تخطى الى المحتوى

هذه قراءتي للحاضر... واستنطاقي للمستقبل...

جدول المحتويات

 

تراءى أفق أمل  لدى الجماهير المنسية المهمشة والمقصية في إمكانية إحداث تغيير ولو جزئيا من خلال ظهور هذه التشكلة المحتضنة لكل القوى الحية، لكن هيهات فقد تحول الأمل إلى ألم والحقيقة إلى سراب بفعل الإرادة التي جسدتها أنظمة أحادية متتالية عطلت مشروع الإصلاح وامتصت حماس الجماهير التي هبت عن بكرة أبيها مناشدة التغيير، هكذا إذن ظلت الدولة تتحول من مستنقع عسكري إلى آخر من 1978إلى 2008 حيث كانت الفترة كافية للنمو العرضي لكبريات الملفات الشائكة والقضايا الخطيرة على مستقبل المجتمع الغارق في محيط الوعود العسلية وتعهدات والتزامات الحركات الانقلابية لثلاثين سنة من العمر الاستقلالي للدولة.

 

مدة زمنية طويلة نسبيا ومهمة من عمر الدول الناشئة والمستقلة حديثا، فيها تطورت حياة الموريتاني من قمة سوء الحال إلى الدرك الأسفل من عذاب الدنيا مقارنة بشعوب دول الجوار حديثة العهد بالاستعمار مثله.

 

رغم تنوع وكثرة الموارد الموريتانية "الزراعية، المعدنية، المائية، الحيوانية والسمكية…" المستغلة وغير المستغلة مساحات شاسعة صالحة لجميع أنواع الإنتاج الزراعي الفواكه، الخضروات المستوردة من المغرب والسنغال وأسبانيا ومالي والسكر من البرازيل والقمح والأرز من أمريكا وتايلندا… وبالاعتماد على الكميات السنوية المعتبرة للتساقطات المطرية على الوسط والجنوب والجنوب الشرقي ومياه النهر المحاذي للبلد من كيدي ماغا حتى الترارزة مرورا بكوركل والبراكنة إضافة إلى المياه الجوفية المتوزعة تقريبا على عموم التراب الوطني، يمكن إنتاج ما يسد حاجة السوق المحلية من المنتجات الزراعية وملحقاتها التي تساهم بشكل ملموس في النهوض بقطاع الثروة الحيوانية ويعزز إنتاجيته.

 

كما بينت الدراسات الجيولوجية والبحوث التنقيبية عن وجود ما يزيد على 200 مؤشر من المعادن المنجمية الباطنية النفيسة الحديد، الذهب، النحاس، الكبريت، الماس…علاوة على وجود كميات هائلة من الطاقة المتجددة والإحفورية والكهرومائية هذا بالإضافة إلى الشواطئ الغنية بالأسماك غالية الثمن وقطاع الخدمات السياحية الذي يساهم هو الآخر بعائدات معتبرة في زيادة الدخل القومي العام شأنه في ذلك شأن الاستثمارات الأجنبية وإستراتيجية الموقع الجغرافي للبلد.

 

هذا يكفي بل يزيد على حد الكفاية لرفاهية شعب يحاول الوصول لمليونه الرابع لخمس عقود خلت.

 

 كان من الضروري بل إنه من الواجب أن يكون لمردودية هذه الموارد والمصادر انعكاس إيجابي على حياة المواطن التي تقترب يوما بعد يوم من منطقة اللا حياة..! نتيجة لتردي أوضاعه المعيشية وانغماسه في قعر بئر الأزمات النفسية المتولدة عن صراعه الدائم لكسب قوت عياله، فأسعار مواد الاستهلاك في أعلى مستويات يمكن أن تصل لها، والعملة الوطنية تنافس على أدنى الرتب العالمية وهي مستمرة في الانحطاط مقارنة بالعملات الوطنية لدول الجوار الإفرنك الإفريقي والدرهم والدينار، أما العملات الأجنبية فمقارنتها بالأوقية كمقارنة حمولة العربة بحمولة الشاحنة.

