جدول المحتويات
لقد عاش الشيخ لله، وفي حرم الله، يشحذ من نفسه الهمم بطاعته، ويبسط لعباده، قريبِهم وبعيدِهم، الفرش والطعام والمال الحلال، تطوّعًا لوجه الله، وسجيةَ كرَم تليدة فيه، تأبى أن تترك له دينارًا أو درهمًا.
وهب الله للشيخ حُسْنَ المنبت، وكرمَ الأرومة، وعلوّ الهمة، ووالدًا قلّ أمثاله في زمنه، هاجر معه في العقد الثالث من القرن الماضي إلى مهبط الوحي، ومَهْوى الأفئدة، حاملين معهما حسنَ الذكر وأصالةَ العِرْق، فتعلّم من أبيه الكرم والفتوة والأخلاق وحسن التقوى.
نشأ الشيخ على ما كان عوّده أبوه، وعضّ بالنواجذ على كل مَحمدة تورِث حمدًا من الناس، وشكرًا من الله، فما ندّت عنه منها قاصية، ولا وَنَت دونه منها دانية، كأنه المعني بقول الحسن بن هانئ أبي نواس، في الخصيب والي مصر:
فما جازه جودٌ ولا حلّ دونه… ولكن يصير الجود حيث يصير
أقام لبني جلدته سمعة في المشرق سامقت العنان، وصكّت الآذان، فما رجع من عنده أحد إلا وهو يتحسر على يقينه بعدم استطاعته الوفاء له، فقد كبّله بالإحسان بالمال والعلم والفتوة والدعاء الصالح، وقبل ذلك بوجه طلق، ومحيّا باسم، وقد قيل:
بشاشة وجه المرء خير من القِرى… فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك
رضع الشيخ المجد من أصليه فعبّ منه ما شاء حتى رأى رِيّه في أظافره، ثم تمسك به بقية حياته، يقاتل عن رايته قتال الأشداء، وكان كما قال الشمّاخ بن ضرار رضي الله عنه:
رأيت عرابةَ الأوسيَّ يسمو… إلى الخيرات منقطعَ النظير
إذا ما راية رفعت لمجد… تلقاها عرابة باليمين
كان الشيخ العلامة بوشامه رحمه الله تعالى مثالاً أعلى للسفير الشنقيطي في المشرق، علمًا وزهدًا وورعًا وأنَفة، ولم يعرف في حياته، وهو الذي قضى أغلب شبابه -فما بعده- في غير جيرته وأهله الأقربين، لم يعرف غيرَ صدر المجلس، وإصغاءَ الآذان له
يُلقِي الجواب فما يُكلّم هيبة… والسائلون نواكس الأذقان
نور الوقار وعز سلطان التقى… فهو المُطاع وليس ذا سلطان
أنزل الله له قبولاً في الأرض بين عباده، فما لقي منهم غيرَ التبجيل المستحَق، والتكريم المتوقع، يعامل الناس كأنهم عياله كما قال ابن عمه موناك بن مبركٍ في العلامة لمرابط بن أحمدو فال رحمهم الله
كأنْ آدمٌ أوصاك من حرصه على… بنيه، فعُلتم نسلَه؛ الحُرّ والعبدا
كان أبيًا لا يقبل التنازل عن صورته الفضلى التي اختارها الله له، حدثني ابن عمٍّ له في مقام ابنه، أنه كان معتمرًا سنة 1986، وكما هي العادة فإن بيت الشيخ في مكة المكرمة مأوى كل طارق ليل، أو عازم مقيل، وكان مع الشيخ يقود سيارة احتاجت إلى البنزين فتوقف عند الحطة وعبأ السيارة وهمّ بالانطلاق وكان قد بقيت له نقود عند صاحب البنزين فنبه المرافقُ الشيخَ، فقال له، مترجمًا عن كرم أصيل، وأخلاق عالية، وإنفاق سجية: لا يحسن بنا أن نأخذ من هذا المسكين شيئا.
سلْ عن كرمه حاجًا تقطعت به السبل ورُمي كخباءٍ خلِق في مكة العريضة، أو فقيرًا احتاج من يساعده وغلبه حياؤه.
سلْ عن فتوّته مجالس العلم والأدب والقول الفصل.
سلْ عن أخلاقه وتواضعه مَن جالسه وتكلم معه وآوى إلى ركنه.
سلْ عن عبادته أرض الحرم، وبيتَ الله، ومدينة رسوله صلى الله عليه وسلم.
سلْ عنه من لم يلقَه، فمَن لقيه سيُخوّن كل عبارة مهما عظمت في الدلالة على الصفات الحميدة، وسيكتفي بكلمة واحدة: لم أرَ له مثيلاً.
كان محبًّا للنبي صلى الله عليه وسلم وكان بكّاءً من خشية الله، وكان يتعلق بكل من له علاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت دموعه في مواقف الحب النبوي أكرمَ في سحّها من نوال يده، وذلك لعمري شأوٌ بعيد.
مثْلُ الشيخ بشامه لا يرثى بالشعر فما كل قول يوفي الحق فيه، فهو وإن تجمعت كل مراثي العرب فإنها قاصرة عن مدى مجاله، وحسبنا أن نتذكر فيه قولَ ابن عمه الشيخ محمد أحمد الرباني رحمهم الله
أهان عليّ الخطبَ فيك عمومُه… ووشكُ انتقال الكل بعد انتقالك
وكلُّ ابن أنثى لا محالة سالك… على رغمه يومًا بتلك المسالك
ولست من الخلاّن أول هالك… ولست من الأحباب أولَ هالك
وإنيَ في حسن الرثاء متمّمٌ… وإنك في استحقاقه مثلُ مالك
وإن غادر الشيخ هذه الفانية فإن لنا في الأبناء سلوة، فقد والله أخذوا راية المجد خفاقة من يمينه، وقرّوا عينه بما حمِده فيهم كل ذي عين، فهم والله خير من ترك وراءه، ولن يتركوا أثره قيد أنملة ولكنهم يزيدون إن شاء الله.
لقد كانت حياة الشيخ عيدًا طال يومه بفضل الله، فما رآه من لم يفرح به وله، وكان كما قال نزار قباني
زمانك بستان وعصرُك أخضر… وذكراك عصفور من القلب ينقُر
دخلتَ على تاريخنا ذات ليلة… فرائحة التاريخ مسك وعنبر
وكنتَ، فكانت في الحقول سنابل… وكانت عصافير وكان سنوْبر
لقد رزئنا بالشيخ، وما أحد أحب إلينا من أن نلقى الله إلا بمثل ما لقيه به، كما قال علي رضي الله عنه يوم دخل على عمر بن الخطاب رضي الله وهو مسجّى بعد استشهاده، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.
توفي بمكة المكرمة، في شهر الله المحرم، وصُلي عليه في أول بيت وُضع للناس، وحضر الصلاة أوائل من اختارهم الله لضيافته هذا العام، ودفن في مقبرة المعْلاة حيث آلاف الصحابة والتابعين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا، تتقدمهم سيدة النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأمير المؤمنين وسبط صاحب الغار عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فهو والله أحق بقول أبي الطيب المتنبي في والدة سيف الدولة:
أطاب النفسَ أنك متّ موتًا… تمنّته البواقي والخوالي
عزائي في الشيخ لنفسي ووالدي ثم لإخوتي من أسرته، وأتقدم بعزاء تجمّ عين دمعه إلى والدتي الحنون، يد الشيخ في العطاء، وستره في البيت والدتي حقّاً وليست مجازًا سلمى بنت وداعة، جزاها الله عني خيرًا فهو وحده القادر على مجازاتها عني وعن الشيخ رحمه الله.
ثم عزائي لحجاج بيت الله الحرام فقد فقدوا سنَدًا لهم ومعينا، لا يريد منهم جزاء ولا شكورًا، لا يسأل عن قبيلتهم ولا جهتهم، ولا عن سوادهم المقبل.
ثم هو عزاء إلى الأمة الإسلامية فقد ثُلمت بما يصعب جبره، علمًا وكرمًا وعبادة وتحمّلا للمسؤولية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أخي الأكبر الدكتور عمر أعزيك بما عزى به الأعرابي ابنَ عباس في وفاة والده العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه:
اصبر نكنْ بك صابرين فإنما… صبر الرعية عند صبر الراسِ
خيرٌ من العباس أجرُك بعدَه… والله خير منك للعباس
وبما يعْزى للإمام الشافعي رحمه الله:
إنا معزّوك لا أنّا على ثقةٍ… من الحياة ولكنْ سنة الدين
فلا المعزَّى بباقٍ بعد ميّته… ولا المعزِّي وإن عاشا إلى حين
رحم الشيخ بوشامة، فما عند الله خير وأبقى
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق… ولا مـغـرب إلا لــه فـيـه مـادح
ومـا كنـت أد ري ما فـواضـل كـفـه… على الناس حتى غيبته الصفائح
لـئـن حسـنت فيه الـمراثي وذكرها… لقـد حسنت من قبل فيه المدائح
عبدو ولد الصافي ولد اخليفه