جدول المحتويات
(1)
ولأن الحديث الآن يأتي قُبيل مسيرة يوم 4/6 وفي سياق وضع سياسي تتناسَل فيه وجوهُ الأزمة، ويُقدم فيه النظام القائم على انتخابات رئاسية يسابق فيها نفسه، غير مكترث بأصوات الأحزاب الأساسية في البلد، التي هي أسبق وأعرق في الساحة السياسية وفي صناعة الوعي الديمقراطي لدى الموريتانيين من حزبه الحاكم الذي وُلد من رحم الانقلاب على مسار ديمقراطي كان بمثابة الحلم الجميل (رغم نواقصه المعروفة).
(2)
وحيث إننا في موريتانيا لسنا معزولين عما يجري في العالم ويمورُ به المحيط العربي، فإني أظن أن هناك تحديات حقيقية أفرزتها سيرورةُ نتائجِ ثورات الربيع العربي كانت بدايتها الرسالة الصادمة التي تسلمتها جهتان ظلتا ممسكتين بزمام الأمور على مستوى الأمة ونحن جزء منها:
الجهة الأولى: هي الأنظمة الموالية للغرب المرتمية في أحضان المستعمر "القديم" المحميَّة من طرفه لمدة عقود من الزمن مترجمة – غالبا – في الجيوش وأدوات حكمها..
الجهة الثانية: هي الغرب نفسه الذي تأكدت لديه المعطيات التي كانت تخبره بأن تطبيق الديمقراطية في العالم الإسلامي لن يكون بأي حال في صالح المشروع الغربي وحلفائه في المنطقة.
ومن هنا استماتت الجهتان كل من موقعه في حماية مركزيهما وهما الآن تصارعان بشكل عنيف من أجل استدامة الوضع كما كان واستعادة ما أفلتَ منه أو يكاد!
(3)
والذي يقدره كثير من المفكرين وأهل الرأي وتسنده قراءة السًّنن (قوانين حركة التاريخ) أن ما حصل في عالمنا العربي أمر مضى ولن يعود، بمعنى أن الخطوات العملاقة التي قطتها الشعوب هي بمثابة تحول تاريخي – أو تغيير – على مستوى نفوس الناس، وهو مقدمة لتغيير جذري في الواقع، قد تأخذ المدافعة – فيه – وقتا كما حدث في ثورات سابقة، والثورة الفرنسية في ذالك مثال معروف، ولكن نتيجته في مصلحة شعوب هذه المنطقة. وستكون هذه المرحلة بمثابة الاستقلال الحقيقي لهذه الشعوب لا مثل ذالك الاستقلال الشكلي الذي ظلِلنا نرزح بعده تحت وطأة الاستعمار ونُدار من مركز القرار خلف البحار!
(4)
وفي ظني أن الحقبة الفاصلة بين التحرر المنشود وبين ما قبل الثورة التونسية العظيمة، – والتي انطلقت فعلا – هي حقبة مفصلية تماما وستكون فلسفة الإخضاع والتحكم وتفكيك القوى الحية التي تقود عملية التحرر – فيها – هي إستراتيجية المرحلة بالنسبة للجهتين السابقتين، وهو ما يستدعي من القوى الحية وقادة الفكر والسياسة ورواد حركات "التحرر الجديد" أن يقدروا المرحلة ويعيدوا رسم إستراتيجية فعالة تكافئ خطورة اللحظة وخصوصيتها!
(5)
وسأتمسَّك بالجرأة حتى أقدم بعض الأفكار التي أراها ضرورية في هذا السياق ونحن نتحدث عن الجهد التنسيقي بين القوى الحية في موريتانيا.
أولا: تحديد الخصْم الاستراتيجي، والتمييز بينه – ذهنيا وعمليا – وبين المنافسين السياسيين والإيديولوجيين، أما الخصم الاستراتيجي للقوى الإصلاحية الجادة في نظري، فهو الاستبداد، والأحادية، والجهات التي تحميهما.
ثانيا بناء شراكة إستراتيجية (سياسية، اجتماعية) تنطلق من مقاربة فكرية تقدس المشترك وتخلص في العمل من أجل تحقيقه، وأظن أن منتدى الديمقراطية فكرة صالحة لهذا الأمر إذا تُعوطيَ معها بالجدية اللازمة
ثالثا: إطلاق حالة من الحوار الداخلي – في كل مُكوِّن على حدة – لإعادة اكتشاف الذات مُمَعيرة بالأهداف الكبرى والخطوط الإستراتيجية، مع الشروع في إصلاح النتوءات المؤسسية وإيجاد حالة عالية من الوئام الداخلي بعيدا عن المجاملات أو حالة الصمت المفروض، وإطلاق حالة من الانفتاح على صناع الرأي والأفكار الشبابية المهمة في عكْس نبض الواقع المتحرِّك!
رابعا: تمتين وتجذير دعائم هذه الشراكة من خلال الدفع بها في اتجاهات غير سياسية تخدم المجتمع، كتأسيس منتديات ثقافية، وأدبية، ومراكز بحثية، والقيام بعمل اجتماعي وخيري مشترك، فضلا عن تفعيل أطر التنسيق بين الشباب.
خامسا: الاستثمار في الوعي، من خلال عمل ثقافي وإعلامي ميداني متواصل (ومبسَّط) يستفيد منه الجميع، والتركيز في خدمة المجتمع على التعليم ومحو الأمية والتحرير من قيود الجهل والاستغلال.
سادسا: مواصلة الجهد النضالي المباشر بصيغ احترافية، توثق المخالفات والتجاوزات وتكتب تاريخ قادة الفساد، وتطور الأداء؛ من خلال تقييم معياري يحرص على الموضوعية، ويتحلى بالروح الرياضية، مع طول في النفس وحرص على التراكم، واستشعار روح التأسيس لمستقبل وطن!
وأتمنى للمسيرة التوفيق.
ودمتم في رعاية الله.
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية