تخطى الى المحتوى

ما لم تقلهُ شيعة ولد عبد العزيز عن مالابو!!!

جدول المحتويات

 

اختزل أنصار النظام قرار القمة في موقفٍ شخصي لولد عبد العزيز، الرئيس الدوري للإتحاد الإفريقي، دونَ الخوضِ في خلفياته.صحيحٌ أنَّ ولد عبد العزيز اعترضَ على مشاركةِ الوفد الصهيوني لكنَّ فضلَ التعبئةْ لرفضِ تلك المشاركة يعودُ إلى دولِ الممانعة التقليدية في الساحة الإفريقية وعلى رأسها الجزائر، وهذا موقفها التاريخي، وتونسْ التي استعادت تاريخها المقاوم بعد نصرِ ثورةِ الياسمينْ، كما أنَّ للرئيس المنصف المرزوقي شخصيا دورٌ كبير في الموضوعْ، بحكم ماضيه النضالي المشهود ورفضهِ المبدئي للتطبيع مع إسرائيل عربيا وإفريقيا. و هنا يحسنُ التذكير بالنفوذ التاريخي للجزائر في الاتحاد الإفريقي وقبله منظمة الوحدة الإفريقية، فهي من دفعَ باتجاهِ الاعتراف بــ''الجمهورية  الصحراوية'' المعلنة من قبل جبهة ''البوليساريو''، وذلك رغم اعتراضِ ومساعي دولةَ إقليمية ذات وزنْ هام هي المغرب.

 

وفي ضوءِ بقاءِ الموقف الإفريقي على حاله، سيضطر المغرب إلى تجميد عضويته في المنظمة القارية منذ أواسط الثمانينياتْ. وقبل أسابيع فقط، عيَّن الاتحاد الإفريقي رئيس موزمبيق السابق ''جواكيم شيسانو'' مبعوثا مكلفا بقضية الصحراء الغربية، وهو ما ندَّد به المغرب وبادر إلى رفضهْ. هذان المثالان ناطقان بنفوذِ الجزائر إفريقيا. فهل من أنموذج على النفوذ الموريتاني؟؟؟؟ أرجو أنْ نستعيدَ ذالك النفوذ في يومٍ من الأيام. وهو بالمناسبة ليس مرتبطا بالقوة الاقتصادية ولا العسكرية وإنما بالقوة الأخلاقية والقيمية، فالرئيس الراحل المختار ولد داداه، طيب الله ثراه، استطاعَ قطعَ علاقات إسرائيل بأغلب البلدان الإفريقية بعد نكسة عام 67!!!

 

يجدرُ بمن يُتابع الموضوع أنْ يتساءَلَ عن قدرةِ ولد عبد العزيز على طرد الوفد الإسرائيلي، وإسرائيل حليفٌ حيوي لأنظمةٍ إفريقية نافذة في أوغندا، وأثيوبيا، ونيجيريا، وحتى كوت ديفوار والغابونْ، وبدرجةٍ أقل السنغالْ وغينيا الاستوائية المضفية للقمة. وتدليلا على علاقاتِ الكيان الصهيوني بهذه الأخيرة، يحسنُ التذكير بمحاولة الانقلاب الفاشلة ضدَّ الرئيس ''تيودورو أوبيانغ نغويما'' قبل 9 سنوات، والتي لعب الموساد دورا محوريا في إحباطها.

 

وهنا يحسنُ التذكير بأنَّ ولد عبد العزيز، أشار في مقابلته الأخيرة مع أسبوعية (جون آفريك) إلى أنَّ ''طلب إسرائيل عضوية الاتحاد الإفريقي سيُبحثُ إذا ما تم قبولهْ"!!!  لا يبدو الرجل متشددا في الموضوع، وإنما يَكفيهِ أنْ يخضعَ للمساطر الإجرائية!!!! لكن، ولله الحمد، هناك قوى إفريقية أصيلة (سوداء وبيضاءْ على السواءْ) ترفضُ أخوةَ الكيان العنصري الظالم الذي كان من أهم حلفاءِ نظام (لبرتايد) في جنوب إفريقيا، وساعدَ َفي تصفيةِ عددٍ من زعماء التحرر في إفريقيا.

 

إنَّ اختزال قرارِ طرد الوفد الصهيوني في موقفٍ شخصي لولد عبد العزيز شبيهٌ بنسبةِ اتفاقِ وقفِ إطلاق النار في شمال مالي إلى جهودهْ، وهو الذي اجتمعَ بالفصائل الأزوادية لأقلَ من ساعتين، ثمَّ أُعلنَ وقف إطلاق النار!!!!

 

بيد أنَّ قمة مالابو تناولتَ مواضيع أخرى لا تقلُ أهمية عن الجدل حول طرد الوفد الإسرائيلي. فقد أقرَّت القمة قانون محكمة الجنايات الإفريقية التي يريدُ لها القادة الأفارقة أنَّ تكون بديلا قاريا لمحكمة الجنايات الدولية التي اقتصرت ملاحقاتها إلى الآن على القادة الأفارقة من عمر البشير في السودان، إلى أهيرو كينياتا في كينيا.

