جدول المحتويات
فمنذ ساعات الصباح الأولى وسيارات اللاندكروزر الغاصة بأفواج لاجئي أزواد المتجهين نحو معبر فصالة الموريتاني تنغص سيرنا صوب مدينة تمبكتو.. نتجاهل عشرات منها ونوقف واحدة لنستقي منها أخبار الطريق وأوضاع المدينة، ونغذ السير.. يقدم كل لاجئ نسخته الخاصة عن أسباب اللجوء والتشرد: غالبيتهم تخشى عودة الجيش المالي للإقليم.. البعض حلق الطيران فوق قريته فخاف وهرب.. البعض الآخر يخشى اندلاع معارك طاحنة بين الجماعات المسلحة والقوت الفرنسية التي وصل زحفها مدينة كوني في الوسط.. ومنهم من يلجأ إدمانا للجوء والترحال، ربما.. في النهاية تتحد كل الروايات والقصص لتصب في معبر فصالة بحثا عن قطعة نوم لا يقطعها أزيز الطائرات الفرنسية.. يبدو السائر إلى مدينة تمبكتو يوم الثاني والعشرين من يناير 2013 كمن يسبح ضد التيار..
أحيطت المدينة منذ سقوطها بيد الجماعات المسلحة بهالة غرائبية وباتت الأخبار الواردة منها شحيحة ومغلوطة في أغلب الأحيان.. وذلك بالتحديد ما يغري بالسباحة عبر رمال أزواد نحو المدينة ويجعلك لا تلقي بالا للاضطرابات الأمنية والسينورياهات السيئة التي قد يخبئها لك الإقليم الأكثر اضطرابا في العالم.. تترآى مدينة غوندام من بعيد، وتميل الشمس للمغيب بعد يوم طويل من السفر وكأسين من الشاي في قرية "ليرنب" وعلبة من السجائر تناثر رمادها على طول الطريق.. القادمون من المدينة يقولون، كما يقول فيلم تمبكتو، إن الجماعات الإسلامية لا تسمح بالتدخين في المدينة، لذلك أحاول التزود ما أمكن بالنيكوتين غير مراع لراحة رفاقي الذين لا يخفون تضايقهم من الدخان عبر تنزيل زجاج نافذة السيارة تارة، أو حك الأنف تارة أخرى.. وأتذكر أنهم يحرمون الموسيقى، كما هي الصورة في الفيلم، فأطلب من السائق "سيدي محمد" الطارقي الصبور أن يشغل جهاز التسجيل بالسيارة لنودع الموسيقى.. يختار من موسيقى بظان أزواد سعيا لإرضاء شهيتنا الموسيقية.. أخبره أن أغاني الطوارق تطربني أكثر فيدير جهاز التسجيل وتنبعث أغنية حزينة للطوارق.. هكذا هي أغاني الطوارق، حزينة دوما.
في مدخل غوندام تتوقف ثلاث سيارات محملة بالعفش وتبرز بقايا محطة تفتيش وعلم للقاعدة ناله الإهمال، فتآكل. لم يجرؤ أحد بعد على إزالة تلك الآثار.. نقترب لنسأل فنصادف آخر الصحفيين الطوارق المقيمين بتمبكتو وقد غادرها بعدما بات التوتر بين سكانها من ذوي البشرة الفاتحة وقومية الصونغاي ينذر بتصفية عرقية في ظل غياب سلطة من أي نوع.. يحاول ثنينا بكل ما أوتي من قوة إقناع عن مواصلة السير خوفا على أرواحنا، كما يقول، ويمتنع عن تزويدنا بمولد كهربائي لزملاء كانوا في المدينة منذ فترة بحجة ضيق الوقت.. ونمضي بين غوندام وتمبكتو.. يطرد الليل النهار وتوحش الطريق أكثر فأكثر..
