جدول المحتويات
فما من أحد يجهل أن الأغلبية الحاكمة الآن وصلت إلى سدة الحكم 2009 عن طريق صناديق الاقتراع إثر عملية انتخابية شاركت فيها الأحزاب السياسية الأقوى في البلد آنذاك والشخصيات الأكثر شهرة في الداخل والخارج وذلك تحت أعين ومراقبة خبراء وطنيين وجهويين ودوليين اجمعوا في نهاية عملهم الرقابي على شفافية العملية ونزاهتها في مجملها. ولا جدال أيضا في أن رئيس هذه الأغلبية انتخب لفترة خمس سنوات وعلى أساس برنامج انتخابي قدمه للشعب عموما واستساغته واستجابت له على وجه الخصوص الطبقات التي عانت طيلة الأحكام السابقة من مختلف أنواع الاضطهاد البدني والمعنوي.
فظهر قطب أمنت قاعدته العريضة بموريتانيا جديدة تتصالح فيها مكونات المجتمع ويحارب فيها الفساد والمفسدون وتتغير الطبقة السياسية (والاقتصادية) وتعم العدالة الاجتماعية ويكون فيها للفقراء رئيس دون غيرهم يخرجهم من الأحياء العشوائية ويحسن من ظروفهم المعيشية أينما كانوا وبغض النظر عن ولاءاتهم. وعلى من يحب المجادلة في إنجازات من انتخبته هذه القاعدة أن ينتظر انطلاقة الحملة الرئاسية عند ما يعرض المرشح السيد محمد ولد عبد العزيز حصيلة مأموريته الأولى ويظهر للشعب ضرورة انتخابه لولاية ثانية حتى يتابع إنجاز المشاريع الكبيرة والكثيرة التي بدأها والتي تتطلب فترة زمنية إضافية كما على من يتساءل عن موقف نفس القاعدة اليوم ممن انتخبته بالأمس أن ينتظر هو الآخر اقتراع ال 21 يونيو القادم إذ نتائج الصناديق فالكل يعلم أنها تشكل أصدق تعبير عن موقف القبول والرفض.
وأقول أخيرا لمن يستنكر استئثار حزب الرئيس الفائز ومسانديه بالحكم أن هذا هو ما يجري في الديمقراطيات العتيقة الغربية ـ والتي يرغب البعض في استنساخها بغباوة في بلدنا ـ ولكن هذا يحصل بالطبع دون إقصاء المعارضين والمستقلين من المناصب الفنية التي يعتمد على عمل أصحابها تنفيذ برنامج الأغلبية وبناء الدولة وتطورها.
وأما المعارضة فتطلق عادة على الخاسر في انتخابات ما وهي المصلح الذي يكبح الفائز عن العبث بالدولة ولكن بأسلوب متحضر إن لن نقل ديمقراطي، وهي أيضا عندنا هيئة دستورية ـ سميناها المعارضة الديمقراطية ـ أنشئت لتكون جسر تواصل ومصدر نصح وإلهام وتحملت الدولة ميزانيتها لتلعب دورها على أكمل وجه وطبقا للنصوص المعمول بها. لكنها أصابها نشاز في أعقاب انتخابات 2009 واندمجت في قطب معارضة من نوع آخر ضم مجموعة كبيرة من الأحزاب شرذمتها فيما بعد مواقفها اتجاه الأغلبية إلى معارضة معتدلة ومعارضة راديكالية تمثلت في منسقية المعارضة الديمقراطية إلى عهد قريب.
ومن القسم الأول للمعارضة ما يعرف بالمعارضة المحاورة والتي تشكلت عقب قبولها المشاركة في الحوار الذي دعت إليه الأغلبية ونظمته في اكتوبر 2011 رغبة منها في تخطي الوضعية التي نجمت عن انتخابات يوليو 2009 والتي كان الخلاف على فهم محتوى اتفاق داكار من أبرز أسبابها الظاهرية؛ ومن المعلوم أن ذلك الحوار شارك فيه أيضا من انسحب في نصف الطريق ممن شم ـ عن بعد ـ رائحة أزهار ربيع عربي مازالت أشواكه تؤلم على السواء كل من البريء وحامل المشعل ومن حفزه أو سانده.
ومن الإنصاف أن نبين أن أحزاب الوئام والصواب والتحالف الشعبي التقدمي التي نالت لقب المعارضة المحاورة لقبول مبدأ الحوار والدخول فيه مع السلطة حتى النهاية أرادت أن تلعب دورها في المطالبة السلمية بإدخال تحسينات دستورية تساعد في تعزيز المكاسب الديمقراطية لتجربة بلدنا وفي تطوير آليات الشفافية والنزاهة؛ فاستطاعت بمشاركتها إدخال تحسينات سياسية وقانونية جوهرية عديدة قلصت هيمنة الدولة على العملية الانتخابية وعززت دور الأحزاب وزادت في مجملها فرص التناوب السلمي على السلطة. وهي التي شاركت أيضا في الانتخابات البلدية والنيابية 2013 كمحطات ضرورية لمن أراد أن يخدم الشعب ويكسب ثقته من خلال تسيير أفضل للمجالس البلدية والدفاع عنه وعن مصالحه تحت قبة البرلمان.
