جدول المحتويات
وبدأت ماكينة أجهزة المخابرات الموريتانية تتنافس مع المخيلة الجمعوية "لصالونات" نواكشوط، لنسج القصص والتحاليل المثيرة للسخرية والضحك. فقائل يقول هذا عمل استخباراتي يقوده الجنرال المنبوذ محمد ولد الهادي… وآخر يؤكد أن الأمر لا يتعدى مراهق يعيش حالة من الإفلاس، ويعاني البؤس والشقاء في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس.
هي تحليلات، وإن كانت لا تخلو من الطرافة تارة، وتظهر حالة الإفلاس الفكري لمروجيها تارة أخرى، إلا أنها لم تجعل أية جهة رسمية كانت أم غير رسمية تجيبنا على السؤال البسيط والمهم بالنسبة لنا.. أين الدركي سيدي ولد يطن؟.
لا شك أن هدفنا بقدر ما هو محاولة متواضعة لنشر الوعي الذي كان دوما وسيظل أقوى سلاح ضد الظلم والفساد و"تهريب المخدرات"، هو كذلك محاولة للكشف عن مصير أحد أفراد القوات المسلحة الموريتانية، فقد وهو يقوم بعمله في مكان عام. وليس صدفة أو مكرا أن نربط بين اختفائه الغامض ذاك واستخدام أراضي الجمهورية كممر إستراتيجي لتهريب المخدرات ذات الأثر البالغ.
إننا نرى أن سيدي ولد يطن الذي اختفى في ميناء الصداقة، يوم الاثنين الرابع عشر من شهر يناير 2014 عند الساعة الرابعة فجرا، ليس كرجل الأعمال رشيد مصطفى الذي سقطت طائرته أو "أُسقطت" ـ الله أعلم ـ سنة 2010 بإحدى الدول الأفريقية، حين كان يستعد لإطلاق قناة تلفزيونية خاصة، ولم تحرك الحكومة الموريتانية ساكنا. وليس كرجل الأعمال السيد ولد الحافظ ولد أحمد خليفة صديق رئيس الحكومة الحالي مولاي ولد محمد لغظف الشخصي الذي كان يعمل معه في أوروبا، قبل أن يرحل في ظروف غامضة ببروكسيل وهو الذي يقال إنه كان من أغنى رجال أعمال موريتانيا آنذاك.
فهل لاختفائه علاقة بتهريب المخدرات..؟ أم كان متورطا في أمر ما؟ أم أنه شاهد في تلك الليلة المشؤومة ما أفقده حياته..؟ وهل له علاقة ببعض الشبكات المتورطة في تهريب تلك البضاعة الثمينة والقاتلة التي أدخلت كثيرا من شبابنا السجون، كمتهمين ومدانين في ملفات عديدة وقضايا متنوعة..؟، مثلما أدخلت قادة أحزابنا السياسية ووزرائنا ورجال أمننا وأعمالنا وحتى رؤساء جمهوريتنا السابقين واللاحقين دائرة الاتهام.
بالعودة إلى قضية، الرئيس عزيز ـ مامير نشرت بعض الصحف والمواقع الإخبارية أنباء تفيد بأن النظام الموريتاني قد حصل فعلا عن معلومات شبه مؤكدة تؤكد تورط رجلي الأعمال، المعارض الشافعي والمغاضب بوعماتو في العمل على تشويه صورته خارجيا ودوليا عبر دعم النائب مامير بما يحتاجه من أخبار ووثائق وتسجيلات صوتية، وهو الذي اتهم الرئيس محمد ولد عبد العزيز برعاية تجارة وتهريب المخدرات.
وإن كان مما لا شك فيه أن صديقنا عزيز قد بدأ مشواره منذ انقلاب السادس من أغشت 2008 رئيسا للفقراء والمحرومين، في دعاية رسمية اجتهدت في إظهار صورة الرئيس الإنسان الزاهد في البروتوكول والمال، ورئيس شاب محارب للفساد والمفسدين، وطارد الصهاينة المجرمين، إلا أن ذلك الاتهام قد أضر كثيرا بصورته وحتى سمعته الشخصية داخليا وخارجيا. فهل ساهم بوعماتو فعلا في تأسيس تلك التهمة إلى جانب الشافعي خدمة لأهداف أخرى وقوى أخرى.
الخلاف مع بوعماتو…
لم يكن رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو يتوقع أن الذكرى الأولى لوصول الرئيس ولد عبد العزيز إلى السلطة عبر انتخابات يوليو 2009 ستكون بنكهة مختلفة، ورائحة الخلاف بينه وصديقه الجنرال بدأت تنتشر، وكعادتها بدأت صالونات انواكشوط تلوك القصص والتكهنات بغية الوقوف على ماهية ذلك الخلاف الذي شهد مع مطلع العام 2013 منعطفا حادا حين قررت السلطة توجيه ضربات قوية للرجل الذي اختار مدينة مراكش المغربية مأوى له.
