جدول المحتويات
وتضم تلك اللعبة الأكثر تسلية رياضات تتنوع بين الركض والقفز من أماكن عالية والرماية واكتشاف الكمائن ونصبها، إلى المعارك اليدوية وحتى صناعة قنابل بالزجاجات الحارقة وبنادق الخشب. كانت تلك اللعبة مضمارا لتعلم فن القيادة، وإثبات الرجولة وتحدي الشدائد، وكانت في رمزيتها تعبيرا عن شغفنا بذلك الرمز الخالد في وجداننا. كنا نعتقد أن أقصى حلم أحدنا أن يكون قائدا عسكريا، وكنا نتسابق لرفع العلم الوطني وأداء النشيد أمام "الكارة" ومنا من رقي إلى رتبة ضابط ومن خذله تدريبه فبقي جنديا.
وكانت ليلة الثامن والعشرين من نوفمبر ليلة مميزة تتدفق فيها ساكنة المدينة الهادئة بعيد صلاة المغرب إلى البطحاء الجنوبية منتظرين مرور كتيبة من الجيش الوطني تحمل المشاعل وتهتف بالأناشيد العسكرية، وتستقبل بالزغاريد كلما مرت بمجموعة من السكان. وكان العسكري في مخيلتنا رمزا للشهامة والفتوة. لكن، كان ذلك قبل أيام الكهرباء.. حيث لا تلفزيون ولا أنترنت ولا بلاي ستيشن.
لا أعرف إن كان الجيل الحالي من الأطفال يحتفظ بتلك النظرة التقديرية للمؤسسة العسكرية، ولكن ما أنا على يقين منه أنه حين يكبر سيكتشف زيف تلك الصورة الذهنية التي رمست في ذهنه، وربما يكتشف ذلك قبل مغادرة مرابع الطفولة، فاليوم لم يعد الأطفال في منأى عن السيل الجارف للمعلومات.
اليوم يستطيع الطفل أن يعرف أن المؤسسة العسكرية التي يقرأ في كتب المدرسة أنها تحميه وتحمي بلاده، هي المسؤولة منذ أول انقلاب في العاشر من يوليو 1978 عن كل مآسيه ومآسي آبائه وأجداده. ويستطيع أن يطلع خلال لعبه في هاتف أبيه على خبر عاجل يفيد أن سبعين جنديا موريتانيا حشروا في شاحنة ضيقة على طريق رديء التعبيد، وسينام قبل أن يصله خبر أن السيارات المدنية وسيارات الإسعاف القادمة من نواكشوط نقلتهم إلى المستشفى. ذلك الطفل المشبع بالفضول المعرفي سيحرج أباه حين يسأله: أبي لماذا لا ينقل جرحى الجيش وشهداؤه في طائرة عسكرية من الطائرات التي تحوم فوق رؤوسنا بصوتها المزعج كل يوم؟ وقد لا يفهم الطفل بعقله الصغير جواب أبيه حين يقول له إن الطائرة العسكرية قد تكون مشغولة وقت الحادثة بنقل الذهب لصالح شركة كندية من المدينة نفسها التي يربطها بنواكشوط الطريق الذي انقلبت عليه الشاحنة.
لكن طفلا آخر قد يكون أكثر ملامسة للواقع يعرف أن أباه الجندي في القوات الجوية الذي يتقاضى خمسة وخمسين ألف أوقية فقط، حين يغيب عنهم لعدة أيام قد لا يكون بالضرورة في المكتب أو في الثكنة، وإنما يسلي أطفال عقيد آخر يتقاضى مليون أوقية، ويعد الشاي لضيوفه. قد تكون الصورة الذهنية المقدِّسة للجيش، رسخت في أذهان جيلنا والأجيال التي سبقته، ولكن الجيل الجديد كثير الفضول وقوي الذاكرة، ولا يسهل تضليله.
