تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

(2)

 

ولعلَّ هذا ما يفسِّر لك كيفَ تذهبُ بعيدا في التأثر ببعض ما ينفثه الأدباء كلما وقَّع على وترك الخاص، أو كشف عن معنى غامضٍ ظل محبوسا بخاطرك، فلا جرم أن الأدبَ إنما يأخذ تأثيره في النفس من تعبيره الصَّادق عن ذوات الناس ودقائق أحاسيسهم الموغلة في الخفاء أحيانا، وليس ببالغِ ذلك حتى يرقى عاليا في تحقيق ذاته قبل أي شيء.

 

وقد أعجبني من قبل مطلع قصيدة للشاعر الشيخ ولد بلعمش حين قال:

 

لتفترشَ الأحلامُ من لغتي حقلا *** أحاول أن ترقى الحروف إلى أعلى!

 

تلك هي العتبة الأولى لصناعة أدبٍ مؤثر، فمهما شفتْ روح الأديب وسما مقصده وجلَّت رسالته فليس ببالغ التأثير ولا بخالد الأثر ما لم يتخذ إلى سماء الفنية الباهرة سلما!.

 

(3)

 

ولئن تداول الناسُ مقولة ابن رشيق على نطاق واسع في أن أعذب الشعر أكذبه فإني لا إخال الكثيرين يضعونها في سياقها الصحيح، فلا أرى أن الكذبَ المقصود هنا هو الكذب المقابل للصدق، وإنما هو الكذبُ المقابل للمباشرة النثرية في الكلام العادي، الكذبُ هنا هو المجازُ، وقد يكون عين الصدق في التعبير عن الواقع كما هو، والأحاسيس كما هي، ولكنْ بعد تحويلها في مصنع الشعر إلى لغة أخرى، فالأديب والشاعر بصورة خاصة في اللحظة التي يتلبسه فيها الإلهام يعيش حالة كونية على مستوى الشعور؛ تختزل العالم في نفسه وترى ذاته في العالم، في تبادل للتأثر والتأثير!.

 

(4)

 

ويظلُّ الأدبُ السامي القادر على تصوير خلجات النفوسِ وترجمة الأحاسيس والتعبير عن رغبات الذات وآمالها وآلامها من أهم وسائل التواصل الإنساني وأقدرها على التأثير في "لا وعي الإنسان". وما كانَ لمجالٍ بهذه الحساسية أن يكون قليل الحظوة لدى صناع الفكر وقادة التغيير والحالمين بمستقبل أفضل للإنسان في ظلال الأخلاق والقيم.

 

(5)

 

لقد استخدم الأدب كثيرا في المعارك غير المقدَّسة، ووظفت عواطف الجمهور وغرائز الشباب في تسويق الانحلال والفسوق، وساعد على ذلك ضعف المنتج الأدبي الملتزم أحيانا، واقتصاره على مساحات معينة قد لا تكون مغرية لكثير من القراء أحيانا أخرى، فأنت لا تكاد تجد أديبا إسلاميا ينشر قصيدة غزلية بديعة، أو يكتب قصة غرامية رفيعة، أو يخلد حدثا ذاتيا فيه قدر من البوح الجريء الصَّادق يلامسُ عواطف القراء ويتماهى مع بعض حاجاتهم في التعبير عن مشاعرهم الخاصة في رقي والتزام!

 

سأقولها بصراحة؛ إن هناك طائفة واسعة من الشباب تريد من يكتب عن الحب والغزل ونحوهما من العواطف الإنسانية البريئة لو وجدته لدى الإسلاميين والكتاب الملتزمين لاستغنت به عن كتابات أخرى أكثر تهتكاً وأقل حياء…! فهل ينسجم الإسلاميون مع دواعي الفطرة الإنسانية ويكتبون عن ذواتهم كما هي، ويعلنون للناسِ أن لهم عواطف ومشاعر وأحاسيس يتذوقون الجمال ويعرفون الحب ويتغنون بالغزل ويؤمنون بالله ويتمسكون بالفضائل ويحرصون على الجد!

 

(6)

 

قبل اعتماد "الدسكتوب" مكانا مفضلا لحفظ ما أكتب من خواطر كنت أحتفظ بدفتر أحمر أغلب ما فيه نصوص غزلية (لأنها المعرضة للضياع أكثر) فلما جاء الفيسبوك أذن لبعضها في الإذاعة، وولدت نصوص جديدة ، سأختم هذا المقال بتدوينة شعرية منها- نشرتها قبل فترة- على أن هذا الموضوع يحتاج لعودة لاحقة…

 

أنا والليل والقمرُ *** ودفق الشوق والسمرُ

وبعد طافح غنى *** فؤادا كاد ينفطر

وأوجاع وأسئلة *** وفجر بات ينتظر

نشيد يجرح المضنى *** ولحن خانه الوتر!

 

في رعاية الله.

الأحدث