تماما كما يبدأ الفلم بالمطاردة وصوت الرصاص، تستقبلنا المدينة الغارقة في الظلام بأصوات طلقات نارية متقطعة يشتد أوارها للحظات ثم يخبت الصوت.. من أين يأتي ومن يطلقه.. لا وقت للاستفسار.. نواصل البحث عن مكان للمبيت، ولا يسعفنا موعد النشرة المغاربية بالوقت الكافي لاستقاء معلومات أكثر عن المدينة والوضع الأمني فيها.. إنها مدينة أشباح وحسب، وحتى الساعة لا آثار لأي مقاتلين ولا قوات مالية أو فرنسية في الجوار، ويأتي النوم باكرا من دون استئذان طاردا كل المخاوف..
حين تبدد الشمس غدا ظلمة المكان تتبدى تمبكتو، مطابقة لوصف أمين معلوف على لسان ليون الأفريقي، جميلة رغم كل شيء، كما هي كل المدن حين تنهي طغيان الصحراء وتعلن الحياة.. ننفض الغبار عن الكاميرا ونبدأ جولة حذرة في أزقة المدينة القديمة وحول المراكز الإدارية، ويكون أول لقاء مع المسلحين الإسلاميين يتقدمهم موريتاني بمنصب الناطق الرسمي باسم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
يبدو الإرهاق والتعب قد نال من الجماعة والسيارات أخذت لون الصحراء.. يطلبون منا الانتظار حتى إبلاغ قياداتهم فنعود لاحتساء كؤوس الشاي في جلسة مرت طويلة قبل أن يأتي من يخبرنا بأن أحد قيادات القاعدة في انتظارنا قرب السوق المركزي بالمدينة.. يسمح لنا يحيى أبو الهمام بثلاثة أسئلة وتحذير يوجهه إلى فرانسو أولاند بقلب فرنسا نارا تستعر إن هو تقدم أكثر نحو معاقل القاعدة.. تكتمل الصفقة، ونبدأ التسجيل..
المدينة في مرمانا والكاميرا متهيجة جدا بعد يومين من التوقف عن العمل.. يضطرنا أزيز الطائرات الفرنسية في الجو إلى البحث عن مكان غير مرئي في وسط السوق.. وننقل للعالم آخر حديث صحفي لقيادي في القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وصورا حصرية أعادت نشرها كبريات القنوات والصحف الغربية التي كان مراسلوها ما بين مجوقل مع القوات الفرنسية، وآخر يحتسي القهوة في مقاهي باماكو ويهذي بما لا يعلم.
"مرحبا بكم في مدينة تمبكتو.. الهدوء الحذر سيد الموقف وعيون المدينة شاخصة باتجاه السماء تحسبا لطلعات الطيران الفرنسي.. في مداخل المدينة آثار قصف جوي عنيف استهدف على ما يبدو سيارات كانت تستخدمها حركة أنصار الدين الإسلامية المسلحة.. الحركة في شوارع وأزقة المدينة نادرة جدا.. من تبقى هنا من السكان يتحرك بحذر وخوف شديدين…. لا تغرنكم الأرقام الظاهرة من خلفي، فهي غير متوفرة.. تعطلت الاتصالات هنا كما تعطلت المياه والكهرباء وأشياء عديدة.."
على عكس الصورة الموغلة في التنميط التي يقدمها الفيلم عن مدينة تضيق بالمسلحين الإسلاميين، كان حضور هذه الجماعات ودورياتها في المدينة عامل طمئنة لكثير من سكانها، خاصة ممن يضيقون بسيطرة باماكو ويخافون عودة جيشها مدعوما بالقوات الفرنسية والتشادية، وانتقاما من القوميات الزنجية التي تضيق بما تعتبره تحالفا بين العرب والطوارق ألبس لبوس الإسلام.. هكذا تتالت شهادات كل الطوارق والعرب ممن ما زالوا يعيشون في المدينة وأحوازها..
فيلم تمبكتو لا يقدم جديدا في هذا المضمار، ولا يتعب المخرج نفسه في استجلاء صورة شاملة للمدينة-الرمز في الصحراء الكبرى.. منذ البداية مقاتلون مسلحون يطلقون النار على الشجر والبشر والغزلان، يرجمون ويجلدون.. صورة قد تصادفنا في أي تقرير على البي بي سي أو فرانس 24 أو غيرها من القنوات الغربية..
