تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

في مقاله البديع "نصيحة من القلب" للكاتب والمناضل الفاضل؛ عبد الرحمن ولد ودادي دق الرجل جرس خطر يهدد كيان المجتمع الموريتاني الصحراوي الذي كان إلى الأمد القريب يؤثر التقشف وعزة النفس على الترف والمعرة، النصيحة التي تقدم بها مخاطب ودادي بسيطة في ظاهرها خطيرة في مدلولها وآثارها، مفادها؛ أن تخلص من كل قيم دينك وأخلاقك ومروءتك وستصبح ثريا يشار له بالأصابع في مرابع القبيلة، وفي صالونات المدينة، طبعا النصيحة لم تجد أذنا صاغية لدى رجل مثل وادادي يعض بالنواجذ على بقية أخلاق وشيء من التقوى.

 

لكن الظاهرة من حيث هي، وكما رصد الكاتب نماذج منها منتشرة انتشار النفاق والتزلف في مجتمع ينشر البُسُط الحُمُر لكبار السارقين، ويضرب في السوق من يأخذ عدة أواق يسد بها رمقه في عالم لا يرحم الضعفاء، كانت سنوات ولد الطائع طويلة الأمد وعديمة الفائدة، والممتدة آثارها حتى يوم الناس هذا وبالا على المجتمع الموريتاني وقيمه بكل المقاييس؛ فقد بدلت القيم، وغيرت المفاهيم، وجعلت الحسن سيئا، والسيء حسنا، ففي مدرسة ولد الطائع التي يعتبر الطاقم الحاكم  الآن امتدادا أخلاق عجيبة، وقيم غريبة، لم تنل حظها من الدراسة والتشريح ثم المقاومة والتصدي!!

 

كلية الفساد الجامعية!!!

استقلت الدولة الموريتانية وهي تحمل على عاتقها عبئا كبيرا من  الأخلاق الإسلامية، والقيم الفاضلة؛  أخلاق نبيلة نبتت في الصحراء وغذتها آي الذكر الحيكم، وسقيت بالهدي النبوي، وشُذِّبت بالتصوف المستنير الزاهد، وشعشعت بآداب الحماسة وأشعارها، ومواقف الصعاليك وعزة أنفسهم، فكان الموريتاني بفطرته كريم النفس، سخي اليد، يخاف الله ويقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويراعي تنبيهات الزهاد وتحذيرهم من الانغماس في مفاتن الدنيا وزخرفها، حافظا لقوافي عنترة وأضرابه، واستمرت الدولة الحديثة والمجتمع المتقلب على ذلك الحال؛ فكان الجيل الأول – وإن تفرنس بعضه – بعيدا كل البعد عن المال العام، بل ضاربا أروع الأمثلة في الورع المالي نظيف اليد، زاهدا في مال الغير، ضاربا بينه وبين مال الله وعباده حجبا من النار يخاف الوقوع فيها، لكن نهاية الثمانينات وبداية التسعينات طرأ للنظام العسكري حينها أن يطيل أمد حكمه، وأن يعيش حياة ملوك الإقطاع، فزينت له نفسه سبل الترف، وأغراه شيطانه بالوقوع في شجرة أخلاق المجتمع ليسهل التمكن، ففتح البلاد لشبكات التهريب، وقرب المفسدين، و"فتح لهم باب التسجيل وأشرف عليهم حتى تخرجوا وهم يحملون أعلى الشهادات في الفساد والسرقة"، فكان الناشئ من حاشيته ينشأ على ما عوده ولد الطائع من القيم التي من مبادئها؛ "أن من ولي شيئا ذاقه"، كان الأمر في بدايته معرة يعير بها من ابتلاه الله بشيء من الوقوع في هذا الخبث، لكن آلة النظام الدعائية ولوبيا الفساد المحيطة به بدأت في تهوين الأمر، واشتغلت فتاوى تحت الطلب، ورجال فقه الدولة يبسطون الأمر، بل ويشاركون في النهب الممنهج، ويحطمون الهوة بين حرمة المال العام ومن يتهيبه من ذوي الفطر السليمة؛ فبدأ العد العكسي لقلب الموازين، فكان من العجب أن يعير الرجل الذي لا يسرق "بالنفشة وضعف الشخصية"، بل أثر عن عميد الفساد ولد الطائع مرة أنه استغرب من فقر رجل ولاَّه وزارة أو إدارة ولم يبد على المسكين تحسن حال، ثم إن ولد الطائع  أتاح لخريجي مدرسته أن يتصدروا المشاهد، وأن يرزق الناس من تحت أيديهم النجسة، فكان نهجا عاما تبنته الدولة في مجتمع مولع قادته بتقليد الحاكم ومباركة هرطقاته، وقد تجذر هذا الأمر وانتشر حتى صار وزراء ذلك العهد ومديروه مفسدين نهبة بالضرورة، وقد بدت مظاهر ذلك في "بنيهم وزوجاتهم ومراعيهم" وحاشية حاشيتهم، وكان الأمر في عَقده الأول مقتصرا على رجالات الدولة وبعض مقربيهم،لكن بما أن مجتمعنا قبلي تنافسي فمن الطبيعي أن يتسرب هذا الأمر إلى عامة المجتمع، وأن يسقط الحاجز الذي كان يعترض من تسول له نفسه الوقوع في مال غيره؛ فرأس الدولة يشجع النهب، وكبار وزرائه "أسرق من زبابة"  ومن "شظاظ" و"برجان" ومن "تاجة" مجتمعين، والمشرفون على حزبه أخف يدا من "فراشة"،  المجتمع المتقلب بدوره لم يقصر في هذا المنوال، فشاعت أخلاق منكرة من السطو المقنع، ومن استباحة مال الغير، حتى جاءت ثقافة "شبيكو" وأخواتها، وقد انتشر السطو حتى هدم "سور الصين العظيم"، وأغار على أموال "الأعراب" ونهب أموال "الروم" على بخلهم، ولم يترك الأفارقة على "فقرهم" وأبسط ما يقال عن هذا الأمر إنه مخجل للأمم، ومدمر للقيم، ومثبط للهمم!!

 

وأفظع ما يكون هذا الخلق الشره زمن مواسم الانتخابات أو النخاسات على الأصح، فأسفي على وقار الشيوخ وبراءة الشباب حين يساقون إلى رأس كبير يأخذ مقابلهم مبالغ ضخمة من قوت الفقراء ليدمر بها وطنا أو يذل حرا، فإذا أردت أن تعرف قيمة شعب فانظر كيف يفعل فيه المال؛ "فإنما  _ تكشف أحوال الرجال الدراهم".!

 

الحل!!

وبما أن هذا زمن المبادرات والصياح والكلام عن المحال، فإن لدي مبادرة لتفادي هذا الوضع الخلقي الكارثي الذي لم يوله الوعاظ والمصلحون جانبا من وعظهم وإرشادهم رغم خطورته وانتشاره، المبادرة قد تكون غريبة لكنها سهلة لأنها متعلقة بالرحيل، ونحن شعب بدوي مولع بانتجاع المراعي، والرحيلُ الإيجابي ليس غريبا علينا، فهذا العلامة المختار ولد بونه أحد مجددي العلم في بلادنا كان مولعا بالرحيل لا يقيم في مكان ينشد لسان حاله مع أبي الطيب:

 

على قلق كأن الريح تحتي *** أوجهها يمينا أو شمالا

 

وأول قصيدة حرة في بلد الشعراء عنوانها "السفين" وموضوعها "الرحيل"، وعلى هذا فسيكون الرحيل للبحث عن خلق حميد أضاعته الأحكام العسكرية مريحا ورائعا بل يتسق وخلفياتنا الاجتماعية، وقد قال عالم الاجتماع العراقي علي الوردي:""إن الإنسان يشعر بالراحة حين يوفق بين رغباته المكبوتة وقيمه الاجتماعية" الأحلام بين العلم والعقيدة، ص: 114.

 

لكن لما ذا جرجان؟

كان أحد أساتذة النبل والأخلاق الحميدة في بلدي يتمنى أن يُكتب بخط جميل على لافتة تعرض على الشوارع الكبيرة وملتقيات الطرق أبيات لشاعر وقاض جرجاني نبيل اسمه؛ علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني، هذا القاضي كان آية في النبل وعزة النفس، وهو صاحب القصيدة المميمية المشهورة التي يتغنى بها الأباة، وقصيدتاه؛ الميمية والرائية يجب مُروءةً على كل نبيل وشهم أن يحفظهما ويتمثلهما،  وهما في غاية الروعة والحسن، وقد علق على شعر هذا القاضي؛ الدكاترة زكي مبارك في كتابه الذي يزعم أن الجن كتبته "النثر الفني" بقوله"فقد ترك لنا في شعره صورة لنفسه الأبية العزيزة، التي حرمت عليه طيبات الحياة: إيثارا للعزة والأنفة والكرامة، وصونا للعرض من الدنس، وإبعادا للمروءة عن مواطن الابتذال" النثر الفني؛ ج: 2/ 10. لكن الذي فات زكي مبارك – على موسوعيته وعمقه – في تحليله لشخصية القاضي وأدبه هو دور البيئات في تكوين شخصيات الأفراد، فالقارئ لتاريخ جرجان وطبيعتها يدرك بسهولة كيف أخرجت مثل هذا الإمام المعتز بقيمه، البخيل بعرضه، فقد تواتر  في كتب البلدان أنه أهلها ذوو مروءة، كما في المسالك والممالك "وأهلها أحسن وقارا وأكثر مروءة ويسارا من كبرائهم" المسالك والممالك: 212. وفي نزهة المشتاق: "وفي أهلها مروءة ظاهرة وفيهم علماء وطلاب للأدب" نزهة المشتاق؛ 2/688. وأكده ياقوت في معجم البلدان "وأهلها يأخذون أنفسهم بالتأني والأخلاق المحمودة قال: وقد خرج منها رجال كثيرون موصوفون بالستر والسخاء، منهم: البرمكي صاحب المأمون" معجم البلدان ج: 2/120. وأحر ببلد أخرج برمكيا أن يكون ذا مروءة، ولا غرابة أن تكون جرجان مدينة ماجدة فـ"إن أول من أحدث بناءها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة" معجم البلدان ج: 2/119.  فكأنها عاشت عمرها بأخلاق آل المهلب أو كأن آل المهلب نفثوا فيها من روعهم فكانت مأوى الفضلاء والنبلاء، وقد لخص صاحب "حدود العالم من المشرق إلى المغرب"  طبيعتها وما فيها من المزايا وأشكال أهلها حتى يكون الراحلون إليها على بينة من أمرهم فقال: "جرجان؛ بلاد كبيرة ذات سواد نزه وزروع وفواكه ونعم واسعة، وهي الحد بين بلاد الديلم وخراسان. أهلها ضخام الرءوس مقاتلون عفيفون ذوو مروءة مكرمون للضيف" حدود العالم من المشرق إلى المغرب: 153.

 

قد يكون النقد قاسيا والحل أقسى لكن سيلنا تجاوز الزبى، فلنرحل تداركا لأخلاقنا "كما كان آباؤنا يرحلون".

 

نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية

الأحدث