تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

كما لا شك أن المستفيد الوحيد من صراع عزيز ـ بو عماتو ذاك هو تلك المجموعة الشرهة من الطفيليات المتسلقة، حديثة النشأة، والتي سعت بجهد جهيد إلى تعميق الخلاف بين الرجلين حتى وصل إلى ما وصل إليه.

 

وإن كانت حقيقة ذلك الخلاف لا تزال غامضة حتى الآن، رغم ما قيل أو سرب من معلومات وأخبار، إلا أن اثنان لا يختلفان بان للجانب المالي والاقتصادي الحظ الأكبر في ماهيته الخفية. وهو ما حاولنا الإشارة إليه في الحلقة السابقة من هذا التحقيق بالتطرق لقضية تنقيبات واستغلال حقول تاودني البيترولية، والتي عقب البعض عليها في رسائل خاصة بأن المعلومات الواردة بخصوصها لم تكن دقيقة، خاصة شقها المتعلق بنتائج التنقيب.

 

وقد يكون مع أصحاب هذا التصويب الحق الكامل في تفنيد تلك البيانات وغيرها، ولكنهم في المقابل لا يملكون القدرة على وضع القارئ ـ المواطن في الصورة الحقيقة لما يجري في صحراء تاودني النفطية أو الغازية، أو صحراء تازيازت الذهبية وحتى إنشيري النحاسية وغيرها، وهو ما كان محور تساؤلنا في الحلقة السابقة.

 

الوحيد الذي كان بإمكانه أن يتشجع على المطالبة بالمساءلة والمكاشفة للمسؤولين عن بعثرة كل تلك الثروات، هم نواب من طينة محمد المصطفى ولد بدر الدين، وكادجتا مالك جالو، والعبقري يعقوب ولد أمين ـ الذي يواجه الدولة وجها لوجه دون الحاجة إلى الاختباء خلف اسم أو صورة مستعارة ـ لكنهم مع الأسف أبعدوا واستبدلوا بآخرين ليملؤوا مقاعدهم الشاغرة وليسوا على ذلك بقادرين.

 

إن أكبر مصيبة حلت بهذا المنكب المنكوب، هي يوم قرر نظام الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز إخراج الزواج العرفي بين السلطة والمال من الظلمات إلى النور، عبر إدخال مجموعة من رجال الأعمال الجدد قبة البرلمان. رجال أعمال حملتهم رياح تجديد الطبقة السياسية العاتية ليحطموا بأطماعهم وطموحاتهم الكبيرة، آخر منبر من منابر الأحلام والآمال بالتغيير الذي ينشده هذا الشعب البائس منذ عقود ولا زال… منبر الجمعية الوطنية.

 

ليس تهكما أو استصغارا بشخص أي مواطن موريتاني له كامل الحق في أن يمارس العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الذي يراه مناسبا له ولتوجهاته، لكن من العار والخزي وتمام الفضيحة التي لا يغسلها موج المحيط الغاضب، أن يجلس سيدي محمد ولد ابوه، ولمرابط ولد الطنجي، والفؤاد ولد بونه مختار، والوسيط الـ (…) عبد الله ولد ابريهيم، وغيرهم من كوارث هذا الزمن الرديء على مقاعد البرلمان، ليسنوا ويصوتوا على قوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية. أية مصيبة حلت بنا؟ وأية لعنة تطاردنا؟ وأي مصير مجهول يسير بنا إليه قدرنا؟.

 

الدباغ يحل ضيفا على السجن المدني…

 

وكما رأينا في السابق فإن شدة الخلاف بين عزيز وحليفه السابق محمد ولد بو عماتو قد تزامنت مع الحرب الفرنسية في شمال مالي مطلع العام 2013، وكذلك مع تصريحات النائب الفرنسي نويل مامير التي اتهم فيها الرئيس الموريتاني برعاية تجارة وتهريب المخدرات.

 

وإن كان النظام الموريتاني متأكد بما لا يدع مجالا للشك من أن الثنائي الشافعي ـ بو عماتو هم من يقف وراء فبركة كل تلك الاتهامات الخطيرة، فإن البعض يرى أن لتصفية الحسابات مع الأخير دوافع وحسابات أخرى، وقد أوصلت في النهاية العلاقة بين الطرفين إلى مرحلة كان لا بد فيها من أن يحسم طرف ما الموقف الذي تفاقم على نحو جد مقلق.

 

وبالفعل بدأت أجهزة الدولة في العمل على مضايقة شركات الرجل ومصالحه داخل البلاد حيث أغلق مصنع الاسمنت، وفرضت ضرائب خيالية على كل من شركة ماتل للاتصالات والبنك العام لموريتانيا، قبل أن تأمر السلطات بسحب أرصدة الشركات التابعة للدولة من البنك، وفي الأخير تم تحريك ملف شركة الطيران "موريتانيا إيرويز" قضائيا، ليوقف رئيس مجلس إدارتها السابق ويمنع من السفر، والذي لم يكن سوى مدير أعمال ولد بو عماتو ومساعده محمد ولد الدباغ.

