تخطى الى المحتوى

أوجه الشبه بين انتخابات 1997م و2014

جدول المحتويات

 

جرت انتخابات 1997م الرئاسية في ظل مناخ سياسي متأزم، بفعل استمرار تداعيات أزمة انتخابات يناير1992م الرئاسية، التي شابها تزوير واسع جعل المعارضة تعلن رفض الاعتراف بنتائجها، ثم أشفعت ذلك بموقف مقاطع للانتخابات البرلمانية مارس 1992م، وهو الموقف الذي كان من نتائجه السلبية ملئ القوى التقليدية ورجال الأعمال والنخب الوصولية للفراغ السياسي الذي أحدثه غياب القوى السياسية الجادة عن المؤسسات السياسية والدستورية الناشئة.

 

لم يبذل الرئيس معاوية عن سبق إصرار أي جهد من أجل إيجاد حل للأزمة السياسية المستمرة منذ انتخابه في العام 1992م.

 

وفي ظل  ميزان قوة تمثل في استعادة التوازن في علاقاته الخارجية (عودة الدفء للعلاقات مع فرنسا، بداية مغازلة أمريكا عبر البوابة الصهيونية)، والتفاف واسع للقوى والنخب المرتبطة بجهاز الدولة وما يتيحه من مصالح وامتيازات، مضى الرئيس معاوية عام 1997م إلى انتخابات رئاسية أحادية هزلية، فاز فيها بنسبة 73% وسط شعور عام بالزهو والاستخفاف بمعارضيه، وشكلت تلك الانتخابات لحظة ظهور نظام الرئيس معاوية في حلته النهائية كنظام فردي عشائري ذي سطوة أمنية ومالية رهيبة، تمثل الديمقراطية وبناء المؤسسات آخر اهتماماته.

 

وكان مما ساعد النظام في هذه الفترة جملة من المعطيات من بينها عدم وجود وعي شعبي بأهمية الديمقراطية، في بلد تعايش  كثيرا مع نظام الحزب الواحد والحكم العسكري ولم يعرف نظاما ديمقراطيا تعدديا، كما ساهم نجاح الأنظمة التسلطية في إجهاض الموجة الثالثة من الديمقراطية التي عرفتها إفريقيا مع نهاية الثمانينات، في تشجيع الرئيس معاوية على بناء ديمقراطية وفق معايير خاصة.

وكان مما ساهم في تكريس تلك الأوضاع تركيز النظام على الجهاز الأمني، وتدجين المؤسسة العسكرية وإخضاعها للتهميش المنظم، وفتح أبواب الفساد أمام الموظفين الذين أضحوا يعيشون في بحبوحة من الفساد المالي غير مسبوقة.

 

لقد دفعت انتخابات 1997م الأحادية نظام الرئيس معاوية إلى التغول السلطوي وهو التغول الذي دفعه إلى ارتكاب حماقات مثل التطبيع الكامل مع الصهاينة سنة 1999م مستهترا بمشاعر شعبه شديد الالتزام بالقضية الفلسطينية.

 

لقد حصد الرئيس معاوية مع نهاية مأمورية 1997، ثمار الديمقراطية المشلولة والسلطة المطلقة والفساد المالي، فما كان منه  إلى اللجوء إلى القمع وحظر الأحزاب ومصادرة الصحف واعتقال المعارضين.

 

وكما يقال فإن كل نظام يصنع معارضته فما إن أجهز الرئيس على المعارضة المدنية حتى ابتلي بمعارضة عسكرية، ودخل النظام في حالة من الموت السريري، قبل أن تتولى الزمرة القريبة منه عملية دفنه وتحنيطه في أغسطس 2005م.

تجري انتخابات 2014م الأحادية في جو مشابه تماما لانتخابات 1997م، فالرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يبذل عن سبق إصرار أي جهد جدي لتجاوز الأزمة السياسية المستمرة منذ انتخابه 2009م ، وها هو يعبر إلى مأمورية ثانية من بوابة انتخابات أحادية هزلية، مستندا إلى دعم دولي (فرنسي بالأساس)  والتفاف القوى النفعية والزمر السياسية والاجتماعية المكرهة، مما سيعمق الأزمة أكثر، وهو في ذلك يعيد تجربة معاوية في سنة 1997م، لكن مع فوارق كثيرة لعل أهمها  حجم التحولات  على المستوى الوطني والإقليمي فيما يتعلق بالوعي بأهمية الديمقراطية والتطلع لإنهاء الحكم الفردي.

 

تقول التجربة إن النظام الأحادي المتغول يقوده صلفه وشعوره بعدم الشرعية إلى  ارتكاب موبقات سياسية مميتة من أجل الإبقاء على استمرار:

 

أولها: إفساح المجال أمام  دائرة ثقة الخاصة للعب دور محوري  يجعل منها  الدائرة المفكرة والقائدة للنظام وبذلك يفقد النظام توازنه ورشده.

 

وثانيها: إطلاق  العنان للوبيات الفساد التي تمثل العضد السياسي في جهاز الدولة مقابل خدماتها الاستثنائية وبذلك يفقد النظام مصداقيته.

 

والثالث: وهو الأخطر مزيد من الارتهان للأجنبي الذي يمثل المظلة الحامية للنظام وبتلك يخسر رصيده الوطني ويسقط من عين شعبه.

 

وهذا الثالوث المميت كفيل بدفع الأوضاع إلى التوتر والاحتقان السياسي والمجتمعي  الذي يلجأ النظام في مواجهته إلى الخيار الأمني البوليسي لإسكات معارضيه وإرهاب الرأي العام، وتلك إحدى أمارات الإفلاس المفضي للموت السياسي.

الأحدث