 

 إن ارتفاع معدلات البطالة يبرهن بوضوح على فشل السياسات والبرامج المتبعة في هذا المجال ولا غرابة والحالة هذه  في أن تصل نسبة البطالة العتبة الثانية والثلاثين 32% من شعب ثلثيه شباب إما عاطل أو باحث عن فرصة عمل أو في وظائف شغل غير دائمة وليست منتظمة في جل المؤسسات العمومية والخصوصية والشركات المتعددة الجنسيات التي تقذف العشرات بصفة شبه دورية (تازيازت وأم .س .أم وشركات الصيد واسنيم…) نتيجة لانعدام الحماية القانونية (عقد العمل) والتحايل عليها إن وجدت نظرا لاستحكام الرشوة والزبونية السياسية والمحسوبية القبلية والطائفية والتوجه والانتماء والمكانة والنفوذ واللامبالاة بالآخر، كلها عوامل ضغط على قطاع العدالة الذي يمثل هو الآخر من جهة بيئة للانتقام وتصفية الحسابات ومن جهة أخرى سوقا للسمسرة والتحصيل.

 

في بلد كهذا بديهي أن تكون الحصيلة الإجمالية للممنوع والمحظور في حدود اللامعقول… وأن تكون النتائج الطبيعية والحتمية لثلاثي شقاء الحياة (الجهل، البطالة، الفقر) جرائم السرقة، الاختطاف، التحايل، الانتحار، المغامرات، السطو والجريمة المنظمة وغير المنظمة، بيع العرض، تجارة وتهريب المخدرات والمؤثرات العقلية…

 

إن سوء استغلال واستخدام الموارد الاقتصاد وانعدام العدالة في توزيع الثروة الوطنية والظلم المقصود وعدم الوفاء بالحق وغياب الحرية الفردية والجماعية وانعدام المساواة والعدل بين الناس واستخدام هيبة وسلطة المخزن من طرف البعض والفقر والعنصرية والتمييز اللوني والغبن… أسباب حقيقية للهيجان الشعبي ودوافع و محفزات على التطرف والانخراط في المنظمات والعصابات الإرهابية والإجرامية الدولية.

 

 إن ارتفاع أسعار مواد الاستهلاك وتدني مستوى الدخل الفردي لأقل من 100 دولار شهريا ورداءة جودة الخدمات العمومية اللازمة لحياة المواطن من صحة وتعليم وماء وكهرباء وسكن وشبكة طرق ونقل ومطارات هذه القطاعات  الخدمية رغم التحسينات التي طرأت عليها في السنوات الأخيرة، ما زالت دون المستوى المطلوب بل بعيدة جدا من تلبية الطلب المتزايد يوميا، فاستغلال المعادن النفيسة واتفاقيات الصيد ورخص التنقيب لم يكن لها أثر يستحق الإشادة والذكر على هذه الجوانب التي تلامس الحالة المعيشة للغالبية العظمى لأهل البلد.

 

إن وضعية البلد غير الجيدة على جميع الأصعدة والتي لا تبعث للارتياح هي مخلفات لتراكمات أنظمة أحكام الفساد الشمولية الفردانية التي رفضت التفاعل مع المعطيات والتحولات التي فرضها ويفرضها الواقع بإلحاح استجابة لمواكبة الحركة التسلسلية الزمنية لتطور العلوم والبحوث والمعارف التي كشفت المستور من الحقوق المدنية والسياسية للإنسان والقوانين التي تحكم علاقته بالدولة ثم علاقته بالآخرين مثله، وحسب رأي الأنتربولوجيين فإن البنى الأساسية لأي مجتمع تتحدد بالإطار الأيكولوجي الذي يحدد نمط العيش ونظام السلطة وإنتاج واستهلاك الرموز الثقافية، فالتفاعل بين الإنسان والثقافة والمجال عندهم يخلق شخصية قاعدية تتميز بالصرامة والانضباط وذوبان الشخصية الفردية في هوية جماعية تعتبر المرجعية العليا للنظام الاجتماعي للمجتمع عكسا لمجتمعنا الذي تحكمه قوانين التراتبية والطبقية والشرف وهي المفاهيم التي نلمس ترجمتها في المكانة المركزية التي كانت وما زالت تحظى بها الأسرة في النظام الإقطاعي القبلي الموريتاني المتحكم في مفاصل الدولة قبل وبعد الاستعمار.