 

وفي السادس من فبراير 2013 أعلنت النيابة العامة عن إحالة ولد الدباغ إلى السجن المدني موجهة له تهمة العمل على تفليس شركة "موريتانيا ايرويز".

 

عرف ولد الدباغ أنه توجد رائحة أخرى غير روائح العطور الباريسية التي تعود عليها، ويوجد هواء آخر غير مكيف، قد يجمعك بدلا من كبار رجال المال والأعمال والمسؤولين بالبلد وخارجه، برفاق من نوع آخر هو هواء السجن. تعرف ولد الدباغ خلال ثلاثة أشهر قضاها خلف القضبان العزيزية  ـ على مبارك لحرش، وعبد الله تورنفيس، وسيدي جلفيرات، والتراد لحشيش ـ وعلين نقطة ساخنة. وهم رفاق لم يكن يتخيل مثلما لم يكونوا يحلمون بمقابلته حتى في الشارع العام.

 

والأهم من ذلك، أن أدرك السيد الدباغ بأن الدولة يمكن أن تظلم وتبطش، وتسجن،  وتفلس، وتضايق، وتقتل حتى إن أقتضى الأمر.. نفس الشعور لا شك أنه راود سيده في مراكش، الذي أدرك بدوره أن الأنظمة في بلدان العالم الثالث يمكن لها وبجرة قلم أن تحولك من محظي بنعمتها، راكع ساجد في حياض المال العام، إلى مغضوب عليه مشرد طريد، بينما مليارات الضرائب والملفات القضائية تطارد مؤسساتك ومساعديك، وتزج بهم خلف القضبان.

 

الآن فقط شعر صديقنا بو عماتو بأنه مظلوم ومستهدف.. لم يكن كل ذلك الامتياز الذي حظي به في كنف أنظمة الفساد والاستبداد من معاوية إلى عزيز، استهدافا، ولم تكن 15 مليار أوقية من المال العام منحت له قبل رئاسيات 2009 ، ولا وسام الشرف ولا رخص الشركات والبنوك والاستثمارات والأعمال المشبوهة استهدافا؟ كلا.

 

هو شعور لا شك أن أهل غدة، وأهل ودادي وافيل ولد اللهاه، وكمال ولد محمدو، وسيدي محمد ولد ابوه، وولد الصحراوي، وولد غدور، وسيدي ولد التاه، وعبد الله ولد اياها، وصديقنا حمادي بشاريا، سيشعرون به حين تدور الدوائر وتأخذ البوصلة اتجاها معاكسا، جميعهم يسلكون نفس الطريق، فتلك هي حكمة السماء التي تنتقم دائما من من كان السبب في جعل هذا الشعب المسكين، أكثر شعوب الكرة الأرضية بؤسا وشقاء.

 

الطائرة المحترقة…

 

في الأسبوع الماضي تناقلت وكالات الأنباء المحلية خبرا بدا لي ملفتا جدا للانتباه، وهو المتعلق بوصول نائب وزير الخارجية الفنزويلي السيد رونالدو بوليفيرا إلى نواكشوط في مستهل زيارة لموريتانيا دامت يومين .

 

وعادت نوبة الهيستيريا التساؤلية تجتاحني من جديد.. ماذا يفعل السيد بوليفيرا في موريتانيا أياما قليلة قبل بدء الانتخابات الرئاسية؟ وما هي العلاقات الاقتصادية أو الإستراتيجية أو حتى الثقافية التي تربط بين موريتانيا في غرب إفريقيا وفنزويلا في أمريكا اللاتينية؟ وما هو حجم المبادلات التجارية بين البلدين؟

 

والحقيقة أنه يوجد شعور جارف يجمعني ويقربني من تلك القارة الثائرة شعوبها على الدوام، وكثيرا ما يخيل إلي أن مئات الأطنان من الكوكايين، التي ترسلها عصابات دول أمريكا اللاتينية إلى دول العالم الإمبريالي، ما هي إلا نوع من أنواع الجهاد المقدس ضد تلك القوى الرأسمالية المتوحشة، التي أثقلت كاهل الإنسان بالحروب والفقر والأمراض والجهل والتخلف.. إنه انتقام لكن بطريقة ونكهة مختلفتين كليا عن ما هو مألوف.

 

إن حربا تنسج تحالفا بين الثوار في أمريكا اللاتينية وعصابات الكوكايين في كولومبيا وفنزويلا والمكسيك، وقادة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بغرب إفريقيا لا شك أنها تستحق من الباحثين بعض التوقف للفحص والدرس.