نأخذ قيلولة قصيرة وتواصل الكاميرا التهام كل ما تجد أمامها.. حطام سيارات، نساء صونغاي يحاولن التأقلم مع الملحفة والحجاب، سيدة تعرض بضاعتها في السوق من دون قفازات، شيخ برم بحاله يتسمر أمام منزله.. يتعلق بنا أحد سكان المدينة طالبا نقل معاناته، يشكو آخر من قتل أخيه أمس على يد المسلحين، يبكي آخر على صيدليته التي أحرقها المسلحون بعدما عثروا على كميات من الواقي الذكري ضمن ما يبيع.. تمر دورية للقاعدة تتألف من ثلاث سيارات في مؤخرتها يجلس فتية بالكاد بلغوا الحلم يمتشقون أسلحة تبدو أطول منهم يحرصون على إمساك الزناد.. يثير الموقف رعبا حقيقيا داخلي..
السلاح أمر مخيف بالنسبة لي، خاصة حين يكون بيد حديثي السن.. أحرص على رفع اليدين وإلقاء التحية تأسيا بأحد الزملاء.. نحاول تجاذب أطراف الحديث مع المقاتلين.. يسألون عن جنسياتنا نجيبهم بأننا موريتانيون.. يقدمون أنفسهم تباعا: جزائريان، طوارق، نيجريون، سوداني.. يجيب صديقي الذي عاد للتو من السودان: بلد جميل.. يرد السوداني إن البلاد التي لا تطبق شرع الله من المستحيل أن تكون جميلة وتنتهي المحادثة قبل أن تبدأ.. ونعود أدراجنا نذرع شوارع تمبكتو الفارغة ونتفحص محلاتها المغلقة.
قبيل الغروب يقتحم أحد أفراد القاعدة مكان إقامتنا.. يطرق الباب بقوة.. أحاول تشتيت دخان السجائر الذي يملأ المكان بعطر ديور أوم الذي كنت أضن به على نفسي إلا في المواعيد الغرامية الخاصة، وتمبكتو ليست بالمكان المثالي لعقدها في تلك الأيام.. حين يدخل مبعوث القاعدة، يخبرنا أن أبا الهمام في الانتظار لنلتقط له صورة من دون اللثام تلبية لطلب أحد الزملاء..
يحل الظلام فإذا في جعبتي من الأخبار ما لا يملكه أي صحفي في العالم.. أشعر بالزهو ويتملكني التعب فأخلد للنوم باكرا لكن أزيز الطائرات يقض مضجعي.. يقترب الصوت أكثر فأكثر ويبدأ القصف ودوي الانفجارات يملأ المكان من حولي.. أبحث عن الهاتف وأصعد إلى السطح بحثا عن إرسال كما تفعل الطفلة "اتوية" في فيلم تمبكتو بحثا عن اتصال من أبيها الطارقي المعتقل لدى الجماعات المسلحة بتهمة قتل مزارع زنجي.. وتلك قصة صراع آخر لم يتعمق الفيلم في معالجته، وهي العلاقة المتوترة بين الإثنيات التي تقطن إقليم أزواد وتجعل بعض مكوناته تستبدل سلطة باماكو بكل ما توفر من خيارات مهما كانت سيئة، كما حاول الفيلم أن يقول عن الجماعات الإسلامية المسلحة.
هكذا يمر أطول يوم في حياتي وأكثره إثارة.. أستعيد ذكريات ذلك اليوم وأنا أتابع أحداث الفيلم الذي لم يستطع مخرجه التمرد على تلك الصور النمطية والقوالب الجاهزة عن الإسلاميين المسلحين، ولم يغص أبعد في واقع المدينة المنسية بين الرمال من دون أي بنى تحتية أو آفاق اقتصادية واجتماعية لأبنائها..
يحاول المخرج في النهاية، على عكس البداية القاتمة، أن يختم الفيلم بمشهد حيوي لأطفال يذرعون الصحراء بحثا عن أبيهم.. لكن أقدامهم ستكل من الجري في صحراء أزواد الشاسعة.. في النهاية سيحتاجان لسيارة لاندكروزر وسلاح به يحميان ما تبقى لهم من بقرات من صيادي الصونغاي، كما فعل أبوهم من قبل!