والحقيقة أن الرجلين تحالفا من أجل مصالح مشتركة ومصير واحد ربطهم بعيد الانقلاب الذي وضع حدا لنظام الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، وقد لعب ولد بوعماتو في سبيل تمرير ذلك الانقلاب داخليا وخارجيا، دورا محوريا، وكان ضغطه على أصدقائه في خلية "فرانس أفريك" سيئة السمعة بهدف أن تميل كفة قصر الأليزيه إلى جانب العسكر في صراعهم من أجل البقاء، فعالا وناجحا كما هو معلوم.
لكن ذلك التحالف لم يكن قويما سليم البنية والأساس، فحدث أن تعرض لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة لبعض الهزات كادت تعصف بتماسكه.
ومن ما يتناقله الثقاة أنه حدث أيام حملة 6 ـ 6 التي ألغيت بعد اتفاق دكار أن تعهد ولد بوعماتو للمرشح عزيز بدعمه ماديا بما يزيد على المليار من الأوقية، وحين اتصل عليه السناتور ببكر غدور خبير نفث العطور المنشمية، والوشاية بين عزيز وبعض أركان نظامه ـ كان الجنرال ولد الهادي من ضحاياه ـ، للاستفسار عن المبلغ الممنوح من طرفه لصالح الحملة، خاطبه ولد بوعماتو قائلا: "ما عليكم سيدي سوى احتساب الإقامة في الفندق، واحتساب كأس القهوة والشاي والخدمات اللوجيستية واحتساب السيارات والخدمات الأخرى التي تقدمها لكم مؤسساتي واقتطاعها من المبلغ المرصود".
وبالفعل نقل غدور المحادثة بتفاصيلها إلى الجنرال المرشح ولد عبد العزيز الذي غضب كثيرا وأعطى الأوامر لطاقم حملته بالانتقال فورا من هذا الفندق الذي وصفه بالبائس، نحو عمارة "المنى" التي اكتشف مساعدوه عند الوهلة الأولى أنها أكثر بؤسا واتساخا، وتصلح كمخازن سرية لبيع الأدوية المزورة أكثر من مقر لقيادة حملة انتخابية في أوجها.
فكان لا بد من التصالح ولو مؤقتا فالظرف غير مناسب لصراعات كهذه جانبية وتافهة.
وبعد اتفاق دكار الذي نص على أن تتجه كافة الأطراف السياسية إلى انتخابات رئاسية تضع حدا لأزمة دامت عشرة أشهر وكادت تعصف بكيان الدولة الموريتانية، اعتبر ولد بوعماتو المعركة معركته الشخصية وقرر قطع الطريق هذه المرة أمام وشايات غدور وغيره، وقام بضخ مئات الملايين من الأوقية في الحملة الانتخابية، كما استخدم علاقاته الخارجية والداخلية في سبيل إنجاح حليفه الجنرال محمد ولد عبد العزيز.
وما إن تحقق ذلك النجاح "ولو بنسبة غير كبيرة 52% فقط" حتى قرر النظام توجيه ضربات متتالية ومتعددة الأهداف لخصومه، وخصوم بوعماتو الذين اختاروا الوقوف في الجانب الآخر إبان الانتخابات الرئاسية، فقرر الزج بثلاثة من كبار رجال الأعمال في البلد في السجن وتغريمهم قرابة 15 مليار أوقية، وفي عيد الاستقلال الوطني منح صديقنا وسام فارس في نظام الاستحقاق الوطني.
كنوز تاودني المغيبة…
تقول بعض المصادر التي تدعي الوقوف على ما يمكن اعتباره جزءا من حقيقة ذلك الصراع بين عزيز وبوعماتو، إن الاخير غضب من عدم إشراك بعض الشخصيات المحسوبة عليه في الحكومة الجديدة التي شكلها ولد عبد العزيز بعد انتخابات يوليو، بينما هنالك من يؤكد أن هذا ليس سببا كافيا لكي يغضب الحليف القوى للنظام في الانقلاب والانتخاب ويغادر إلى الخارج بشكل نهائي.
