جدول المحتويات
وأناة لا تنقطع بالغداة والعشي وعند السحر وحين يسأل الأطفال الأم عن الأب متى وأين ؟ وهل سيتحفهم بملابس جديدة وألعاب تناسب فرحة العيد؟ فيخرجون معه إلى المنتزه ثم يعودون لأترابهم فيفاخرونهم بمشترياتهم ومشاهداتهم كما هي عادة الأطفال فى مثل هذه المناسبة حيث يجمح بهم خيالهم البسيط ويحلق بهم فى فضاءات الطفولة البريئة التى لا ترى فى الحياة سوى صورتها الحالمة المضيئة . ولا ترى فى والديها سوى الاستعداد والقدرة على تنفيذ الطلبات مهما كانت درجة استحالتها فى بعض الظروف .
ولا تملك الأم المسكينة أمام وابل أسئلة أبنائها سوى إسبال دمعة حارة وزفرة مكبوتة فالوالد المسكين طوحت به الطوائح ورمته صروف الدهر فى قعر مظلمة اصطادته لها شبابيك أرباح وهمية أغرته فظنها طريقا سالكة لتحقيق الثراء والحياة الكريمة فجرى خلفها كالظمآن الذى يحسب أمواج السراب بين الرمال المتحركة وٍديان مياه جارية .
فوجد نفسه من حيث لا يحتسب بين مذلة النهار وهمً اليل فتحولت آماله آلاما وأحلامه أوهاما.
سيدى الرئيس
هي إكراهات الحياة المدنية وظروف عيشها الضاغطة التى رمت بثقلها على شباب الوطن وهم يكدحون لطلب الرزق مستخدمين وسائل شتى وإن كان فى بعضها مخاطرة أو مغامرة لكنها تحيُلٌ مشروع لمن أعوزته الوظيفة وشحت عليه الموارد فاتجه حاملا أمله بين يديه للقطاع غير المصنف ومجال المقاولات الصغيرة التى أصبحت فى العشرية المنصرمة وجهة العديد من حملة الشهادات العاطلين عن العمل وشكلت اقتصادا موازيا للاقتصاد الأصلي مع أن أغلب مرتاديها لا يمتلكون رأسمال يضمن لهم الاستمرارية و البقاء فى سوق لا يرحم فأصبحوا ضحية المرابين الذين ينتهزون حاجة هؤلاء لرأس المال فيقدمون لهم قروضا مجحفة بأرباح مضاعفة لا تترك لهم المجال لتحقيق هدفهم الذى دخلوا من أجله نظام المقاولات وأمام إلحاح الحاجة يرغم هؤلاء على توقيع شيك بالمبلغ المضاعف فى لحظة غياب للوعي وغفلة عن العواقب فيودع السجن بقوانين جامدة لم تراع الظروف ولا الملابسات التى صاحبت العملية ولم يراع فى تطبيقها تحقيق روح القوانين وأهدافها السامية فى تحقيق العدالة وحفظ الكرامة الإنسانية.
ولا هدر للكرامة أشد من سلب حرية الإنسان وسجنه بين أربعة جدران لا لذنب اقترفه سوى أنه تحمل الدين على نية الوفاء به فى الظروف العادية فتعذر عليه الوفاء فلا وجه لمنعه حرية التصرف لأن المنع بحد ذاته سدا للباب أمام البحث عن وسيلة أخرى للوفاء و تضييعا للحقوق الواجبة عليه وقطعا لأرزاقهم.
سيدى الرئيس
إن عقوبة الإكراه المدني التى ما زالت المحاكم الموريتانية توجهها فى حق المدين المفلس مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي بشكل خاص ولا شك أنكم تدركون أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأصلي لكل القوانين الموريتانية بنص الدستور والمذهب المالكي هو المرجع عند غموض النص القانوني أو عدم وجوده ، حسبما أشار إليه المشرع الموريتاني فى قانون الالتزامات والعقود الموريتاني .
وأحكام الشريعة الإسلامية صريحة بشأن المدين المفلس إذ جاء فى القرآن الكريم فى آية الدين فى سورة البقرة بشأن المدين الذى تعذر عليه القضاء قوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون "
وقد نظر الفقهاء للمدين المفلس انطلاقا من هذه الآية فقسموه حسب الحالة التى هو عليها وقت إعلان فلسه إلى ثلاث حالات :
المدين الملي وهو الذى ما زال يملك من المال ما يفى بديونه أو بعضها لكنه يمتنع ويظهر التفالس فهذا يسجن حتى يقضى غرماءه و يوزع القاضى ما وجد من ثروته بينهم بطريقة المحاصصة ويحجر على تصرفاته المضرة بدائنيه بعد أن تترك له نفقة نفسه وأهله وهذا هو الذى ورد بشأنه الحديث "مطل الغني ظلم ".
الحالة الثانية مجهول الحال الذى لا يعرف عنه فقر ولا غنى فهذا يتحفظ عليه القضاء حتى يتحقق من وضعيته .
الحلة الثالثة المدين المعدم الذى ثبت فقره ولم يمنعه من الوفاء إلا العدم فهذا ينظر حتى تتيسر له وسيلة للوفاء.
يقول ابن عاصم فى تحفة الحكام :
ومن عليه الدين إما موسر .. فمطله ظلم و لا يؤخر.
أو معسر قضاؤه إضراره … فينبغى بشأنه الإنظار
أو معدم وقد أبان معذره .. فواجب إنظاره لميسرة
و السواد الأعظم ممن يقبع فى السجن المدني تحت طائلة عقوبة اإكراه البدني فقراء معدمون لم يلجوا سوق المقاولات إلا تحت ضغط الحاجة و السجن فى حقهم تعسف وابتزاز يمارسه الدائن بواسطة النيابة ليرغم ذويهم على القضاء عنهم .
فلو تكرمتم سيدى الرئيس بوصفكم رئيس القضاء فرحمتم ضعف هؤلاء و استجبتم للنداءات الحقوقية المطالبة بإلغاء عقوبة الإكراه البدني لكان ذلك منكم تطبيقا للدستور وأُبُوة للشعب الموريتاني تلك الأبوة التى تستدعى عطفا وحنانا على الأبناء لاسيما من منهم يوجد فى لحظة ضعف لا حول له ولا قوة تتعلق به آمال أمٍ وصغار لسان حالهم يقول مع صبية الحطيئة :
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ .. زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
أسكنت عائلهم فى قعر مظلمة .. فارحم هداك مليك الناس يا عمر
فامن على صبية بالرمل مسكنهم .. بين الأباطح يغشاهم بها القدر
نفسى فداؤك كم بينى وبينهم .. من عرض داوية يعمى بها الخبر
ولكم جزيل الشكر سيادة الرئيس وألتمس منكم العذر لأنى تجرأت على الكتابة.