تخطى الى المحتوى

النظام الموريتاني والاستهانة بالقانون وكرامة الشعب (الإكراه البدني نموذجا)

جدول المحتويات

 

و لغاية هذا التاريخ لا يوجد دليل واحد يشير إلى جدية التعليمات التي صدرت بإلغاء قانون الإكراه البدني أو تعطيله على الأقل.

 

و بصرف النظر عن الأسباب التي تقف خلف هذا التناقض الحكومي، إلا أن الشيء الأهم هو ما سيكتشفه كثير من المراقبين و الهيئات الأممية و المنظمات الحقوقية

من التلاعب الحاصل في تعامل النظام الموريتاني مع الاتفاقيات الدولية و طرق الالتفاف على المعاهدات و المواثيق الأممية.

 

هناك الكثير من الملاحظات التي يجدر الانتباه لها بسبب الجدل الفقهي الذي أثاره وزير العدل بتعهده بنشر اتفاقية العهد الدولي في الجريدة الرسمية لكي تصبح نافذة و هو ما يعتبره بعض فقهاء القانون أمرا غير ضروري لأنه بمجرد المصادقة عليها و توقيع عهد التنفيذ تصبح نصوص هذه الاتفاقية غير قابلة للتأجيل حتى و لو تعارضت مع نصوص قانونية داخلية لأن النص الدستوري في المادة 80

يقول ؛ للمعاهدات أو الاتفاقيات المصدقة أو الموافق عليها كذلك، سلطة أعلى من سلطة القوانين و ذلك فور نشرها، شريطة أن يطبق الطرف الثاني المعاهدة أو الاتفاقية، انتهي الاستشهاد.

 

 

و لكون النشر الوارد في المادة لم يحدد بشكل صريح هل هو نشر الاتفاقيات بعد التعاهد عليها بين الدول المصادقة عليها في وسائل النشر المختصة بالمواثيق الدولية أم هو النشر في الجريدة الرسمية، فإن الإشكال الفقهي سيتضح أكثر لو تم النظر فيه من جهة الفقرة الأخيرة بحيث تشترط تطبيق الطرف الثاني للمعاهدة أو الاتفاقية، و إذا كان الطرف الأول يشترط نشرها في جريدته الرسمية فهذا يعنى أن اشتراطه لتطبيق الطرف الثاني يعتبر بلا معني أو يعني أن هذا الطرف يمارس تحكما في القوانين الدولية بحيث يحتج في كل مرة بأن هناك شرطا لم يتحقق و هو انه لم يتم نشرها في الجريدة الرسمية . و هذا يعتبر شأنا داخليا، و بالتالي فهذا النوع من التعاطي الفقهي مع القضية قد يجعل مصادقة الدولة الموريتانية على الاتفاقيات و المعاهدات هي و عدمها سيان، و هذا ما يتعارض مع اتفاقية افيينا للمعاهدات الدولية التي تلزم الدول بتطبيق الاتفاقيات التي قامت بالمصادقة عليها،  كما هو نص المادة 23، من نفس الاتفاقية …

 

و حيث إن الدولة الموريتانية قد أقرت و صادقت على العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية بتاريخ ؛ 17/11/2004، و قد دخل حيز التنفيذ بتاريخ ؛ 17 /02/ 2005، كما هو مصرح به من خلال التقارير الحكومية المقدمة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف عن طريق الفريق العامل المعنى بالاستعراض الدولي الشامل بتاريخ ؛ 10/08/2010 و في الدورة التاسعة بجنيف أيضا من نفس السنة بتاريخ؛ 13 /11/2010، المقدم من طرف مفوضية حقوق الإنسان ممثلة للحكومة الموريتانية وقد جاء في نفس التقرير أن الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف الحكومة الموريتانية مطبقة بشكل كامل و أنه لا يوجد تحفظ على أي من المواد التي تتضمنها باستثناء المادة 18 من العهد الدولي و الفقرة الرابعة من المادة 23.

