جدول المحتويات
من النادر إذن أن تجد الفرصة والشهية المعرفية لقراءة رسالة من سطرين أرسلها أعز أصدقائك، أحرى أن تقرأ كتيبا شيقا، أو رواية قصيرة.. أما أن تجد الشهية والمناخ النفسي لقراءة كتاب ضخم، ومن مجلدين يزيد أصغرهما عن خمسائة صفحة، فهذه بدون شك من معجزات العصر. كالكتاب الذي ابتسر مني بعد أن تصفحته أسبوعا كاملا قرأته فيه مرتين قبل أن أعود إليه للمرة الثالثة فأقرأه، وما زلت متحمسا لقراءته مرات ومرات. قد يفهم هذا على أنه ضرب من المجاملة.. لكن الحقيقة أني قد اضطر إلى قول كلمة مجاملة شفاهية عن موضوع أو كتاب أهدي لي من طرف أحد الزملاء الباحثين والكتاب، لكنني لست مضطرا لكتابة حرف واحد عن أي موضوع يكتبه أي كان، إنما عهدت على نفسي حين يفرضني كتاب على قراءته فأجد فيه ما ينفع الناس، أن أكتب عنه باعتباره جهدا إنسانيا يستحق التنويه.
في الثمانينات من القرن الماضي كنت في العطلة الصيفية في بلدة بلنوار قرب بتلميت، وهي القرية التي نشأت بها وولدت في ربوعها، فزارنا أحد الطلاب كان يدرس في الخارج وعنده رواية "آنا كارينا" للكاتب الروسي تولتسوى، وكنت مولعا بالمطالعة لحد الهوس، وبقراءة الرواية لحد الجنون. حين طلبت من الفتى إعارتي الرواية لقراءتها، وافق بشرط واحد، أن اقرأها في يوم وليلة لأنه سيسافر، وكان الأمر أقرب إلى المستحيل لأن الرواية تقع في مجلدين كبيرين في أكثر من ألف ومائتي صفحة، ولم يكن يتوفر حينها غير مصابيح البترول، فوافقت، وبدأت قراءتها ظهرا، وفي المساء أوقدت مصباح البترول وواصلت قراءة الرواية، حتى الصباح، وحين بزغت شمس النهار، كنت قد أكملت الرواية. لكنني قضيت بعد ذلك أسبوعا وأنا أعالج من دوار كاد يرهقني..
سقت هذه الحكاية لأبين أن هناك أوجها متعددة للفرق بين قراءتي لرواية تولتسوى، وكتاب الشيخ ماء العينين..سأذكر منها وجهين:
الوجه الأول أنني كنت أقرأ الرواية تتبعا لتراجيديا روسية ، وتشوقا لمعرفة مصير آنا كارينا، وفي كتاب العلامة المؤرخ كنت أتقصى بدقة، وتشوق أحداث التاريخ الموريتاني، وأستقصى صفحة مشرقة من تاريخ بلدي.
الوجه الثاني أن قراءتي الأولى كانت قراءة شاب ينتابه الفضول، ويبحث في الحكي عن الإثارة، أما قراءتي الثانية فهي قراءة من حلب الدهر أشطره، وفهم أن التاريخ هو الذي يؤسس، ويعيد تأسيس تاريخ الأمم. ولا شيء أدعى للحبور من تمسك الشعوب بحريتها، ودفاعها عن كرامتها.
وبعد: فإن مؤلف هذا الكتاب المؤرخ والباحث والعالم الأستاذ الشيخ الطالب أخيار مامينه غني عن التعريف، فهو باحث مؤرخ راسخ القدم ،سليل أسرة الجاه والصلاح والعلم والمعرفة أل الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل بن الشيخ مامينه. أكرمه الله بأن جمع بين: "هاأنا ذا، وكان أبي!"
سمعت عن الطالب اخيار باحثا مدققا، ومؤرخا يأخذ المعلومة من مصادرها ، ويزنها بميزان الاستقراء والمقارنة، لكن حين جالسته وتحدثت إليه وجدته بحرا زاخرا بالمعلومات ودقائق الأخبار، يمتلك مواهب مدهشة حول هنات المؤرخين، وأغلاطهم، أما وفيات الأعيان فيستحضرها وكأنه يقرأ في كتاب. معلومات الرجل الفقهية والأصولية واللغوية مثله غنية ومتنوعة وثرة.
