تخطى الى المحتوى

الجمعة أوالسبت الأحد.."خـــــــــــــالفوا اليهــود والنصــارى"

جدول المحتويات

فيما مضى عروة إلا واشتبك أهل الحق وأهل الباطل، كلٌ يدافع عما تولاه. فبعد إحكام أهل ملة الكفر سيطرتهم على خير أمة أخرجت للناس عُطلت شريعتنا المباركة قسرا، ثم عُرِّج على الشعائر لهدمها بسَنّ ما يخالفها، فيتبعه الضعفاء تقليدا واتباعا للهوى، ثم باستصدار الفتاوى ممن ليس أهلا للفتوى أو أنه قد باع دينا بدنية.

 

والمنقوض من الدين اليوم ليس تخصيص يوم بعينه للعمل أو الفراغ، فهذا أمر ينظرإليه من باب "المصالح المرسلة". فللناس أن يختاروا من الساعات، بالليل و النهار، و من الأيام، جُمَعِها، و سُبوتِها، وآحادها أو غيرها، ومن الشهور، رمضانها أو غيره، ومن الفصول، ربيعها و خريفها، ما يعود عليهم بالنفع في تدبير شؤونهم عملا وتفرغا.

 

وإنما المحظور هومخالفة نهيه عليه الصلاة والسلام:"خالفوا اليهود والنصارى". فاليهود لا يعملون يوم السبت تعظيما له،  والنصارى تعظيما للأحد، بناء على عقيدة فاسدة كافرٌ من اعتقدها. وأهل الملتين  يذهبون إلى معابدهم في هذين اليومين، وترْكُنا للعمل فيهما اتباع لمن أُمرنا بمخالفتهم، خصوصا في أمر من الدين. ولك أن تقول: هل هذا من الدين؟ أقول نعم: يزعم اليهود أن الله سبحانه لما خلق السماوات  والأرض في ستة أيام استراح يوم السبت، والنصارى يزعمون أنه جل جلاله استراح يوم الأحد. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ.

 

ولقد هبط بعض المفتين، في مشارق الأرض و مغاربها، إلى دركات السخف و ما يدعو للشفقة والسخرية. وأخذت بلادنا حظها من ذلك. في اجتماع لهم غداة ما يسمى بالإستقلال عن الغازي عرض بعض من ينسب للعلم حكم حلق اللحى للبحث، والأولى كان أن يناقشوا أمر استبدال حكم الطاغوت بحكم شريعة الله وقد رحل المحتل ولو ظاهرا. ونعق ناعقون آخرون، يخوضون في أمر الخِفاض استجابة للعدوالغربي،أصدروا الفتاوى، وتحدثوا طويلا في وسائل الإعلام أضعاف ما يتحدثون عن المهمات الملمات إن تناولوها عَرَضا، وجابوا المدارس و الطرقات صحبة المُنصِّرين، يوزعون وسائل منع الحمل لتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، متسترين بحجة مكافحة فقد المناعة (سيدا) والله يعلم ما يسرون وما يعلنون. وفي أقطار أخرى أبعد النجعة آخرون، وبالغوا في التجاسر على الله جل جلاله، حتى أجازوا الفطر في رمضان من غير عذر شرعي؛ و"فاز فائزهم"بقصب السبق في سباق الخزي حين أعلن عدم جواز إنشاء مصارف إسلامية في بلاد الإسلام لأن المصارف الربوية، حسب افترائه، كسبت الصفة الإسلامية بكونها في أرض الإسلام. والقياس الصحيح، المثمر لنتائجَ لا يتأتى ردها، يقضي بِحِل كل محرم ارتُكب في أرض الإسلام، ويقضي بنقض إبطاله صلى الله عليه وسلم لربا العباس وإقامته الحدود، لأن ربا العباس كان في أرض الإسلام، ولأن الذين أقام الرسول الكريم عليهم الحدود استوجبوها في أرض الإسلام. ولقد صوب بعض أُجراء الفتوى في بلدان أخرى من قال من الحكام "لا نحكم بشريعة الإسلام لأن في بلادنا غير مسلمين"، مخطِّئين (أعني الحكام و المفتين) لزوما، المعصومَ من الخطإ حين حكم بشرع الله في جزيرة العرب، وفيها المغضوب عليهم، والضالون، والصابئة، وعباد هبل، واللات، والعزى، و مناة الثالثة الخرى، وغيرهن من الأوثان.   

 

أقول: سيدوم الجدل ما نَقض ناقضٌ عروة من عرى الإسلام، وأنكرفَعْلَتَه مؤمن لا يخاف في الله لومة لائم. وستنقض هذه العرى، وتنقض لِما صح عنه عليه الصلاة والسلام:" لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة". أفلا تشاهدون كل حين مصداق هذا الخبر؟

وصح عنه أيضا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". كما صح عنه: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء". قيل": يا رسول الله من الغرباء" قال: "الذين يَصلحون إذا فسد الناس"وفي لفظ : "يُصلِحون ما أفسد الناس من سنتي" وفي لفظ آخر: "هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير".