وفيما يتعلق بالشق الثاني من المعارضة فشكلته في وقت سابق منسقية المعارضة الديمقراطية أي تلك الأحزاب التي تقاعست عن حوار 2011 وشجعها بعد ذلك على التمادي في قطع صلتها بالنظام سقوط بعض قادة الدول في المنطقة العربية نتيجة ما سمي بالربيع العربي وإصابة رئيس الجمهورية بطلقة نارية صديقة ثم استجابة حركات شبابية ومهنية للتظاهر في الشارع مما جر تلك المعارضة إلى رفع شعار الرحيل ومقاطعة الانتخابات البلدية والنيابية متجاهلة القيم والمبادئ الديمقراطية؛ وبعد توسع منسقية المعارضة الديمقراطية تلك إلى المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة وبعد فشل حوار 2014 الذي قبله هذا الكيان الجديد على مضض أو فرضه عليه الواقع أصبحت مقاطعة الانتخابات الرئاسية خيارا يجمع الناس على أنه سلاح ذو الحدين.
وانطلاقا من هذه المواقف مجتمعة أصبحت الأحزاب المشاركة التي تنشط اليوم داخل المنتدى تنعت بالمعارضة المعارضة للمعارضة الديمقراطية والمعارضة أيضا لمصالحها وذلك بسبب مخالفة أساليب عملها لما يخدم تطوير الديمقراطية في البلد ويقلل من فرص وصولها إلى السلطة بالطرق السلمية على المدي القصير.
نعم إن الحزب ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة للوصول إلى الحكم وتنفيذ المشروع المجتمعي الذي يقدمه لمعالجة قضايا بلده السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؛ وهذا يعني أنه يجب على كل حزب أن يساهم في نشر الثقافة الديمقراطية وفي ترسيخ مبادئ الممارسة لها ولو لم تتح له الفرصة بالفوز في سباق الرئاسة إذ يعتبر هذا الدور أكثر أهمية بالنسبة لدولة مثل موريتانيا ما زالت تعاني من مخلفات ماضيها وانعكاساته السلبية على رؤيتها لمشاكل الحاضر المتعقدة وعلى عملها لمعالجة تلك المشاكل.
وعلى هذا الأساس يعاب على معارضتنا الراديكالية في شكليها (القديم والجديد) الإفراط في استعمال سياسة المقاطعة التي تضعف الشعبية وتسمح للآخر توسيع قاعدته وتلميع صورته بنتائج قد لا يحققها لو نافسه الجميع عليها. ومن ضرر المقاطعة أن الشعب يعتبر أصحابها عاجزين عن المواجهة والمنافسة الشريفة وأنهم ببساطة يعولون على ما قد يخبئه الزمن من حدوث ظرف طارئ ينقلب فيه الوضع أو يختلط فيه حبل المهاجم في الشارع بنابل المدافع عن الاستقرار والسلم. كما يقال أن الأحزاب والشخصيات المستقلة في هذا التكتل الجديد (المنتدى) تراهن على جعل الموريتانيين يقاطعون التصويت يوم ال 21 يونيو بحيث تصبح نسبة المشاركة عاملا حاسما في مصداقية الانتخابات وسببا في عدم الاعتراف بنتائجها من طرف المجموعة الدولية؛ أما وسيلتهم في ذلك فقد تتطور من منع الناس من التصويت يوم الاقتراع ألى اللجوء إلى العنف والعصيان المدني عقب انتهاء الانتخابات وعدم الاعتراف بنتائجها.
وغير بعيد عن هذه المواضيع كلها يجب التذكير بأن ثقة الشعب ومناصرته في الانتخابات الرئاسية بالذات هي لمرشح الدولة ولمن تشم فيه رائحتها وبالتالي فعلى كل من يطمع في كرسي الرئاسة أن يتجنب حرق المراحل ويناضل طويلا في المنظمات المهنية والحقوقية للمصلحة العامة ويقبل بالعمل كعمدة أو عضوا في البرلمان لفترة كافية يقدم خلالها للشعب نتائج وخدمات تستوجب منه رد الصاع صاعين؛ وهنا نرى الناس تشيد بالإستراتيجية الجديدة للتواصل حيث شارك في الانتخابات البلدية والتشريعية وانتزع بفضل مقاطعة أصحاب دربه زعامة المعارضة كما ابتعد عن الترشيح للرئاسة حتى تتضح معالم طريق عالم ما بعد ثورات الربيع العربي وهبة الإسلام أو المسلمين؛ ويتميز حال التحالف الشعبي التقدم عن التواصل بأنه لم يرشح أحدا لمنصب رئيس الجمهورية في انتظار الوفاق على شخصية جديدة تخلف زعيمه المتقاعد مسعود ولد بو الخير.
وأخيرا على الديمقراطيين والداعين لها والرافعين شعارها أن يراقبوا عن قرب ممارسة الحكم من طرف الأغلبية طيلة مأموريتها وأن يستغلوا أخطاءها وانحرافاتها وأن يطلعوا عليها المواطنين ويشيعوها بينهم ليتصدوا لها جميعا ولكن بالطرق السلمية الحضارية والديمقراطية؛ كما عليهم جميعا ان يطالبوا دائما بالإصلاحات والتحسينات الممكنة وأن يدعوا الشعب إلى مؤازرتهم سلميا في التعبير عن رغبتهم في تقويم ما يلاحظونه من اعوجاج.
ويبقى التغيير الجذري المنشود من طرف المعارضة مرهون بوصولها إلى سدة الحكم حيث يتسنى لها تطبيق مشروعها المجتمعي ذلك المشروع الذي يميزها عن الأغلبية ويميز بعها عن بعض.