تخطى الى المحتوى

أين الدركي سيدي ولد يطن؟ (10 الأخيرة)

جدول المحتويات

 

القاضي برر الحكم ـ حكم البراءة ـ الذي حكم به على المتهمين في الملف رقم: 769 – 07 بأن القضاة الذين شاركوه الجلسة كانوا فاعلين في اتخاذ القرار، بل إن الوثيقة الأبرز كانت بخط يد واحد من الذين تم الاستشهاد بهم علي قرار فصله، واتهم النيابة والقاضي المكلف بالتحقيق بإضاعة فرصة الحصول على أدلة مقنعة وبطريقة مقبولة.

 

وعلى ضوء هذه التصريحات الخطيرة لم تحرك السلطات قضائية كانت أم تنفيذية ساكنا، رغم أنه كان يفترض أن يتم استدعاء القاضي وفتح الملف مرة أخرى، مع تعميق البحث والتحقيق حتى يتوصل على الأقل إلى تلك الشخصية الكبيرة في هرم السلطة القضائية التي قامت بعرض رشوة على ولد النيني المفصول.

 

وإن كان من ما لا شك فيه أن تصريحات القاضي تلك قد فتحت الباب واسعا أمام مجموعة تساؤلات جديدة متعلقة أساسا بحقيقة ما يدور داخل أروقة القضاء الموريتاني، فإن اعترافاته كانت ذات دلالة وتأثير كبيرين، خاصة حين عبر بقوله "إذا كان ولد عبد العزيز يسعى للدفاع عن شرفه بعد أن اتهمه النائب الفرنسي نويل مامير برعاية تجارة المخدرات، فأنا أيضا لدي شرف لأدافع عنه".

 

جميعنا يعرف أن القضاء الموريتاني ليس مستقلا البتة، كما تنقصه الخبرة، والمهنية اللازمة التي تخوله الاضطلاع بمهامه النبيلة على أحسن وجه، والكارثة أنه لا يتمتع بالنزاهة، وهو ما أكدته تصريحات صديقنا ولد النيني على الأقل من باب شهد شاهد.

 

جميعنا نتذكر زميله الذي أقيل هو الأخر بشكل مهين من رئاسة المحكمة العليا، السيد ولد الغيلاني. نتذكر عامه الأسود المعروف بسنة الحبس التحكمي ـ 2009 ـ ، الذي نتذكر سجنه لأربعة من خيرة الأساتذة والأطباء في موريتانيا لأنهم وقفوا في وجه ابن عمه الذي حاول دهسهم بسيارته ـ ربما لم يكن يعي جيدا ما يدور حوله يومها ـ عميد كلية الطب السابق والحالي وربما الدائم، سيد أحمد ولد مكية 2009 قرب مقر الكلية بنواكشوط.

 

نتذكر ملفات: سونيمكس، وأحمد ولد خطري، والخطوط الجوية، وموريتانيا ايرويز، والأرز الفاسد، وهيئة ختو، وملف وود سايد، وملفات الاحتيال، والقتل، والسرقة والاغتصاب، وغيرها من الملفات التي لم يبت فيها القضاء على النحو السليم أو العادل. جميعنا نعرف بعضا من قصص المئات بل الآلاف من البؤساء والفقراء الذي حول القضاء الموريتاني حياتهم إلى جحيم بسبب سجنهم سنوات وسنوات على خلفية معزاة أو هاتف نقال أو دراعة من ـ بزاه ـ استنادا إلى محاضر الشرطة، وجميعنا نعرف ما يحدث في مخافر الشرطة.

 

ليس هنالك وصف دقيق يمكن أن يوصف به القضاء الموريتاني أكثر بلاغة من قول "إنا لله وإنا إليه راجعون" وينتهي الأمر.

 

مامير يتراجع…

 

حين كان النائب الفرنسي نويل مامير يستعد لمعركته القضائية مع الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز خلال الأشهر الأولى من سنة 2013، عرضت علي ـ شخصية سياسية موريتانية ـ في العاصمة الفرنسية باريس أن التقي به من أجل دعمه، والشهادة لصالحه إن أقتضى الأمر أمام القضاء الفرنسي، لكنني رفضت، ليس حبا في ولد عبد العزيز أو توددا له، بل يقينا أن حقيقة ذلك الاتهام ليست كما نرى ونسمع.