قبل أن أأبدي بعض الانطباعات حول كتاب:"الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوروبي"ا ،سأقدمه تقديما مجملا:
: صدرت الطبعة الثانية من كتاب" الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوروبي"، في طبعة أنيقة ومنقحة ومزيدة، وهي من جزأين .. يضم الجزء الأول ستمائة وأربعة وعشرين صفحة، من ضمنها الهوامش والملاحق. أما الجزء الثاني فيضم خمسمائة وخمسين صفحة من ضمنها الهوامش والملاحق أيضا.
الطبعة الثانية من منشورات " مؤسسة الشيخ امربيه ربه لإحياء التراث والتنمية" صدرت عن مطبعة المعارف الرباط – المغرب.
الكتاب كما هو معروف حصل على جائزة شنقيط للآداب لسنة: ٢٠٠٧م.
يحتوى الجزء الأول من الكتاب بابان:
الباب الأول: حياة الشيخ ماء العينين
يضم ستة فصول :
ـ شجرة نسبه،
ـ التعريف به،
ـ رحلته إلى الحج،
ـ لقاءاته بقبائل الصحراء،
ـ مرحلة الاستقرار،
ـ منهجه التربوي وآثاره العلمية.
الباب الثاني : العلاقة السياسية والعلمية للشيخ في محيطه العام:
يضم خمسة فصول تناولت:
-ـ علاقة الشيخ بملوك المغرب، وأمراء بلاد شنقيط.
-ـ مكانته في الساحتين السياسية والعلمية.
ـ رحلته من السماره إلى تيزنيت ووفاته.
– التعريف ببعض القبائل التي التقى بها الشيخ ماء العينين.
– في ذكر أسماء بعض الآخذين عنه.
أما الجزء الثاني من الكتاب فيضم بابين، الباب الأول بعنوان:
– حركة الجهاد وجهود الشيخ ماء العينين في التصدي للمستعمر الأوروبي.
يضم هذا الباب أربعة فصول:
– الحالة السياسية للعصر الذي ولد فيه الشيخ ماء العينين
– الآراء الفقهية حول الجهاد في عصر الشيخ ماء العينين
– بداية الاحتلال الفرنسي وخفايا سياسته وأساليبه.
– في ذكر الغزوات والمعارك والرصد المتبادل.
الباب الثاني: بعنوان جهاد أبناء الشيخ ماء العينين في مراكش وسوس وبلاد شنقيط
يضم ثلاثة فصول:
– جهاد أحمد الهيبه في مراكش وسوس.(1912-1919م)
– مرحلة المقاومة في بلاد شنقيط- (1911-.1932م)
– استمرار الجهاد تحت إمرة الشيخ مربيه ربه (1919-1934)
يغطى هذا الكتاب بأبوابه الأربعة، وفصوله الثمانية عشر الفترة التاريخية مابين 1931م، إلى1934م. أي الفترة ما بين ميلاد الشيخ المجاهد الشيخ ماء العينين، إلى خروج ابنه الشيخ امربيه ربه من بلدة كردوس في الثالث من مارس1934م .
سأعطى بعض الانطباعات العابرة حول مضامين الكتاب ، دون أن أدعي الإحاطة بهذه المضامين، أو الاقتراب من ذلك.
– نشر الباحث في هذا الجهد الضخم الكثير من الوثائق المتعلقة بالاحتلال الأوربي الفرنسي والإسباني في الصحراء الكبرى وبلاد المغرب، وقد ضم كتابه كل الفتاوى التي كتبت عن مشروعية الاستعمار الأوروبي، ومشروعية الجهاد ضده. كما تتبع بدقة وموضوعية كل الآراء المتعلقة بالأحداث الكبرى منذ بدأت فرنسا التحضير لاحتلال بلاد شنقيط وبلاد المغرب الأقصى.
– تم رصد جميع مظاهر المقاومة للاستعمار منذ بداية التوسع الأوروبي بمنهجية انتقائية مشوقة ، حيث يثبت آراء كل الأطراف حول الحادثة بالتفصيل ثم يرجح أحد الآراء انطلاقا من تصور استقرائي دون أن ينفي صحة الرأي المخالف، بل يثبت أنه مرجوح ، خلافا للكثير ممن كتبوا عن هذه المرحلة.
– الكتاب وثق بشهادة الرسائل المتبادلة بين الشيخ ماء العينين وأبنائه من بعده وبين مختلف الأمراء والملوك، والقبائل والشخصيات العلمية، والجهات، وكذلك الرسائل التي بعث بها قادة الاحتلال الفرنسي، ومؤرخيه، وثق إذن لأكثر من مائة وأربعين معركة تمت في بلاد شنقيط وبلاد سوس بالمغرب،. تلك المعارك تم إثبات وقوعها بمجموعة ضخمة من الوثائق التي اعتمد الباحث فيها على منهج المقارنة والترجيح، حسب معطيات موضوعية واضحة، يصعب التشكيك في صحتها. كما وثق لأكثر من مائتي حدث ساهمت بشكل أو بآخر في بلورة التاريخ الموريتاني الحديث.
