جدول المحتويات
استوقفتني في الموضوع الملاحظات التالية:
تتطلبُ الوساطة عادةَ أوراقَ ضغط في يد الوسيط يُسلطها على الفرقاء لدفعِ كل واحدٍ منهم إلى تقديم تنازلات تسمحُ بلقاءِ الجميع في المنتصفْ.
ما هي إذا أوراق الضغط التي يمكن لولد عبد العزيز أنْ يسلطها على الأزواديين أو الحكومة المالية؟
الراجحْ أنَّ ولد عبد العزيز تحركَ وفقَ الرؤية الفرنسية المستندة إلى الغطاء الإفريقي. لنا أنْ نتساءل كم عمر الأزمة المالية؟ ولماذا لم يُبادر ولد عبد العزيز قبل الآن إلى التوسط فيها؟ مع أنَّ هذا البلاد كانت تُمزقه حربٌ أهلية طاحنة ويحيقُ به تهديدُ تنظيم القاعدة. والحال هذه ألم يكن الوضع أدعى إلى الوساطة من الآنْ؟ على الأقل قطعا للطريق على تنظيم القاعدة الذي يُفترضُ أنهُ التهديد الأكبرْ.
لم يكن الرجل، في السابق، يتمتع بصفة الرئيس الدوري للإتحاد الإفريقي، التي تُؤهله للعبِ دورِ الوساطة ونقلها من الإطار الإقليمي (المجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية) إلى الإطار القاري الذي هو الاتحاد الإفريقي.
يرى الفرنسيون أنهم سددوا للقاعدة ضرباتٍ قاضية في شمال مالي، وبالتالي فقد زال الخطرُ الأهم. أما القضية الأزوادية فحلها ليس ذا طابعٍ استعجالي، وسرُّ الاهتمام بها اليوم مرتبط بما تُرتبه بالنسبة لإمكانات إعادةِ انتشارِ القوات الفرنسية في المنطقة.
في الأسبوع الماضي، احتضنت باريس قمة فرنسية إفريقية مصغرة خُصصت للتحدي الأمني في جنوب منطقة الساحل وتحديدا نيجيريا، وذلك في ضوءِ تواتر هجمات حركة بوكز حرام.
بدت الحكومة اليسارية الفرنسية منزعجة من مبادرةِ الولايات المتحدة إلى بعث فرقٍ جوية وبرية للمساعدة في البحث عن التلميذات المائتين المختطفات على يد بوكو حرام، وتُستشفُّ حساسية الحكومة الفرنسية في ردَّ وزير الخارجية، لوران فابيوس، على نظيره الأمريكي، جون كيري، بالتأكيد على أنَّ فرنسا تدعمُ هي الأخرى الحكومة النيجيرية في عمليات البحثْ. وكان كيري قد قال إنَّ الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تشارك في جهود البحث.
انتهت قمة باريس إلى إقرارِ توسيعِ وتعزيزِ دائرة محاربة بوكو حرام، وهنا كان حضور الرئيس اتشادي لافتا، وهو صاحب الدعم الحاسم في معارك مالي، وقدَّمت قواتُه تضحياتٍ بشرية مصيرية في المعركة، لم يكن متاحا تقديمها من الجنود الفرنسيين بالنسبة لرئيسٍ فرنسي يُكابد سخطا شعبيا متسعا ترجمته بصدق نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة التي مُني فيها اليسار بخسارةٍ تاريخية ضيَّعَ معها معاقل ظلَّت وفية له منذ أكثرَ من قرن.
تبدو فرنسا في ماس الحاجة إلى قواتها المرابطة في مالي في استشرافِ آفاقِ الساحل الجنوبية الغنية بالنفط، كما أنَّ الجهد الحربي في إفريقيا الوسطى هو الآخر بحاجةٍ إلى الدعم على نحوٍ عاجلْ. وفي مقابل ذلك، فإنَّ أيَّ انسحابٍ غيرِ محسوبْ من شمال مالي قد يُعيدَ الأمورْ إلى ما كانت عليه ربيع 2012. أي بمعنى آخر سيطرة الطوارق على الشمال، ما يُفسح المجال أمام عودةٍ ''ظافرة'' للقاعدة وشقيقاتها.