 

منذ سنة 2007 وأنا أتابع باهتمام كبير ملف المخدرات في موريتانيا، ومنذ 2010 وأنا أبحث في ماضي تلك الشخصية الغريبة القادمة من أدغال غينيا بيساو سيئة السمعة، لأعرف كيف تمكن من جمع كل تلك الثروة الطائلة، وكيف تمكن من التغلغل في مفاصل الدولة الموريتانية لدرجة أن يقف ويجلس وراء رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز في مدينة انواذيبو في وقت تعثر فيه على رجال أعمال المدينة وفاعليها الاقتصاديين الدخول إلى المطار لمصافحته؟.

 

أسئلة كثيرة لا أجد لها جوابا شافيا… ما هي العلاقة التي تربط صديقنا حمادي برئيس غينيا بيساو المقتول فييرا؟ وأية علاقة تربطه بقائد الشرطة الغينية المدعو كيتا؟ وماذا عن جيرانه في العاصمة الغينية خاصة المدعو كوكيتو وهو غيني يحمل الجنسية الهولندية ومعتقل حاليا رفقة قائد أركان البحرية الغينية في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما هي حقيقة مصانعه التجارية الغامضة ومخازن كوكا كولا التابعة له في تلك الدولة؟  ما هي حدود علاقاته في بعض الدول المجاورة كنيجيريا مثلا..؟

 

في نهاية سنة 2009 وتحديدا في نهاية شهر نوفمبر أوقف الأمن المالي عددا من الأشخاص بينهم أجانب بتهمة حرق طائرة بوينغ 727 في صحراء قريبة من مدينة غاوا شمال البلاد، وقد أكدت الأمم المتحدة أن الطائرة أحرقت بعد أن أفرغت حمولتها التي لم يتم تحديدها بعد وتعثر على قبطانها الإقلاع بها من جديد.

 

لم أكن على دراية كافية بحقيقة تلك الطائرة المثيرة، قبل أن تنهال على بريدي الخاص، موجات من الرسائل والصور ووثائق التحقيقات من جهات عديدة ومجهولة، تؤكد أن قبطان الطائرة المدعو ـ قسطنطين ياروشينكو 42 عاما ـ وهو روسي الجنسية قد اعتقل في أوائل يونيو 2010 في عاصمة ليبيريا، ثم نقل سرا إلى نيويورك، لتوجه له تهمة تنظيم تهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا عبر إفريقيا.

 

غير أنه أقام قبل ذلك في العاصمة الموريتانية انواكشوط بين عامي 2009 ـ 2010، وكان يستغل سيارة رباعية الدفع من نوع ـ رانج روفر حمراء اللون ـ  قبل أن يتوارى عن الأنظار، ويشاهد صديقنا حمادي في نفس السيارة وقد بدلت لوحتها الغينية بأخرى موريتانية.

 

البحث والتقصى في الموضوع جعلنا نكتشف تطابقا في ما توصلنا إليه من معلومات، وما نشرته الصحافة المالية حينها حول الحادثة، والتي نقلت عن مصادر قضائية قولها إن أشخاصا معروفين بعلاقاتهم مع بعض التنظيمات الجهادية المسلحة الناشطة شمال البلاد، نسقوا مع آخرين في مخيمات اللاجئين الصحراويين من أجل أن تهبط الطائرة وتفرغ حمولتها بأمان.

 

البحث والتقصي كذلك قادنا إلى أن لصديقنا حمادي أقارب ينشطون فعلا في منظمة إنسانية بتلك المخيمات، وبالفعل ذكر اسم احدهم، ويدعى محمد علوات (موجود حاليا بالجزائر) في محاضر تحقيقات السلطات المالية مع اثنين آخرين هما ديدي ولد محمد (لم يتم الاتفاق على تحديد هويته بعد) ومحمد ولد سيدي حامد المالي الجنسية.

 

بينما تقول إحدى الرسائل الأخرى إن التاجر الذي باع حمولة تلك الطائرة ويدعى ـ بيسينته ـ زار موريتانيا سنة 2009 في خضم الأزمة السياسية، وكان محل رعاية واهتمام من لدن شخصية مالية نافذة… فمن هي تلك الشخصية؟.

 

وما هي حقيقة تلك الطائرة الغريبة والمثيرة؟ وهل الأنباء التي وصلتني تفيد بأن حمولتها البالغة 4500 كلغ من الكوكايين قد نقلت في أكياس عليها شعار الأمم المتحدة، وفي سيارات رباعية الدفع تابعة لمنظمة إنسانية تنشط في المخيمات الصحراوية… صحيحة؟ هل يعرف الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز حقيقة صديقه الجديد حمادي..؟

 

في أروقة القضاء الموريتاني…

 

"شخصية كبيرة في هرم السلطة القضائية بموريتانيا عرضت علي قبول أخذ رشوة في ملف السجناء المتهمين بالمتاجرة بالمخدرات مقابل الإفراج عنهم لكنني رفضت". القاضي المفصول محمد الأمين ولد النيني.

 

يتبع …

 

في الحلقة الأخيرة مامير يتراجع… أين الدركي سيدي ولد يطن؟ …صديقنا عزيز.

 

نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية

 

الأحدث