– لقد كانت السنوات العشرون الأولى من القرن الماضي سنوات حافلة بالأحداث، وكان من الواضح أن معارك الجهاد اشتد أوارها بقيادة مباشرة، وبإشراف من العلامة الشيخ ماء العينين وأبنائه حيث كان الأمراء وشيوخ القبائل يفدون إلى السماره للإمداد بالسلاح، ناهيك عن أبناء ومريدي الشيخ الذين قادوا أكثر من معركة في بلاد شنقيط ، مما يعطى تصورا أوضح للمتابع كيف كانت علاقة الشيخ ماء العينين وأبنائه بالجهاد ضد المستعمر الفرنسي الذي اعتبر في أكثر من تقرير كتبه قادة الحملات والإداريون، ومن رسائل تبادلها أؤلاء أن كل المتاعب التي تعرض لها الفرنسيون كانت من عمل "مرابط السماره"،(الشيخ ماء العينين) بما فيها مقتل كبولاني الذي تؤكد المصادر المتاحة أن سيدي بن ملاي الزين هو الذي أخذ مبادرة قتله.
– كانت منهجية الباحث في التعاطى مع المعلومات الثرة، والوثائق التي لا حصر لها، والتي استخدمها المؤلف بحذق ومهارة في التعامل مع المحظورات، الاجتماعية، والحديث بموضوعية وإنصاف عن المسكوت عنه، والمغيب من طرف الدوائر الاستعمارية الأوروبية، قد أعطت للكتاب نكهة خاصة. أما الطعم الأشهى في الكتاب فيتعلق بإثبات دقيق ومدهش لأسماء الذين شاركوا في مختلف المعارك وأسماء الجرحى والشهداء، وحتى الذين فروا من المعارك، أوخانوا المجاهدين.
– من المدهش ولو في عقود كثيرة إنجاز خمسمائة وتسعين ترجمة غير مخلة لأعلام كلهم أخذوا عن هذا الشيخ الظاهرة، ولا يخفى أنه من الصعب إن لم نقل المستحيل تحصيل هذا الكم الهائل من الترجمات؛ لكن جهود العلامة الطالب أخيار، ورحلاته في كافة أرجاء البلاد، مستمعا وجامعا ومرجحا مكنته من تحقيق هذا المستحيل. وفي هذا الإطار أعتقد أن تواضع الكاتب والباحث الطالب اخيار هو الذي دفعه إلى عنونة هذه الترجمات باسم " أسماء بعض الآخذين عنه.".
– من المعروف أن الأسلوب المعتمد في كتابة التاريخ ، الذي هو ضرب من الحكي المعتمد على لغة سهلة لا مجاز فيها، لكي لا تؤول الحكاية تأويلا مخالفا لما قصد إليه مؤلفه، هذه اللغة عادة ما تكون لغة غير محكمة الأسلوب ، لأن الأهم في التاريخ هو المعلومة، أما صاحبنا فقد اعتمد في كتابه أسلوبا رشيقا محكم الأطراف، لا يترك مجالا "للتأويل المفرط" كما يقول الناقد (أمبرتو إيكو).
الحديث عن هذا الكتاب تتشعب أطرافه، وتتعدد أوجهه، لأنه حديث عن موسوعة تاريخية تستحق أن تقرأ وتدرس، ولتكن هذه الموسوعة الثرة فعلا لبنة لكتابة التاريخ الموريتاني الذي أصبح يتناوشه كل مناوش، ويعاد فيه تأسيس تاريخ لم يسجل في التاريخ ، ولم يقع على الأرض.. ولم يقدر له في السماء.
وبالمناسبة فإنني أدعوا على تواضعي وللمرة العاشرة على ما أذكر، السلطات العليا في هذا البلد أن تؤسس هيئة علمية مستقلة لكتابة تاريخنا الوطني ، كي لا يصبح هذا التاريخ مجرد تأريخ لكانتونات قبلية وجهوية وفئوية، فلحمة التاريخ هي التي تمدنا بوسائل وحدتنا، ولا نعلم على تواضع ما نعلم أمة من الأمم إلا ولديها مثل هذه الهيئة. وأظن أن مسألة إقرار هذه الهيئة سينال شرفه الرئيس الموريتاني الأكثر حظا في أن يذكر بعد أن يتفرج على القصر الرئاسي من خارج أسواره..
والله في عوننا، وهو من وراء القصد.