وعلى مدى أبعدْ، يبرزُ إشكالٌ آخر هو إمكانية لجوءِ عناصر بوكو حرام – في ضوءِ حملةٍ محتملة – إلى شمال مالي واتخاذهِ ملاذا جديدا. وفي المحصلة ستكون حملة 2012 قد أتتْ بنتائج عكسية تماما.
من هنا، تبرز الحاجة إلى ترتيب البيت المالي عن طريقِ هدنٍ تُرتَّبُ هنا وهناك وفقَ مناهج قريبة من تلك التي كان الراحل، العقيد معمر القذافي، يمارسها مع حركات التمرد في إفريقيا وفي أزواد تحديدا، إذ كان يشتري من بعض القادة الأزواديين السلامْ بامتيازات مالية هائلة. ولنا، في هذا المضمار، أنْ نتذكر الراحل إبراهيم أغ بهنغا، وقبله إياد أغ غالي، وأغالي ألومبو، وغيرهم كثيرون.
هكذا إذن، وجد ولد عبد العزيز نفسهُ في المكان المناسب لتنفيذ هذا الجزء من الرؤية الفرنسية لا أقلَ ولا أكثرْ.
باختصار ليس لولد عبد العزيز ما يُقدمه للماليين، وبالعكس لديه ما يُقدمهُ لبعض القيادات القادرة على إنتاجِ سلامٍ مزيفْ شبيه بمصالحةِ داكار الأثيرة بين فرقاء الأزمة الموريتانية.
وعلى ذكرِ مصالحة داكار، لا بد من التذكير بأنَّ حكومة نيكولا ساركوزي كانت مسكونة بالتحدي الأمني في الساحل، وكانت ترى في سيدي ولد الشيخ عبد الله رئيسا ضعيفا غيرَ قادر على مواجهة الخطر الأمني في الساحل.
بقية القصة تعرفونها، فقد تنصلَ واد و الفرنسيون ومن معهم من اتفاق داكار، ولم يُكلفوا أنفسهم متابعة استحقاقاته اللاحقة على الرئاسيات. لقد تحققَ الهدف، وهو دعم النظام العسكري الجديد في تثبيت أركانه، على أنْ يدفع ثمن ذلك من مواقفه الإقليمية، ومقدراته الداخلية في المستقبل. وعودة الشركات الفرنسية إلى قطاعي النفط والتعدين في موريتانيا شاهدة على ذلك.
وإذا تذكرتم جيدا ستُدركون أنَّ واد كان يومها يسلكُ منعطفا حاسما في عزلته السياسية المضطردة التي ستنتهي بهزيمتهِ في رئاسيات 2012. فقد كان يومها يُعدُّ لقانون ''خلقِ منصب نائب الرئيس'' وذالك في أفقِ ترشيح ابنهِ كريم لهذا المنصب تمهيدا لتوريثهْ.
ولد عبد العزيز هو الآخر يسلكُ اليوم منعطفا شبيها، فهو يُنظم انتخاباتٍ رئاسية شبيهة بانتخابات عبد الفتاح السيسي وبشار الأسد، والغريب أنَّها كلها تجري في شهرٍ واحد. تُقاطع المعارضة الانتخابات بما فيها تلك التي شاركت في استحقاقاتٍ سابقة، وكان النظام يَعتدُ بمشاركتها ويُدلَّلُ بها على نزاهة الاقتراع.
اليوم، وفي غيابِ أيَّ مكسبٍ داخلي، يجدُ ولد عبد العزيز في الوساطة بين الفرقاء الماليين متنفسا من واقعٍ مصطرع بالعزلة والخيارات المزدحمة التي لا تتفاوتُ إلاَّ في سوءها.
عبد الرحمن ولد أمبيريك (الدحَّ) – صحفي موريتاني – المغرب – [email protected]