 

و من هنا يبقى التساؤل مشروعا عن ما هو المقصود بهذه التقارير التي قدمتها الحكومة الموريتانية أمام الجهات الدولية المعنية .. مع أنها لا زالت تؤجل إنصاف بعض المظلومين من شعبها الواقعين تحت طائلة قوانين محلية تتعارض مع نصوص هذه الاتفاقيات بحجة أنها لا زالت بصدد نشر الاتفاقيات في الجريدة الرسمية ..!!!.

 

سأكون شاكرا لمن يقدم إجابة مقنعة حول هذا التعارض من جهة الشكل و المضمون في هذه المسألة ..!

 

إن كل ما تقدم يعطي انطباعا بأن التلاعب و عدم الجدية هي السمة الأبرز للأنظمة الموريتانية و سواء تعلق الأمر باستحقاقات محلية إنمائية و اقتصادية و خدمية أو بتعهدات دولية يسهر القائمون على تطبيق القوانين الدولية عليها كتعبير عن إرادة الهيئات الدولية لوجود العالم بشكل أفضل من ناحية الحقوق و الحريات و التي يضمن وجودها قيام أنظمة مسئولة قادرة على خدمة شعوبها قي كل المجالات و تشكيل عضو فعال في المجتمع الدولي.

 

سيمكننا تعاطي النظام الموريتاني مع الاتفاقيات الدولية من فهم أفضل للمقولة التي يستخدمها البعض على سبيل التندر و هي إن الإنسان في العالم الثالث يتعلم القانون من أحل اكتشاف الطرق الكفيلة بتمرير ظلمه على الآخرين في الوقت الذي يقوم الإنسان المتحضر يتعلمه من أجل إقامة العدل و تجنب الظلم و آثاره السلبية على المجتمع ..

 

القواعد القانونية لا تسمح بتطبيق الإكراه البدني أيضا

 

من المتفق عليه عند أغلب علماء القانون في العصر الحاضر أن الخلط بين القاعدة المدنية و القاعدة الجزائية أو الجنائية يعد مدعاة لخرق أسس العدالة الحديثة المبنية على العلم و النظريات الصائبة، كما أنه يعتبر مخالفا للوجدان السليم.

 

لذلك يقول أحد أكبر فقهاء القانون المدني؛ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه المسمي ؛ (الوسيط في شرح القانون المدني)، إن فكرة الإكراه البدني حتى باعتباره وسيلة ضغط على المدين للوفاء، تخالف المبادئ المدنية الحديثة فالمدين يلتزم في ماله لا في شخصه و جزاء الالتزام تعويض لا عقوبة . لذلك فحبس المدين في الدين رجوع بفكرة الالتزام إلى عهده الأول، حيث كان المدين يلتزم في شخصه، و حيث كان القانون الجنائي يختلط مع القانون المدني فيتداخل معنى العقوبة مع معنى التعويض في تدبير واحد. انتهي الإستشهاد ـ بتصرف يسير ـ .

 

إذن هناك تجاوز كبير في تطبيق الإكراه البدني من الناحية الفقهية البحتة كما أن التجاوز الإجرائي في هذه المسألة لا يقل فداحة عنه ..

 

ففي التطبيقات اليومية لهذا الإجراء نجد خرقا و تجاوزا لأهم نظريات الإثبات عند جميع التشريعات فمن المعروف أن الواقعة الإيجابية مقدمة الإثبات على الواقعة السلبية……

 

و إذا كان الإعسار واقعة سلبية كما هو معلوم و هو رواية عن الإمام مالك فإن مسألة حبس المدين قبل إثبات أن لديه مالا يخفيه يعد مخالفة إجرائية صارخة فالحبس عند المجيزين له لا يعدو وسيلة لإجبار المدين على قضاء الدين، و إذا لم يثبت أن لديه مالا فإن حبسه يعد عبثا و ظلما صارخا بحسب ما جزمت به الفتوى المنسوبة للإمام علي كرم الله وجهه.

 

و على هذا فالحبس طبقا لمقاصد الشريعة ليس هدفا بل وسيلة، كما هو مقتضي نقول الكاساني في كتابه بدائع الصنائع، وابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام،

و من هنا تبرز أهمية تعديل النصوص و ملاءمتها مع القواعد المدنية الحديثة و مع نصوص الشريعة الإسلامية أيضا.