 

كنت أضع الاحتمالات ـ ولست وحدي ـ بأن النائب مامير قد يكون هو نفسه مجرد أداة ووسيلة غير رسمية يمكن من خلالها توجيه رسائل محددة، حسب ما تمليه الظروف.

 

هذا فضلا عن أن عددا من المهتمين الذين قابلتهم كانوا يجزمون بأن النائب الموقر سيتراجع عن تصريحاته ويعتذر للرئيس محمد ولد عبد العزيز لعدة أسباب لعل من أهمها أن الرسالة قد وصلت. كما أنه ليس من مصلحة دولة فرنسا أن يكون نظاما قائما في بلد إفريقي يقع ضمن دائرة نفوذها وتأثيرها، متهم بتلك التهم الشنيعة والخطيرة، ومن طرف شخصية فرنسية داخل فرنسا محسوبة ضمن التحالف السياسي الحاكم حاليا في باريس.

 

بالنسبة لي ليس بريئا أن تتغاضى فرنسا وماميرها عن الورطة الكبيرة التي تسبب لها فيها الرئيس التشادي إدريس ديبي في إفريقيا الوسطى، عبر دعمه المعلن لحركات التمرد التي أسقطت نظام فرانسوا بوزيزي يوم 24 مارس ـ بعد أقل من 3 أشهر من بدئ عملية سيرفال ـ، وأدخلت البلاد في دوامة من القتل والعنف العرقي والطائفي، بينما يتم توجيه أصابع الاتهام إلى نظام الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز برعاية تجارة وتهريب المخدرات.

 

والفرق هو أن الأول أرسل ابنه على رأس نخبة القوات التشادية، لمطاردة عناصر الحركات الجهادية في شمال مالي ضمن تحالف دولي تقوده فرنسا، والثاني رفض إدخال قواته في تلك الحرب الخطيرة والمدمرة والتي لا تزال انعكاساتها قائمة.

 

إنه تحليل ـ قد يكون غير صائب ـ سيعيدنا إلى مربع التساؤل الأول، لماذا تراجع نويل مامير عن اتهامه ذاك؟ وما الذي قدمه الرئيس ولد عبد العزيز لسادة الأليزيه مقابل إنهاء الملف؟ ولماذا تتالت رسائل النائب الفرنسي ورسله المعتذرة أسابيع قليلة قبل انطلاقة الحملة الانتخابية في موريتانيا؟.

 

أين الدركي سيدي ولد يطن..؟

 

ليس الهدف من نشر هذه السلسة من التحقيقات النيل من أي كان، أو توجيه أصابع الاتهام لأية شخصية أمنية أو اقتصادية أو سياسية مهما كان مركزها أو تمركزها داخل البلاد أو خارجها. وكما ذكرت في الحلقة السابقة، فأنا جد مهتم ومنذ العام 2007 بالبحث في القضايا المتعلقة بتهريب المخدرات ذات الأثر البالغ، وأتابع منذ كل تلك السنين الملفات التي أثيرت أمام القضاء الموريتاني، والاتهامات التي وجهت لبعض الشخصيات بغض النظر عن تورطها من عدمه، في هكذا أعمال غير شرعية.

 

وقد كان التساؤل الذي بدأنا به هذه السلسة بسيطا للغاية.. أين الدركي سيدي ولد يطن؟، بينما كانت الأجوبة التي تصلنا عبر طرق جد معقدة، تدور كلها حول ثلاث فرضيات صعب إيجاد رابع لها، وجميعها مرتبطة بطريقة أو أخرى بأعمال غير قانونية وليس بالضرورة تهريب المخدرات؟

 

وكان أول هذه الاحتمالات رغم كونه منطقيا إلا أنه مليء بالثغرات ـ القانونية خاصة ـ هو أن ولد يطن موجود في إحدى المقرات الأمنية التابعة لسلك الدرك الوطني، ويخضع لتحقيق جنائي بعد اكتشاف مبالغ مالية معتبرة في حسابه البنكي.