أقول :أفلا تبصرون ما لذلكم من المصاديق؟ فالصالحون المصلحون ينكرون المنكر ويقيمون كل ما انقضَّ من البنيان قدر استطاعتهم.

 

أقول و بالله التوفيق: لا نوجه لوما لحاكم ناقض لما نقض من الدين – وإن كان مُليما ملوما. وذاك:

لأن أكثر من 99 في المائة من حكام المسلمين جهلة بالدين. استعرِضوا قائمتَهم، من المحيط إلى أطراف الصين، ومن أقصى حدود آسيا الوسطى وأوروبا إلى أواسط إفريقيا؛ ثم ارسموا دائرة وضعوا فيها مَن منهم له علم بنواقض الإسلام، بل بأحكام الطهارة والصلاة ورفع الجنابة. فستظل الدائرة، فضاؤُها، لم يطمثها منهم مستأنَس، بالغرب لا بدين الله يأنِس، إلا من رحم ربك. وكم كانت فضيحة بلاد المرابطين برئيس لها اكتفى ببعض أركان الحج، تاركا ما سواها، مغلظا على من نبهه، زاعما أن ما أتى به قد كفى. وكم كانت فضيحتها – بلادَ المرابطين – لما صلى رئيس لها آخر بين الرؤساء و الملوك و هو علي غير وضوء ولم يَعدَم ماء و لا مُتَيَمَّما.
ولأن حكام المسلمين، بعضهم لا يومن بالدين و يُّكذِّب به، وبعضهم لا يعمل به ولو آمن به. حدثني فقيد الأمة: المغفور له العالم العلامة القاضي محمد سالم بن عبد الودود في مجلس، والله ثالثنا، و مرة أخرى معنا فيها بعض الفضلاء، أنه انتدبته الدولة لحضور مؤتمر عالمي حول التشريع. فلما عاد منه جاء رئيسَ الدولة ليقرر له عما جرى في هذا اللقاء الدولي وأخبره أن الحاضرين (يعني غير المسلمين والمسلمين من باب أولى) أجمعوا على أن شرائع الإسلام وحدها هي التي تصلح لقيادة البشرية. قال: ثم قلت له إن مِن العار أن يعترف غيرنا بفضل شريعتنا ولا نحكم بها. قال: فأطرق الرئيس هُنيهة (او طويلا، الشك مني) ثم رفع رأسه وقال:"تريد أن نعود إلى الوراء؟" هكذا: الحكم بما أنزل الله عندهم سُبة، عار ومَعَرة، جهل و تخلف… وتِلكم  من معاني "الرجعية" في عرف التخاطب اليوم عند القوم.
ولأن حكام المسلمين ليس لهم من الأمر شيئ إلا ما أمرهم به مَن سلم لهم الحكم مِن أهل ملة الكفر الغالبين (الغالبين إلى حين إن شاء الله تعالى. قال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. و قال رسوله صلى الله عليه وسلم: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل الله به الكفر" – أوكما قال عليه الصلاة والسلام).

 

أقول و بالله التوفيق: لا علم لحكام المسلمين بالدين ولاهو واقع في دائرة اهتمامهم، إلا بقدر ما يجعلون لهم منه جُنة و حجة عند انتهاك حرماته والخوفِ من غضب حراسه.

 

ولا نشنع على مُليم  من المفتين: نظرإليه الحكام بعين مفتقِرٍ إليهم فأهَانوه، وقذفوه من حالق، لأنه أنزل آماله بغير الخالـق.

وإنما ننكرعلى من حمله حماس الدفاع عن الباطل على الخوض فيما لا علم له به من أمور التنمية  والإقتصاد. فلقد رأيت في بعض المواقع من يبررالعمل يوم الجمعة بأنه "مفيد لتنمية البلاد و اقتصادها". أطلقها مَن قد لا يحسن فهما لإدارة اقتصاد منزله. "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".

وننكرعلى من احتج بأن الصحابة لم يكونوا يستريحون يوم الجمعة.

فهذه شبهة الشبهات، و لا نحتاج لدحضها إلى حفظ الشعبي والسفيانين وغيرهم، ولا إلى عقل مالك وفطنته، ولا إلي جدل الباقلاني وشيخه. فإيرادها مما تضحك منه الثكلى ساعة دفن وحيدها، ويجد مُورِدُها مِن إيرادها ، إن تاب، أشد من  وَجد القضاعي و أصنائه الواصف له في قوله :

 

   لا وَجْد ثَكْلَى كما وجدتُ ولا    وجْـــــد عَجول أضلها رُبَـــعُ

   أو وَجد شيخ أضل ناقتـَـــــه    يوم توافَى الحجيجُ فاندفـعــوا

 

نعم، نـكِل دحضها إلى أمي من الأميين لم يحفظ "المختصر" (وأكرم به من مختصَر وأكرم بمختصرِه) فيقول لهم الأمي واثقا من نفسه، منكرا لا مستفهما: وهل كان الصحابة يستريحون يوم السبت أو الأحد؟

فأما "المتقاصدون- التنمويون" فنسألهم: ما الفرق بين الأيام في باب الإنتاج؟ هل لواحد منها في هذا الباب خصوصية بعينها؟

فما لجُمُعَتكم تُنَمِّي وأيام الله الأخرى عجفاء مُعجِفة، ولمَ خصصتم بعض النواصب، والجوازم، و حروفِ الجر بالعمل دون غيرها بلا مخصص ؟ نبئونا بعلم إن كنتم صادقين.