 

قال تعلى؛ و إن كان ذو عسرة فنظرة إلي ميسرة .. صدق الله العظيم .

 

يمكن للمشرع الموريتاني أن يسلك في هذه المسألة و غيرها من العقوبات المدنية ما درجت عليه كثير من التشريعات الحديثة باستخدام العقوبات البديلة

أو ما يسمى بالأجنبي ؛ peines de substitution "

إذا كان لا بد من تفعيل العقوبة في القضايا المدنية …

 

كأن تتم مثلا معاقبة المدين المتحايل بأن يدفع سعرا أعلى في رسوم المعاملات الحكومية أو تعرفة أكثر لفواتير المياه و الكهرباء، أو تغريمه بالمخالفات المرورية بضريبة أكثر من غيره من الأشخاص العاديين أو بحرمانه من بعض الخدمات العامة أو توقيفا مؤقتا لبعض حقوقه المدنية و السياسية..

 

و ستكون هذه الوسائل أكثر ملاءمة من الناحية العملية و التشريعية …

 

نماذج من ضحايا الإكراه البدني

 

إذا كان الأديب الانجليزي شكسبير قد كتب رائعته تاجر البندقية قبل أكثر من ثلاثمائة سنة للتحذير من أضرار المرابين الجشعين… فإن شيلوك التاجر اليهودي الجشع الذي كان مستعدا لرهن أرطال من لحم أجساد المتعاملين مقابل مبالغ مالية يدفعها لهم وقت الحاجة و نكاية بهم على سلوكهم قيم الخير و المروءة كان سيبدو مسرورا لو كتب له أن يعيش في موريتانيا في ظل نظام ولد عبد العزيز بكل تأكيد….

 

لقد أضر نظام الإكراه البدني و التوسع في تقوية العقوبة الجزائية على الشيكات بالاقتصاد الموريتاني و أصبح الشعب منهكا و بائسا.

 

و المرابون يمرحون يمينا وشمالا و يرسلون التهديدات للمتعاملين المساكين و بين رجل مسن استقرض – ثلاثمائة ألف أوقية لغرض إنساني ضروري ليجد نفسه مطالبا بمليونين و مائتي ألف أوقية في أقل من شهرين و نصف إلى وجيه اجتماعي تم الزج به في السجن و باع ممتلكاته بثمن بخس حفاظا على نفسه من سيف الإكراه البدني الذي يمسك المرابون بقبضته بمساعدة من الإدعاء العام.

 

إلى رجل أعمال شاء له حظه العاثر أن يقع فريسة لهذه الشبكة و بعد أن اقترض منهم سبعة ملايين سيكون مجبرا على دفع ثلاثة و ثلاثون مليونا، و إلا فهو الملوم و المرابون يحميهم سؤال واحد من أحد نواب وكيل الجمهورية…. هل هذا التوقيع الذي على الشيك هو توقيعك…؟ و عندما يحاول شرح المسألة سيتحمل الزجر و الإهانة و التأكيد عليه بأن الجواب لا يتجاوز نعم . أو . لا .

و هنا يمكن لمن أراد النكاية بأي شخص أن يبحث عمن يحتفظ له بوثيقة شيك ضمان، و سيكون لدى النظام سماسرته في أوقات الشد و الجذب السياسي فيجوبون البلاد بحثا عمن له دين على رجل سياسي أو شخص نافذ لكي يشتروا منه دينه بربح فيتسنى لهم إيصال تلك المطالبة إلى الجهة التي ستثمنها بدون شك و ستكون المساومة على المواقف إحدى الثمرات السياسية التي لا تقدر بثمن، و ستبرز أهمية الإكراه البدني و أساليب شبيكو بما لم يخطر على بال شرطة استالين او موسوليني.

 

و سيكون حال الشعب الموريتاني مصداقا لما عبر عنه الراحل محمود درويش في آخر جداريته الشهيرة …

هذا البحر لي ..

هذا الهواء الرطب لي ..

و اسمي …

و إن أخطأت لفظ اسمي على التابوت

لي ….

أما أنا و قد امتلأت ..

بكل أسباب الرحيل …

فلست لي ..

أنا لست لي …

أنا لست لي …

 

الأحدث