تخطى الى المحتوى

يحيى النها.. حين تصبح العدسة جزءا من الحياة

جدول المحتويات

 

لكن كل ذلك، لم يمنع نبهاء، وشغوفين بالإعلام، سكنوا مهنة الصحافة قبل أن تسكنهم، من أن يكونوا استثناء للقاعدة، فأنارت لهم عدساتهم سبيل التمايز، وإرهاصات التميز.

 

الخطأ يقود إلى الصواب…

 

لم يكن يحيى، الشاب المتربص يومها، وهو يدلف بخطاه في أروقة إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة في موريتانيا، بحثا عن ذات أوحى إليه حدسه أنها ربما تكون مطمورة بين ثنايا إعلام كان لحظتها هو ذاته يبحث عن ذاته في ذاته، يعتقد أن الباب الذي دخل منه كان خطئا، وأن الباب الصحيح بالجوار.

 

كان يحيى يريد أن يكون من أصحاب الأقلام، الثرثارة والهرطوقيين، الذين يملئون الدنيا ويشغلون الناس، فملء الدنيا وشغل الناس صفتان لذاته التي يبحث عنها، ولم يكن ربما يدرك أن ذلك الحلم يمكن تحقيقه عبر سلوك الطريق المجاور، فأبى إلا أن يجرب أن يكون من أصحاب "الرياضة الذهنية الصعبة" وهو تعبير يطلقه الصحفيون المتمرسون عادة على التقارير الإخبارية، لكنه لم يتلمس الذات التي يريد، بذات الصفات التي وضع.

 

همس ليحيى أحدهم ذات يوم أن جرب أن تكون من أصحاب "رياضة ذهنية" أخرى لا تقل صعوبة، ولا يمكن الاستغناء عنها البتة في عالم التلفزيون، هي لغة التعبير اليوم، والعصر عصرها بجدارة، وبلا منازع.. هنا بدأت جذوة أمل كادت تخبو تتقد في نفس يحيى، فجرب أن يكون، وكان.

 

رحلة مع الصورة..

 

لم يستغرق يحيى تلك الفترة الطويلة التي يستغرقها عادة أترابه من الباحثين عن السفر مع الصورة، فالأيام الأولى من امتشاقه الكاميرا أخبرته أن مرحبا به في عالم "الكلمة الناطقة" الملتقطة بأنامل الواقع، والتي تستفز الكاتب عليها، وتجبره على عدم وصفها، وإن قل أصحاب اللا وصف اليوم هنا..

 

 مضت الأيام ومضى الحلم معها يكبر ويتسع شيئا فشيئا، حتى ألف يحيى أن تكون له عين أخرى ثالثة، هي العين التي أضحى يرى بها ما لا يرى غيره، حتى وإن أبصروا عين المشهد، ورأوا نفس المنظر..

 

شغف يحيى كثيرا بالصورة، والتصوير، فاعتاد بذلك على أن تلازمه عدسته، ربما أكثر من ملازمته ظله، فتنقل وإياها إلى فضاءات بعيدة المدى، وقطعا ضفافا طويلة، وجابا مسافات شاسعة، وثق من خلالها لسفريات لم تعد حديثا تكتب بتلك اللغة التي كانت تكتب بها في الماضي، ولا تحفر في الذاكرة بذات الأساليب والوسائل، فالصورة اليوم تختزل آلاف كلمات الأمس..

 

نحو تحقيق الحلم…

 

يحيى اليوم، ورغم أنه لم يعد من رحلته مع الصورة ـ وربما لا يريد العودة منها ـ إلا أنه بدأ يتلمس تلك الذات الضائعة التي طرق باب الإعلام مرة باحثا عنها، أضحى يكتب بعدسته الجنس الصحفي الذي يريد، بكل ثقة، وتؤدة، يخطو رويدا نحو تجسيد الحلم، كامل الحلم..

 

فقد كتب له في ألواح ميدان الحياة أن الصبر والعزيمة، ما تسلح بهما صاحب هدف، إلا نال مبتغاه، وأن التصوير فن ممتع، لا يدرك متعته، إلا من يجيد لغة الصمت الصارخ، من يحسن الاستنطاق، ويفتش عنه، لأنه يدرك حتما أن كل شيء يتحدث، لكن الكل ليس قادرا على إسماع صوت الكل الآخر، لتكتمل عنده صورته..

الأحدث