـ التكامل والترابط في الوحدة الوطنية والفناء دونها واختفاء وانعدام ما سواها من ولاء تقليدي وجعل المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة فيهم.
ـ بينما الإسلام عندنا بضع وسبعين شعبة أولها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحق أننا لا نميط عن الشوارع إلا النظافة ولا نزينها إلا بالقذارة، والنظام القبلي والمذهبي والطائفي يمثل مرجعية أساسية بل لا يُعترف بالدولة إلا بتبنيها و اعتبارها له.
ـ في العالم الغربي الحرية السياسية من حق الجميع لأن السياسة لا يحتكرها ولا يعمل فيها إلا من لديهم خبرة "تكوين مدرسي مبني على الشهادة " والفكرة يعترف بها حسب أهميتها الفكرية والثقافية والحاجة العامة لها.
ـ بينما فينا السياسة لا يمارسها إلا ابن شيخ قبيلة أو عسكري سالبٍ لها أو من تخصصه المعرفي متناقض مع العلوم السياسية، مع أنه هناك عوامل أخرى ساهمت هي الأخرى إلى حد كبير في استمرار الوضع الإسلامي العربي الحالي منها الهيمنة الفكرية والاقتصادية علينا، ومخلفات العولمة ومما تنتجه لصناعة الحضارة الغربية وتجديدها ودعمها كي تظل كما هي في القمة ويظل الآخرون حفاة عراة يتلقفون من نسيمها ما قدر الله لهم وما جادت بيه أيدهم هم كأسياد لنا وأولوا نعمة لنا.
والحق يقال أن الرغبة في صنع غد أفضل ومستقبل مشرق يتجاوز جراح الحاضر ويبنى بدلا منه ما تؤمله الغالبية العظمى من هذا الدين لا يتم إلا من خلال رؤية جوهرية تنتقد الواقع وتقرأه كما هو وتضع الخطط والاستراتيجيات العريضة لرسم الأمل المنشود والسير الحثيث إليه دون ما كلل أو استسلام، ذلك هو السر الذي بنا به محمد صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام وواصل المشوار بعده خلفاؤه الراشدون حتى ثبتوا قواعد دولة مبنية على حكم الله وسنة رسوله
وليست على القوانين الوضعية التي اسُتلهمت من الفكرة السماوية وحرفت مئات المرات كما حرف الإنجيل والتوراة من قبل وباتت لا تتماشى إلا مع طبيعة المجتمعات التي أنتجتها وخراب ودمار وعذاب يستجد به العذاب على أمة الإسلام التي قال فيها عمر رضي الله عنه (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
وعلى صدق هذه العبارة شهد التاريخ وشهدت أمم كثيرة الأمس واليوم وستشهد عليها في المستقبل، ولولا خوفهم من عودتنا إليه لما جندوا الجواسيس فينا وحطموا وحدتنا ونحن مغلوبون على أمرنا ولا نستطيع القيام طرفة لكثرة الجراح فينا من ضرباتهم القاتلة،
فليفهم ذلك من يعتبر.