 

ونقول لهؤلاء وأولائك: والذي فلق الحبة و برأ النسمة، إن شاء الله تعالى، تحقيقا لا تعليقا، لن تنموَ بلادنا، ولا غيرها من بلاد الإسلام حتى يحكمها شرع الله على يدي مثل ابن عبد العزيز.

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.

أقول هذا في يوم من أيام شهر ذي القعدة من عام 1435 من الهجرة المباركة، وإنا لنُمهل  "الجُمَعيين السبتيين المُسبتين …" دعاة العمل يوم الجمعة و"التسبيت"، نُمهلهم من الدهر عَقدا، وقرنا، وألفا وخمسين عاما تشفعها، ليلزمونا بكفارة يميننا هذه.

 

ليس تخلفنا في كل شيئ بسبب التعطيل يوم الجمعة. كلا و ربنا، المقدم المؤخر، رب الحول و القوة.

 

إننا شعب قليل عديدنا، غيرَ أنا عريقة أمجادنا، ثرية بلادنا، راجحة عقول عقلائنا، عبقري مجتهدنا. لو أحسنا تدبير ما لدينا، وحكَّمنا شرع ربنا ما افتقرنا، ولاستعففنا، ولأعفنا رازقُنا، مالك الملك، عن صدقات البخلاء المنَّانين من حكام بني جلدتنا، وعن رُشيوىَ الغرب الفاجر التي نبتاعها بديننا، وعرضنا، ومالنا، وأنفسنا.

 

أين معادن الشمال التي أصبحت رَضْواها، ولُبنانُه، أَفَرَسْتُها،و هيمَلايَها قاعا صفصفا لا ترى منها أثرا ولا لها فينا نماءً من ثمارها؟ أين معادن النحاس التي لم تكن سوى نحس على العمال الفقراء المستخرجين لمكنونها؟ أين معادن الذهب الذي ذهبت أكوامه إلى غيرنا؟ أين التربة النادرة التي يندر أن ترى لك مخبرا بوجهتها؟ أين أسماكنا مضربُ المثل جودة وكثرة، أين طَرِيُّ لحومها، وأين، وأين أثمانها؟ أين البترول، بترولنا، بل بترول غيرنا في أرضنا، أضحوكة المجالس العليا وأحجية الساسة والمؤرخين من الورى، يقول سامرهم: من يخبرنا أي بلد ينتج البترول و حصته منه ركام النفايات؟ يجرنا هذا إلى أن نسأل: من أذن للمغضوب عليهم بدفن نفاياتهم السامة في طاهرأرضنا ونقيِّها؟ أنى لنا، و أنى، أن ننظف أرضنا من الإشعاعات الذرية و النووية من ذلك المدفون الذي لا يزول أثره ولوبعد آلاف السنين؟ في مقابل ماذا قبلنا أن نكون قبرا لها فتُقبرنا بشرمفعولها.

 

فسيقولون: كل ذلك علاجه العمل أيامَ الجُمَع، والبطالة أيامَ السبت و الأحد. 

 

نقول للجُمعيين- السبتيين المسبتين: ليس اتباع سَنَنِ من قبلنا بالذي يضمن لكم ما تصبون إليه من زهرة الدنيا، وإنما سبيل ذلك: الإيمانُ والعملُ بالمسطور في ما استُحفظتم من كتاب الله جل وعلا:

وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ…
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ…
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم …

ثـــــــــــــــــــــم ما ذا بعد؟

نرجو أن يعود أصحاب القرار الجائرعما اقترفوه.

فإن لم يفعلوا: فالعمال، والجنود، وغيرهم من حملة السلاح المؤمنون، الغيورون على دينهم وحقهم لن يعملوا يوم الجمعة في الثكنات، والمخافر، والمصانع، والموانئ، والمكاتب. ذالكم ظننا بهم، والله غالب على أمره. وننصح السلطات ألا تلجأ عندئذ إلى العنف: فقد جربه مَن قبلهم، وباءَ بشر مَخوف: الجريمة، والسقوط، وما يلزم على ذلك. ولتكن إجازة الأسبوع يومي الخميس والجمعة، ففي السفر يوم الخميس بركة، وبعض الحكام على وشك الرحيل.

 محمد الأمين بن عبد الرحمن الشيخ

الأحدث