 

للتخلص من هذا الموروث والعادات والممارسات المعطلة لسير العجلة الزمنية لا بد من قطيعة تامة مع جملة من الأوهام والمعتقدات والتصورات الخاطئة والصورة النمطية الشائعة وأخذ البعد الزمني في الاعتبار وتغير الظرف التاريخي.

 

من الأحسن لا بل  من الموضوعي أن يكون للنخبة السياسية الوطنية ومثقفيها ومفكريها ومؤطريها وقفة لمراجعة الذات خلال كل منعرج وعر يجتازه البلد وفي كل مرحلة حساسة، قد تسبب عطبا لعجلة النمو، ينبثق عن ذلك العطب تجاذب واحتقان سياسي مبرر أو غير مبرر بسبب أو بدونه، ينتهي بأزمة حقيقية أو افتراضية مفتعلة أوغير مفتعلة تشل الحركة المتباطئة للنمو الاقتصادي.

 

 قد يكون من الأفضل دائما أخذ مسارات تهدئة الأوضاع نزولا لرغبات وتطلعات المواطنين الضعفاء والوطن الأضعف، غير أنه من الملاحظ  عند كل عقبة تمر يظهر عجز النخب السياسية موالاة ومعارضة وفشل خططها وخطابها الذي لم يستطع مسايرة المتتالية الزمنية المتسارعة بالتطورات والأحداث، والأدلة لا تحتاج لبرهان أكدت للبعيد قبل القريب عدم القدرة والفاعلية في حلحلة القضايا المصيرية التي تهدد أمن البلد وأهله، إن العجز البين للطبقة السياسية عن تغيير واقع اجتماعي وثقافي واقتصادي ثارت عليه  لسنين مضت لا تحتاج البرهنة عليه لكبير جهد، ولا لطول بحث في الأرشيف، فالبينات أكثر مما يمكن حصره على خلافها  حول الحلول المقترحة لأمهات المعضلات التي تضمن استمرار الدولة وتماسك كيانها ومكوناتها ووحدة أراضيها لضمان التعايش السلمي بين فئات الأرض الواحدة، فلا ممارسات العبودية اختفت في أوساط أولئك الذين لا يتورعون عن توظيف الدين المقدس وإصدار الفتاوى المجانية العاطفية عندما تهدد مصالحهم أو تمس منابع رزقهم، ولا هي اختفت في ذاكرتهم و لا عن ذكرياتهم.

 

ولا الحرب الدائرة في الشمال المالي ومخاطرها وأضرارها الحالية والمستقبلية على البلد استطاعت أن تنتزع من هؤلاء وأولئك لحظة تأمل في ضرورة الإجماع ونكران الذات وترك العناد ولعبة لي الذراع في وقت البلد في حاجة لصد المخاطر الخفية والظاهرة لتفاعلات المواد القابلة لاشتعال وانفجار المؤسسة الاجتماعية في كل لحظة، فالتوترات الاجتماعية التي يستغلها البعض للأسف كوسيلة ضغط على الأنظمة لا رغبة ولا حبا ولا استعدادا لعلاجها وإنما لخدمة أغراض خاصة في أغلب الأحيان لا تخدم ضحايا الظواهر المذكورة (ضحايا الاسترقاق والإرث الإنساني) ولا تقتصر مواد الاشتعال على ضحايا الظواهر الاجتماعية فحسب بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية وإن كان العبيد وأبناء العبيد هم الضحية بالدرجة الأولى في كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية نتيجة لفتاوى مؤولة للآيات والأحاديث النبوية الصحيحة من طرف مجموعة اعتادت أن تعتمد في فتاوى على الضعيف والموضوع والمؤنن والمعنعن.

 

في الظروف الحالكة من التوتر الداخلي يلتبس الحق بالباطل وتكثر المغالطات وخطب التضليل والمزايدات من خلايا انتهازية ترفع شعار الوطنية والمصالحة الداخلية الداخلية، تتفنن في التأويلات والتحليلات والخطب المعسولة والروحية (الحركة الأفقية الحلزونية)، هذا المحيط الضبابي يكون بيئة مناسبة ليقظة فسيولوجية لسماسرة الوطن والمتاجرين بالمواقف لخلق وتشجيع الخلاف الوطني الوطني بالغوص في نبش الماضي الأليم.