 

والحقيقة أنَّ الموقفَ الإفريقي من المحكمة على قدرٍ من الوجاهة، فكيفُ يُعقلُ أنْ يُتابع البشير بتهمة ''المسؤولية السياسية عن مآسي دارفور'' وكنياتا ومساعدُهُ بتهمة الضلوع في المجازر التي أعقبت رئاسيات 2007، في حين لا تبتُ المحكمة في جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، ولا في جرائم جورج بوش وتوني بلير في العراق وأفغانستان، وجرائم حكام ميانمار في حق أقلية الروهينغيا.

 

لكنَّ هذه الفظاعات ''المُغْـــفلة'' لا تُبرر إفلاتَ القادة الأفارقة الضالعين في جرائم إبادة وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية. ومن هنا استبشرَ كثيرونَ خيرا بالمحكمة الإفريقية لما تُتيحهُ من إمكاناتِ التوفيق بين إلحاقِ العقاب بالمجرمين وصونِ السيادة الوطنية لدول القارة الإفريقية المسكونةِ تقليديا بعقدةِ الدونية نتيجةِ مواريث قرون الاستعمار الطويلة.

 

جاءت قمة مالابو، لتؤكدَ ترسخ السلوكِ الاستبدادي لدى قادة القارة، فالمادة السادسة والأربعون من قانون المحكمة تنصُ على تمتع رؤساء الدول والحكومات وحتى ''المسؤولين السامين في الدولة'' بحصانةٍ تامة من أيَّ متابعة قضائية حتى في حالة الضلوع في جرائم حرب أو إبادة عرقية أو جرائم ضد الإنسانية!!!!

 

لا تُحدد النصوص المنشِئة للمحكمة الإفريقية أيَّ علاقة – تكاملية أو تضادْ – بين المحكمة الإفريقية ومحكمة الجنايات الدولية. باختصارْ أُريد للمحكمة أنْ تكون آليةَ قانونية تقطعُ الطريق على المحكمة الدولية مع ضمانِ نجاةِ القادة الأفارقة من أيَ نوعٍ من أنواع العقابْ.

 

للقادة الأفارقة سوابقُ كثيرة في الاستبداد، لكنَّ أحقها بالعرض هنا – فيما يبدو لي – هي قرارهم الشهير بتجريم الانقلابات العسكرية قبل سنواتْ، مع العلم أنَّهم – بلا استثناء تقريبا – جاؤوا بانقلاباتْ عسكرية أو ورثوا الحكم من انقلابيينْ!!!!

 

كان هدفُ ذالك القرار حماية الأنظمة القائمة، وهنا يحضرني – من باب ذكر الشيء بالشيء – اتفاقُ أحزاب المعاهدة مع نظام ولد عبد العزيز على تجريم الانقلابات العسكرية، وهو الذي نفَّذ انقلابين عسكريين وثالث انتخابي في أعوام 2005، 2007، و 2008!!!!

 

و قرارُ قمة مالابو يُفسر أيضا الحضورَ المتوثبْ للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فهو أحدثُ الانقلابيين عهدا، وقمة مالابو بالنسبةِ له هي قمة ''التعميد'' من رجس الانقلاباتْ، ففي أفريقيا تسقطُ جريمةُ الانقلاب بأحد عاميلن: التقادم، أو الانتخابات. وقد نَظم السيسي انتخاباتٍ أجمعَ العالم كلهُ على زيفها، ومُدَّدت بيومٍ ثالثْ، ومع ذلك فقد تطهرَ من رجس الانقلابات.

 

والسيسي كذلك يُواجهُ ميراثَ عامٍ من الدمْ سقطَ فيه نحو 3 آلافِ قتيل، وسُجِنَ نحو 50 ألفْ، وبالتالي فهو أشدُّ أضرابهِ بشرى بالمحكمة الإفريقية، وذلك ما عكستهُ بـصدق كلمتُه الطويلة المترعة بالأخطاءِ النحوية والصرفية إلى حدٍ دفعَ الرئيس التونسي إلى التمادي في إظهارِ بخسها حق الإنصات.

 

إنَّ قمة مالابو ومقرراتها ''الإجرامية'' الممجدة للجريمة، وإشادةَ السيسي بقيادةِ ولد عبد العزيز للإتحاد الإفريقي، والحديث عن حضورِ الأول تنصيب الثاني مطلع الشهر المقبل، كلَّها معطياتٌ تعيننا على فهم المعسكر الحقيقي لولد عبد العزيز، رغم محاولات شيعتهْ إقناعنا بأنهُ قائد ديمقراطي انقلبَ من أجلِ الديمقراطية وفرضَ رئيسا باسم الديمقراطية، ثم انقلبَ عليهِ من أجلِ الديمقراطية!!!

 

الأحدث