 

غير أن حجة الداعمين لهذا الاحتمال تبقى ضعيفة جدا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنه في مثل هذه الحالات يجب اتباع المساطر والإجراءات القانونية ـ والدرك الوطني أكثر قطاع ملم بها في منظومتنا الأمنية ـ، بينما الدركي نسق رابع اختفى هكذا فجأة ودون سابق إنذار حسب ما أعلنت عنه قيادة أركان الدرك نفسها لأسرته.

 

احتمال آخر يقول إن ولد يطن كان متورطا في بعض الأعمال غير الشرعية، وإنه غادر البلاد خوفا من اكتشاف أمره، ولكن كيف لا يتصل بأسرته على الأقل ليطمئنها على حاله. هذا في حال ـ طبعا ـ لم تكن الأسرة متواطئة معه على إخراج هذه المسرحية الهزيلة وغير المقنعة…؟.

 

أما الاحتمال الأخير والذي يؤسفني كثيرا أن أكشف عنه فهو أنه ربما يكون قد شاهد في تلك الليلة المشؤومة ما جعل ـ جهة ما ـ تتخذا قرارا مستعجلا بإرساله فورا، لقمة طازجة إلى سمك القرش في قاع المحيط.

 

إن قطاع الدرك الوطني هو أكثر القطاعات الأمنية في البلاد وبشهادة الجميع، انضباطا ومسؤولية، وكذلك من أكثرها دقة ومهنية ونجاعة في العمل، فكيف يقف عاجزا بكل ما يملك من تجهيزات وخبرة، وقوة عن فك لغز اختفاء أحد عناصره..؟

 

سيدي ولد يطن اختفى في الرابع عشر من يناير 2014، أي بعد أسبوعين فقط من إقالة الجنرال انجاغا جنغ، وتعيين جنرال لا يتمتع بشخصية قوية هو سلطان ولد أحمد لسواد خلفا له. انجاغا جنغ الذي قال صديقنا أريك والتير إنه كان يقيم في شققه بتفرغ زينة 2007، أقيل بعد أربعة أعوام ونصف قضاها قائدا لأركان الدرك الوطني، فهل أراد أن يأخذ ملفاته الخاصة معه ويمحو جميع الآثار…؟.

 

سيدي ولد يطن اختفى بعد حوالي أربعة أشهر ونصف من تعيين ضابط شاب لا يتمتع بخبرة كبيرة، كان قد استجلب على عجل من فرنسا في 23 غشت 2013، على أهم نسق دركي في البلاد، وهو الممتد من مدينة التهريب الرئيسية انواذيبو شمالا إلى نظيرتها في الجنوب روصو، مرورا بالعاصمة نواكشوط ومينائها حيث اختفى ولد يطن.

 

إن قضية هذا الدركي الغامضة لا بد أن تجد حلا غير التعاطف والوعود البراقة، إن وعود الرئيس ولد عبد العزيز لأسرته التي تظاهرت أمام الرئاسة مطالبة بالكشف عن مصيره يوم الأحد 2 مارس 2014 يجب أن تترجم إلى واقع ملموس، كما يجب على السلطات أن تبادر بفتح تحقيق جاد للوقوف على خفايا اختفائه المريب ذاك.

 

إن ولد عبد العزيز الذي يسعى هذه الأيام لكسب ثقة الموريتانيين مرة أخرى، هو في نفس الوقت القائد الأعلى للقوات المسلحة الموريتانية، وليس للقائد أن يتعاطف مع قضية جندي تحت إمرته بقدر ما يتوجب عليه أخلاقيا وحتى قانونيا أن يبحث ويبحث .. ويبحث حتى يتبين الخيط الأسود من الأبيض.

 

موريتانيا.. عقد من التأزم.. 2003 ـ 2013.. صديقنا عزيز

 

وفي الأخير لا يسعني و أنا أختم الحلقة الأخيرة من سلسلة تحقيقات أردت أن تطول وأن يتعمق فيها البحث حول مجمل القضايا التي تشغل بال المواطن، وحتى تصل المعلومة الصحيحة أو ما يقاربها إلى الرأي العام ـ وله كامل الحق في ذلك ـ إلا أن أعبر عن خالص شكري وامتناني لكل من أخذت من وقته نصيبا حتى يطالعها ويهتم بالنزر القليل الذي احتوته من تحليلات وأخبار ومعلومات متنوعة على علاتها.

