تخطى الى المحتوى

لا يتنفل من عليه القضاء... بل يتنفل.

جدول المحتويات

فإذا كان قاضي الصلاة لا يتنفل فكذلك قاضي رمضان لا يتنفل، وهذا القياس غير مسلم لأن العبادة لا يدخلها القياس، إذ أن التعبديات ليست لها معان تدرك بالعقول حتى تكون مناطا للإلحاق، وإن سلمنا أن العبادة يدخلها القياس، فإنه في هذه القضية قياس مع فارق معتبر يمنع الإلحاق، لأن تذكر فائتة الصلاة المفروضة في وقتها لا وقت لها سواه، قال تعالى: " أقم الصلاة لذكري"، وقال عليه الصلاة والسلام: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، فمن حين تذكرها إلى أن تقضى جميعها ـ سواء كانت صلاة واحدة أو ألفا ـ فذلك الوقت كله مستغرق بتلك الفوائت، وعليه فلا يمكن دخول غيرها معها في ذلك الوقت، حتى أن من تذكر يسير الفوائت وهو في الصلاة الحاضرة يقطعها، وما ذلك إلا لأن الوقت صار مستغرقا بتلك الفوائت وعليه فلا يمكن دخول غيرها معها في ذلك الوقت، حتى أن من تذكر يسير الفوائت وهو في الصلاة الحاضر ة يقطعها،وما ذلك إلا لأن الوقت صار مستغرقا بتلك الفوائت  عند تذكرها، بخلاف الصوم فإن الله قد قال في قضائه: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر"، فكان وقت قضائه مطلقا، يعتبر العمر كله ظرفا له، لذا أمكن أن يصوم بعض الصوم المرغب فيه كست من شوال ويوم عرفة ويوم عاشوراء والأيام البيض… قبل قضائه لما عليه من رمضان، لأن الأخير وقته مطلق والذي قبله وقته مضيق، فكان أولى بالتقديم ، لئلا يفوت وقته، وفي هذا المسلك جمع بين خيرين ، فعل السنن والفضائل وتأدية الواجب، والجمع واجب ما أمكن.. وقد تبين أنه ممكن، وإن قيل: إن التقرب بالواجبات أولي، فالجواب أن قاضي رمضان في وقته المطلق متقرب إلى الله لفعل ما أوجبه عليه في وقته ، فكما أن مؤدي الصوم في وقته متقرب إلى الله فكذلك قاضيه في وقته المطلق متقرب إلى الله.

وإن قيل إن التقرب بالفرائض أولى لقوله صلى الله عليه وسلم: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي ما افترضته عليه"، فهذا صحيح ، لكنه لا ينفي صحة التقرب إلى الله بالنوافل، لقوله صلى الله عليه وسلم" ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"، فهناك أضاف المحبة إلى الشيء محل القربة،

فكانت محبته للعبد ثابتة بالالتزام ، وهنا ثابتة بالنص لأن المحبة كان متعلقها العبد نفسه ، وما ثبت بالنص أولى بالاعتبار مما ثبت التزاما.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القائل بتقديم القضاء على هذه السنن والفضائل متحكم في الخطاب الشرعي، لأن خطابه كان عاما في قوله " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر كله.."، فهذا الخطاب شامل لجميع المكلفين، لأنه صدر ب( من) التي تفيد العموم والاستغراق، فكان ترك الاستفصال دليل العموم، وعليه يكون القول المقابل مؤداه أن الشارع قال ( من صام رمضان من غير أهل الأعذار ثم أتبعه ستا من شوال، أو من صام رمضان كاملا ثم أتبعه…)، وهذا كله تحكم في النص الشرعي، وهو غير جائز لأنه ترجيح بلا مرجح وهو معدود من اتباع الهوى المنهي عنه بصريح القرآن " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله…"، لذا فلا يصح قول القائل إنه لا يصوم الستة ولا عرفة ولا عاشوراء،حتى يقضي ما عليه، وبهذا يحرم أصحاب الأعذار من هذا الخير دون مبرر شرعي.

لذا يمكنني أن أقول: لا يتنفل من عليه  القضاء إن تعلق الأمر بالصلاة، ويتنفل من عليه القضاء إن تعلق الأمر بالصوم.

زد على ما تقدم أن المالكية الذين أخذوا بمقولة الأخضري لم يعملوا بها على إطلاقها بل استثنوا صلاة الوتر والرغيبة والعيدين فتصلى وإن كان على المكلف فوائت، فيكون من العدل أن يصوم بعض الصوم المرغب فيه كست من شوال، وعرفة، وعاشوراء، وإن كان عليه أيام من رمضان.

أما القضية الثانية، وهي اندراج التطوع في قضاء رمضان، فلا يصح عندي، لأنه في التطوع مؤد، وفي الأيام التي عليه من رمضان قاض، وهذان الأمران متنافيان إذ لا يمكن في يوم واحدا اجتماع نيتين، لأن الأداء في الوقت، والقضاء خارجه، فكيف يجتمعان، هذا تناقض، إذ لا يصح في ركعة واحدة من الفريضة أن تكون أداء عن ظهر يومها، قضاء عن ظهر أمس، فقضاء رمضان وصيام التطوع، كل منهما له حقيقته ودليله، والأصل عدم الاندراج، والتأسيس أولى لما فيه من أعمال الدليلين.

ولا يصح القياس في هذه القضية على اندراج الوضوء في الغسل الواجب، لأن الوضوء اندرج بالسنة الفعلية، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه اغتسل من الجنابة ثم توضأ بعد ذلك، بل ثبت عنه أنه قال " أما أنا فآخذ ملء كفي فأصب على رأسي، ثم أفيض بعد على سائر جسدي" فهذا جلي في أنه اغتسل ولم يتوضأ، فدخل الوضوء في الغسل بالنص، وعلى الرواية الثانية فلا اندراج أصلا، بل إنه أتى بكل واجب على حدة، فقد ثبت عنه من حديث ميمونة أنه توضأ وضوءه للصلاة… ثم غسل سائر جسده" بخلاف ما نحن فيه، فإنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه أدخل صوم التطوع ـ من عرفة أو عاشوراء أو ست من شوال ـ في صيام كان عليه من رمضان، والأصل عدم الاندراج إلا لدليل يدل على ذلك، فجاز في الوضوء، مع الغسل، للدليل ويبقى غيرهما على الأصل.

وكذا لا يصح قياسه على اندراج العمرة في الحج، لأنه ثابت بالدليل وهو قرانه صلى الله عليه وسلم بينهما " لبيك عمرة وحجا" متفق عليه، فثبت الاندراج بالدليل، ولا دليل على الاندراج في الصوم.

كما لا يصح قياسه على اندراج تحية المسجد في الفريضة ـ وإن نقل الإجماع على ذلك ـ لأن الإجماع هنا يصادم صحيح النص وصريحه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، وإدخالها في الفريضة يناقض هذا النص مناقضة واضحة ، وإن قيل إن الإجماع على خلاف النص دليل على النسخ، قلنا إنه دليل على النسخ، لكنه غير ناسخ وذلك شأن الإجماع، لا ينسخ ولا ينسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا نعلم ناسخا للحديث الصحيح السابق، وإن قيل إنها تندرج بالنية، قلنا إن تعيين النية في الفريضة لازم، والتعيين يتنافى مع التشريك، فلا يمكن أن تكون صلاة الظهر ـ مثلا ـ صلاة ظهر وتحية مسجد، أو صلاة ظهر ورغيبة فجر..

ثم إن القول بالاندراج فيه غض من مقام الفضائل والسنن والمستحبات مع أن منزلتها عظيمة " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.."، وهي جبر للفرائض يوم القيامة ( انظروا هل لعبدي من نوافل..)، فهذه المعاني لا يناسبها الاندراج والاختزال، بل المناسب لها الاستقلال والإفراد.

وقاعدة ( هل الأصغر مندرج في الأكبر أم لا؟)، خلافية، ولا يمكن ترجيح أحد شطريها على الآخر، وإنما يكون الترجيح في الفروع المندرجة تحتها، وهذا ما قمت به في هذه المسألة، وكان مستندي في الترجيح ما بينته آنفا، ومنه علمت أن من عليه القضاء يتنفل جمعا بين خيري الفرائض والمندوبات. والله أعلم

                                                        وكتبه القوي بالله:

                                                  الطالب أخيار بن أعمر سيدي.           

   

الأحدث