في مقابل ذلك فتح حديث الرئيس ولد عبد العزيز خلال برنامج "لقاء الشعب" أغشت 2011 الباب أمام قراءة أخرى أو قراءات أخرى عديدة لحقيقة ذلك الخلاف، خاصة حين صرح بما معناه "أن بعض رجال الأعمال في البلد كانوا يستفيدون من أمور غير قانونية وتضر بمصالح الدولة" و"حين قرر النظام وقف تلك الاستفادة غضبوا ورحلوا وفق تعبيره"، وهو ما فهم منه أن الرئيس كان يقصد حليفه السابق بوعماتو.
فما هي تلك الأمور التي لمح إليها ولد عبد العزيز؟ وما هي حقيقة ما يشاع من أن ولد بوعماتو كان قد حصل في عهد الرئيس معاوية ولد الطايع على رخص للتنقيب في منطقة تاودني، لكن تلك الرخص سحبت منه ومنحت لجهات أخرى؟ ومن هي تلك الجهات؟.
مصادر أخرى على إطلاع واسع بقضايا النفط والمعادن في موريتانيا، تؤكد أنه قد تم اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز بمنطقة تاودني شمال البلاد، في المقطعين AT-07 و AT-08 الذين تنقب فيهما الشركة الفرنسية توتال بالتعاون والشراكة مع شركات صينية إسبانية وغيرها. وهما المقطعان الذان منح ولد بوعماتو رخص التنقيب فيهما أيام الرئيس ولد الطايع، بينما رفضت الحكومات الموريتانية التي أعقبت سقوط نظامه 2005 منحه رخص استغلالهما شراكة مع شركة توتال. بل ورفضت كذلك منحه رخص تنقيب جديدة في مقاطع أخرى قريبة من تلك المقاطع.
وبالفعل كان بوعماتو ـ حسب نفس المصادر دائما ـ يعول كثيرا على صديقه وحليفه ولد عبد العزيز لمنحه رخص الاستغلال تلك، والتي لا شك أنها كانت ستضر بمصالح الدولة الموريتانية النفطية والغازية في تلك الحقول المغيبة بشكل لا يمكن تصوره.
حقول تاودني تجعلنا نهيم في تساؤلات أعمق وأكبر بعيدا عن قضية سيدي ولد يطن، لنعرف ما الذي يحدث هنالك في تلك الصحاري البعيدة والمحروسة من طرف بعض القوات الخاصة الفرنسية. كما يقال؟.
وهل اكتشفت شركة توتال فعلا احتياطات نفطية كبيرة في تاودني..؟ وهل اطلعت الحكومة الموريتانية على النتائج الحقيقية لتلك الاكتشافات…؟ أم أنها احتفظت بها لنفسها..؟ وما هي الآلية ـ القانونية خاصة ـ التي تمكن البلاد من ضمان الحفاظ على مصالحها في تلك الحقول دون أن تتعرض لعملية احتيال مشابهة لتلك التي تعرضت لها 2005 ـ 2006 مع الشركة الأسترالية وودسايد.؟ وكان بطلها الوزير زيدان ولد احميده الذي عين مستشارا في رئاسة الجمهورية قبل أيام..؟ ولماذا عين؟ وما هي المهمة التي أوكلت إليه بالتحديد..؟.
وما هي حقيقة ما تسربه الشركة من معلومات متضاربة ومتناقضة أحيانا، تفيد بأن نتائج التنقيب كانت مخيبة للآمال، وأنها باتت تفكر جديا في الانسحاب والتوقف عن التنقيب، عن النفط والغاز في موريتانيا بعد أن تجاوز سقف خسائرها المائة مليون أورو.. كما انسحبت شركة "تولي ويل" البريطانية؟.
وإن كان الأمر فعلا كما سرب، فلماذا يصرح رئيس شركة توتال فرع شمال إفريقيا جان دانيال بلاسكو قائلا إن شركته مهتمة إلى أقصى الحدود بمجالات الاستثمار في بلد بكر مثل موريتانيا، ومتوقعا نجاح استكشافات شركته توتال، البرية والبحرية في موريتانيا..؟ ولماذا ترسل حكومة فرنسا قواتها الخاصة إلى منطقة تاودني لحماية تلك الشركات من خطر الجماعات المسلحة، خاصة في الجانب المالي..؟
موضوع تاودني الشائك والمعقد سيجعلنا ننجرف بعيدا عن الموضوع الرئيس وهو الخلاف بين عزيز وبوعماتو.. ونحاول تعميق بحثنا في خفايا ذلك الصراع، وهو ما جعل من أبرز ما يعترضنا من تساؤلات.. ما الذي كان يريده ولد بوعماتو من الدولة الموريتانية ومنعه عزيز إياه؟, فقرر الغضب والرحيل.
يتبع…
في الحلقة المقبلة… الدباغ يحل ضيفا على السجن المدني… في أروقة القضاء.
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية