جدول المحتويات
كم كانت الآمال كبيرة وهي تعلق على هذه التشكيلة من المرابطين، هذا الفريق الذي عهدناه يصول ويجول في كل مكان يطلب منه الدفاع فيها عن ألوان العلم الوطني، من شمال إفريقيا إلى وسطها وحتى جنوبها، كل ذلك ليس لشغف بالسياحة، ولا حب للأسفار، بل لبذل العرق والجهد والتعرض للمضايقات والإصابات أحياناً والتي قد تهدد بعضها المستقبل الكروي للاعب، كل ذلك حتى يقال: "فاز المنتخب الموريتاني"، فكانوا سفراء للوطن تتجسد الوحدة الوطنية والإخاء والبذل في مكوناته.
في هذه التشكيلة تجذرت اللحمة بين أعضاء المنتخب، فلم يكن أيهم تابعاً لـ(لوبي) قبلي أو تجاري أو منصبي، رأينا إخلاصاً وحبا منقطعي النظير لهذا الوطن، عندما يصر اللاعبون المحترفون في الخارج على ترك أنديتهم ذات الإمكانيات المالية واللوجستية الكبيرة في أوروبا مهد الكرة الحديثة استجابة لنداء منتخبهم الوطني مع تواضع إمكاناته! مخاطرين بوضعيتهم المريحة مع هذه الأندية التي تدفع رواتبهم آلاف اليوروهات، وعندما يلحق زملاؤهم من أندية دول المغرب العربي ومصر بالمنتخب، وعندما يصر المريض منهم على الخروج من المستشفى للالتحاق بمعسكر المنتخب، وحتى عندما يصر أحدهم على تمثيل المنتخب الوطني ولو ـ من دكة البدلاء ـ مع عدم تمكينه من الحصول على جواز سفره الموريتاني! عندها نكتشف أن هذا المنتخب لم يُجمع أعضاؤه لمجرد ركل كرة من الجلد والاستمتاع بالعلاوات وركوب الطيارات، بل جيش من أبناء الوطن يلبون نداءها في كل مكان حتى في عقر دار المنافس، وكل فرد فيه سفيرٌ لوطنه حيث يكون، لأن كرة القدم اليوم تبلغ بالدول حيث لا تبلغ سياستها ..
إنهم مجموعة من الشباب الموهوبين الوطنيين لا ينبغي الإفراط في إخلاصهم بكيل الانتقادات غير الإيجابية لهم، ولا ينبغي استقبالهم بإدارة الأظهر، حيث لن يكون ذنبهم سوى أنهم حاولوا أن يكونوا لبنة في بناء منتخب محاولة منهم لإبقاء الأمل الكروي مرسوماً أمامنا، وابتسامة الانتصار متربعة على وجه المشجع الموريتاني.
أذكر جيداً ويتذكر بعضكم تصريح القائد الخلوق للمنتخب المحترف في فرنسا (عمر انجاي) بعد فوز المرابطين بمباراة الذهاب بانواكشوط عندما جال بنظره على مدرجات الملعب الأولومبي المكتظة فقال للصحفي: "إنه عظيم، أنظر .. الجمهور رائع، والاحتفالات مستمرة إنه أحسن روعة من فرنسا" . !!
في الدول المتخلفة كروياً تكون ردة الفعل الوحيدة في مثل هذه الحالات هو اتخاذ إجراءات استعجالية، تبدأ بالإقالات أو الاستقالات، الأمر الذي لن يكون ـ بالتأكيد ـ علاجاً للوضعية الحالية للمرابطين ولا تصحيحاً لمساره؛ فما نحتاجه الآن هو علاج وتصحيح يشمل توسيع دائرة البحث وانتداب اللاعبين الوطنيين الأكفاء من كل مكان، وبذل أكثر مما بُذل من تشجيع ومؤازرة وإمكانيات تلقاها هذا المنتخب، تلك الأشياء التي نفتخر بأن الشارع الوطني لم يبخل به على منتخبه في أحلك أوقاته؛ وهو الآن مطالب ببذل مثل ذلك الدعم المعنوي الكبير بنفس القدر الذي يحتاج فيه الدعم المادي، فالمنتخب الذي يملك أقوى إمكانية مادية لن يكتب له الثبات والنجاح والتقدم إن هو افتقد للدعم المعنوي الكبير الذي لا يعطيه إلا الجماهير المخلصة لوطنها، الشغوفة بمنتخبها، بغض النظر عن أيّ حسابات ضيقة أو نظريات سلبية أخرى.
لقد علمتنا المعايشة الطويلة لكرة القدم أنه لن يكتب نجاح أي منتخب أو ناد إذا كان طاقمه التدريبي كثير التغيير، حيث يكون هو كبش الفداء الأول الذي تتقي به الإدارات الضعيفة سخط الجماهير وانتقاد الصحافة، الأمر الذي عانى ولا زالت تعاني منه الأندية والمنتخبات العربية والإفريقية، والتي لا تزال أهم عقبة أمام بناء الكرة الإفريقية والعربية.
هكذا هي حال المنتخبات، صعبة البناء، تمر بالانتكاسات ـ كما عشناها ـ وتسقط ـ كحال المرابطين ـ لكنها لا تعجز عن النهوض ومواصلة السير؛ فالفاشل ليس الذي يسقط، بل الفاشل هو الذي لا يستطيع النهوض من السقوط ومواصلة التقدم، وبطولة أمم إفريقيا 2015 ليست نهاية المطاف، فهي معركة خسرناها لكن الحرب لا زال مستمراً؛ فالشارع الوطني لا زال يتوق لتلك الفرحة التي عاشها في إحدى ليالي رمضان من العام 2012 بعد التأهل التاريخ لأمم إفريقيا للمحليين (الشان).
بإمكاننا القول: خسرنا المعركة ولم نخسر الحرب، خسرنا معركة التأهل لأمم إفريقيا2015 بالمغرب، لكن لم نخسر حرب بناء منتخب قوي صعب المراس ينافس على جميع البطولات.
النهاية ليس عليها أن تكون بائسة في ملعب متواضع في "مالابو" ! بل عليها أن تكون سعيدة في أدوار متقدمة من البطولات، بل ولى منصات التتويج .. وإن غداً لناظره قريب.
دمتم ودام الوطن بسلام .