 

والشكر كامل الشكر كذلك لذلك الطاقم الشبابي المتميز في صحيفة وموقع الأخبار إنفو، الذي قبل بنشر هذه السلسة بشكل أسبوعي، بينما قررت صحف ومواقع أخرى ـ كانت لها منازل في الساحة الإعلامية الوطنية ـ الاعتذار والتراجع.

 

ليس موضوع المخدرات وتهريبها عبر موريتانيا، هو الوحيد الذي أثار اهتمام الرأي العام الوطني خلال العقد الأخير، من 2003 إلى 2013.

 

بل هي عشر سنين كانت مليئة بالآمال والأحلام والآلام، ترجمتها أحداث كثيرة، كبيرة ومثيرة، تستحق منا دون شك التوقف للدراسة والبحث والتوثيق، لعل وعسى أن تكون فيها فائدة أو إفادة لجيل في أمس الحاجة إلى أن يأخذ ما يحتاجه من دروس وعبر، وهو في خضم صراع دائم ومتصاعد من أجل البقاء.

 

عشر سنوات من عدم الاستقرار المصحوب بالتغيرات الجذرية التي بدأت تطرأ على المجتمع والدولة، والتحولات العميقة التي باتت تهدد كيان وحدته وتماسه، وكل ذلك في مناخ من الفراغ تقف النخب عاجزة عن مجاراته أو السير حتى بمحاذاته إلى بر الأمان. بدأت بنهاية السنين الطائعية، والانقلابات الفاشلة والناجحة التي وضعت حدا نهائيا لحكم دام 21 سنة.

 

أحداث وأحداث بدأت بصراع ولد الطايع مع الإسلاميين مطلع الألفية، ومحاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها ضباط صغار في المؤسسة العسكرية، ومقتل العقيد محمد الأمين ولد انجيان، تلتها محاولة أخرى فاشلة تم القبض على أبرز قادتها، ليحال قادة الاثنتين إلى محاكمة واد الناقة الشهيرة.

 

ثم جاءت الواقعة في لمغيطي شمال البلاد، التي مهدت بدورها لحركة الثالث من أغشت 2005، ويعيش البلد حالة من التوافق والتصالح مع الذات لم يسبق لها مثيل. قبل أن يغتال الحلم الديمقراطي بجلب الرئيس المؤتمن.

 

ولم يدم التآخي طويلا إذ سرعان ما أراد "المؤتمن" أن يكون شيئا فقال له جالبوه توقف، في حركة أريد لها أن تكون تصحيحية صبيحة السادس من أغشت 2008، بينما فتحت الباب على سنة من الأزمة، لولا العناية الفرنسية واتفاق دكار لكانت البلاد في وضع أخر الآن.

 

وجاء العزيز بحروبه الثلاث.. الحرب على الفساد… على الإرهاب.. على الفقر.

 

خمس سنوات من حكم صديقنا عزيز.. فمن هو هذا الجنرال؟ كيف يحكم؟ وكيف لا يزال يسيطر بعد غانا غيت وصفقات المطار والصيد والمعادن والطيران.. إلخ؟ ومن هم أبرز رجاله العسكريين والمدنيين؟ كيف أصيب برصاصة غامضة في 13 من أكتوبر 2013؟ وكيف تتعامل فرنسا معه؟ كيف هي علاقته مع الدول المجاورة؟ ومن هو زائر القصر؟ والمستبدة ؟ وكيف يدير لعبة الإعلام؟ وصراع المصالح؟ .

 

كيف يتعامل مع ملفات الأمن والاقتصاد، الإرهاب، العبودية، القبيلة، الدولة والمجتمع؟.

 

وإلى لقاء أخر أستودعكم، وتقبلوا مني سادتي فائق التقدير والاحترام.

 

نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية

الأحدث