سيسأل الأطفال غدا، عن مصير التحقيق الذي أعلن تشكيل لجنة له في حادثة سقوط طائرة تازيازت، وعن التحقيق الذي أعلن عنه في انفجار مخزن الأسلحة في النعمة، وعن التحقيق في مقتل كتيبة بكاملها في حاسي سيدي لأنهم سمعوا الخبر ممن كان يوما رئيسا للبلد، وسيسألون رفاقهم عن السيارات الفارهة التي توصلهم إلى المدارس، وكيف أن آباءهم من الجنود يصطفون في الشوارع في انتظار سيارة أجرة.
سيسأل الأطفال بفضولهم البريء لماذا يسمي الجيش قتلى الشاحنة المزدحمة بالشهداء ولا يعلن الحداد عليهم، لماذا لم يقدم أحد استقالته ولم يقل أحد، ولماذا يرفض أحد الاعتذار ولماذا لم يتظاهر أحد أو يعلن التضامن مع الضحايا؟ يعرف الأطفال أن الهالة التي كان آباؤهم أو أجدادهم يحيطون بها الجيش لم تعد موجودة.
لقد بات كل شيء مكشوفا، فمن يصعد على سطح البناية المقابلة لمجمع قيادات الأركان في نواكشوط ،ولو لنشر ملابسه التي بللتها مياه الأمطار المتجمعة لانعدام صرف صحي، يستطيع بجولة نظر واحدة أن يرى الجنود وقادتهم وكل تحركاتهم من القيادة العامة للجيش وحتى قيادة الحرس، مرورا بالدرك، ونادي الضباط، فجيشنا مكشوف حتى للأطفال الذين يلعبون فوق سطوح منازلهم. التعتيم لم يعد ممكنا، والاستهانة بأرواح الضعاف لم تعد مقبولة، ومن يحرص على الحفاظ على صورة الجيش في نفوس الأطفال عليه الحرص على تحسين وضعه المادي والنفسي، ليس بالأحاديث العابرة التي لا يصدقها الأطفال وليس بالترقيات الفاقدة للقيمة العسكرية بل بتحسين أحوال الجنود.
إن وجود سبعة عشر جنرالا في الجيش يتقاضى كل واحد راتبا يزيد على رواتب عشرين جنديا مجتعمة لا يحسن صورة الجيش، وشراء السيارات الفاخرة للقادة وحشر الجنود كالكباش في مؤخرات شاحنات بالية يسيء إلى الجيش أكثر من إساءة تصريح صحفي يطالب بتحسين الظروف.
وهنا يمكن الاتفاق على مجموعة من النقاط الجامعة في علاقتنا بالجيش الوطني الذي يمثلنا جميعا، الجيش الذي يسهر جنوده على الثغور لننام نحن بأمان: أولا لا أحد يطالب الجيش بكشف ميزانيته أمام الإعلام. ولا أحد يطالب بكشف أعداد القوات المسلحة وإن كانت اللجنة الانتخابية قد ارتكبت تلك الجريمة ولم يحاسبها أحد.
ولا أحد يطالب بنشر كشوف الصفقات العسكرية للرأي العام لأن هناك لجنة في البرلمان تسمى لجنة الدفاع والأمن معنية بمتابعة ذلك الملف، مع أنها لم تقم يوما بعملها على أكمل وجه، ومراكز الدراسات العالمية ووسائل الإعلام الدولية تتيح تلك المعلومات للراغبين فيها.
لا أحد يريد كشف تحركات الجيش وخططه العسكرية لمواجهة الإرهاب لأن ذلك يساهم في إضعاف المؤسسة العسكرية ويكشف ظهرها، على الرغم من أن تحركات الجيش يفضحها بنفسه، بسب ضعف وسائل الحماية. ولكن الصمت عن ما ظهر من فساد قادة الجيش جريمة لن يسامحنا عليها الضحايا.
السكوت عن الخطايا الفادحة مثل استغلال موارد الجيش علنا من طرف قادته لأغراضهم الشخصية، وبقاء الجنود الذين هم الجيش الحقيقي في وهدة السلم الوظيفي اقتصاديا خطئية.
والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن التفريط في أبناء المؤسسة العسكرية واجب وطني لا يمكن التنازل عنه، ولا يرتبط بالموقف السياسي من النظام القائم فهو على الموالي أوجب منه على المعارض. فالصمت لا يصحح الأخطاء.