 

في أيام كهذه وفي أوقات صعبة كاللحظة الانتقالية المرة التي نجتاز بهدوء حذر مثل باقي الشعوب العربية والإفريقية في صراعها مع الأنظمة الشمولية والتي عبرت عن ذلك بثورات كانت سلمية البداية دموية النهاية (ليبيا، اليمن، وسوريا، ومصر) لذلك فإن الخبراء ورجال الاستخبارات والاقتصاديون يتفقون على أن التحدي الأمني والاستقرار السياسي هما من أهم وأكبر التحديات التي تواجه دول المنطقة العربية والإفريقية لسرعة استجابتهما على تفكيك الأنسجة البانية للمجتمعات لإزالة حزام الأمان عن الوحدة الوطنية والترابية (الحركات الانفصالية في السودان ومالي) ودول أخرى على اللائحة غربية (أسبانيا، أكرانيا، ابريطانيا) والمثل ينطبق على العراق وقد تكون موريتانيا على لائحة الانتظار خاصة بعد التصريحات غير المبررة من حركة تحرير الأفارقة (افلام).

 

يجب أن يحتل الثنائي (الأمن والاستقرار السياسي) الصدارة لأنه البوابة الكبرى والمدخل الأساسي لكل تنمية اجتماعية و اقتصادية لانعكاساته الإيجابية في طمأنة المواطنين أولا والمستثمرين ثانيا وينعكس ذلك جليا على تحسن العمران والبنية التحتية.

 

من أسباب فقدان الأمن و الاستقرار كبت الحرية، تعطيل القوانين، ضيق مجال الممارسة الديمقراطية، الإكراه، اتساع دائرة الحيف، الإقصاء، تعمد الظلم، التهميش، حرمان البعض لفائدة البعض، الإنفراد بالقرار السياسي والسيادي وممارسة الوصاية على الجميع.

 

إن الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وفرص الاستفادة من خيرات البلد الاقتصادية ومزاياه السياسية… مطالب مشروعة لكل مواطن موريتاني مهما كان انتمائه العرقي والسياسي ومهما كان توجهه الفكري.    

 

إن الحصول على تلك المطالب يحتاج أولا وقبل كل شيء لدرجة من الوعي المدني والثقافي تمكن المواطن من المطالبة بحقوقه مع المحافظة على بلده، وهي مسؤولية تقع على عاتق النخبة السياسية والمثقفة والإعلامية والحقوقية والنقابية لأن الجميع يدرك ما للانتفاضات المسلحة من نتائج ثقيلة ومؤلمة، يتامى، وأرامل ومشردون بالآلاف، دمار وخراب وموت جماعي ثم عويل وأنين عجزة ممزوج بأزيز الطائرات المقاتلة وأصوات البنادق والانفجارات، نهب واغتصاب أما الثورة البيضاء فغالبا ما تكون أحسن لكنها في هذا الزمان وفي هذا المكان مستحيلة وذلك لجملة من الأسباب.

 

 إن اليأس والإحباط وانعدام الثقة وضعف الوازع الديني والإنساني والاحتقار واللامبالاة بالطبقات الهشة الكادحة وفحش الغناء الناتج عن اختلاس المال العام هي الأسباب الحقيقية للعنف والفوضى.

 

قد لا نختلف أن ثمة مشكلة بنيوية هيكلية يعاني منها البلد منذ استيلاء العسكر على السلطة في الخماسية الأخيرة من سبعينيات القرن الماضي فتجارب استخدام المهدئات وأنصاف الحلول والأقراص المسكنة أثبتت عدم القدرة والفعالية في احتواء الأزمات المزمنة بين المعارضة والنظام.

 

أمام هذه الوضعية يصبح من الضروري، والملح والمستحب والمستحسن والمباح و الواجب، فتح حوار وطني وطني ينهي الخلاف القائم، يصحح أخطاء الماضي ويؤسس لمستقبل المواطنة، ومن هنا تلزمني ذاكرتي بكل موضوعية وحياد أن أقول بأن مبادرة رئيس التحالف الشعبي التقدمي السيد مسعود ولد بلخير التي تقدم بها في السنة قبل المنصرمة كانت وما زالت مخرجا مريحا من نفق ظلام الجمود والتحجر والأنا المتضخم.

 

يتواصل في الحلقة القادمة…

 

الأحدث