جدول المحتويات
كانت إحداهن في غاية العصبية و التوتر و كان الأخريات يتضاحكن و يمازحنها و يقلن لها بأن قصة اللحم لا تستحق كل هذا الغضب..
تحرك في الفضول و سألت عن القصة، فتلفتت الى خالتي قائلة :
منذ أشهر اكتشفت أن اللحم الذي أشتريه و أوزعه على أيام الشهر يختفي في أقل من أسبوعين و داخلني الشك في أن طباختي تقوم بسرقته فقمت بطردها من العمل.
اليوم و بالصدفة قبضت على ابني الصغير و هو يخبئ تحت ثيابه كيسا مجمدا من اللحم …
أمسكته و سألته عن حاجته بالكيس، أخذ يسرد لي أكاذيب غير مقنعة فضربته ضربا مبرحا ليعترف.
مسح الطفل دموعه و بدأ في سرد الحقيقة و شرح أن معلم القرآن يفرضه على أن يسرق له كيسا من اللحم بين الفترة و الأخرى مهددا إياه بالضرب و إجباره على مضاعفة حصته من حفظ القرآن.
استرسلت الخالة :
ما يؤلمني ليس اللحم ….. بل ظلمي العاملة المسكينة و كيف أدفع مالي لرجل كبير في السن و ابن أسرة محترمة من قبائل الزوايا ليعلم ابني كتاب الله فإذا به يدربه على فنون اللصوصية و الأدهى و الأمر أن ابنتي جائتني من أيام باكية تريد مني أن أتدخل عند معلمها في المدرسة ليرجع لها الفي أوقية استلفها منها في بداية السنة على أن يعيدها في أسبوع و أخذ في مماطلتها لأشهر عديدة.
رجل العمل الخيري و العلامة :
كان لي أحد المعارف يعمل في المجال الخيري و طبعا كمعظم المتخصصين في هذا المجال كان يستحوذ على معظم ما يحصل عليه و ينفقها في رفاهيته و فخيم الملابس و العطور.
شاء الله أن يصاب ابنه بمرض عضال فداخله الخوف من أن يكون السبب راجعا الى استحواذه على اموال الفقراء و المساكين و كفالات الأيتام فقرر أن يتوجه الى أحد العلماء ليستفتيه.
طبعا وقع اختياره على أكبر فقهاء البلاط و أكثرهم شهرة و توجه إليه في منزله و روى له القصة كاملة.
سأله العلامة عن مقدار ما يختلسه من أموال العمل الخيري، فقال له حوالي السبعين في المائة.
و ضع العلامة يده على كتفه و قال :
لا إثم عليك و اطمأن فما تقوم به حلال لا شبهة فيه و حاول أن لا يتجاوز ما تستحوذ عليه التسعين في المائة و أخذ يبرر له فتواه بفزلكات فقهية مدعمة بالكثير من أقوال السلف الصالح و الحديث و القرآن.
التاجر:
منذ سنوات وقعت في ضائقة مالية و احتجت لأن أبيع سيارتي فاتصلت بأحد المعارف و دلني على تاجر في السوق المركزي .
سارعت بالتوجه له و جدته رجلا اربعينيا طويل اللحية و على جبهته آثار السجود و يلبس ثيابا قصيرة، توجه معي الى السيارة وعاينها بدقة و أخذ يجادلني لأكثر من ساعة لنتفق بعدها على سعر أقل بكثير من فيمتها و قال لي ان اعود في الغد لنتم البيعة.
قلت له إنني أريد أن يتم الصفقة لأنني أحتاج المبلغ فورا.
رجع لمحله و جاءني حاملا كيسا من النقود و ركبنا في السيارة متجهين الى موثق العقود، في الطريق سألني عن سبب استعجالي على بيع السيارة.
شرحت له السبب الطارئ و مدى فداحة المشكلة التي اضطرتني للبيع بهذا السعر.
عند موثق العقود التفت الي و قال انه لن يدفع الا نصف المبلغ الذي اتفقنا عليه.
استشطت غضبا بعد معرفتي لمحاولته ابتزازي بعد أن عرف مدى حاجتي المستعجلة و أخذت أسبه و أشتمه فأخرج مسبحته و أخذ يستغفر بصوت مرتفع و يبتسم.
رفع السعر قليلا و قال إنه آخر ما يستطيع دفعه فدلفت خارجا و توجهت للسيارة…
تبعني و أمسك بثيابي و عرض علي السعر الأول الذي اتفقنا عليه فرفضت و قلت له إنه إذا دفع لي مال الدنيا فإنني لست مستعدا للتعامل معه .
أخذ ينصحني بالوضوء لإزالة الغضب ويروي لي حديثا نبويا لم اعد أتذكره.
في النهاية ترجاني ان أرجعه للسوق فرفضت فطلبني مئتي أوقية لأخذ سيارة و أخذ يحلف بالأيمان المغلظة أنه لا يحمل اجرة الطريق فذكرته بالكيس الممتلئ بالنقود في يده اليمنى و انطلقت.
****
هذه مجرد قطرة من بحر الانحطاط القيمي و الاخلاقي الذي عايشته مع معلم قرآن و معلم مدرسة متخصص في العمل الخيري و رجل دين و تاجر … لن أحدثكم عن الصحافة و الشباب و السياسيين .
لا شك أن هذه الارضية هي ما سمحت لرئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية بأن يقف و يقول في مدينة النعمة في مهرجان حملته بدون خجل و لا مورابة:
انا أسرق و أرتشي و لكنني بنيت موريتانيا.
صدق رسول الله:
كما تكونوا يؤمر عليكم