جدول المحتويات
لم تدم الفترة التي جمعتني بالفقيد طويلا؛ فما هي إلا أيام معدودات.. لكنها كانت كافية لأخبَر الرجل خلالها في السفر والحضر والغربة والوطن فأكتشف رجلا وأي رجل، إنه التديُّن والكرم والأخلاق والثقافة الغزيرة والذكاء الحاد… "في قبة ضربت على ابن المقري".
كان ذلك قبل حوالي عامين وتحديدا في يوم السبت الرابع عشر من شهر يوليو عام 2012 حين كنت وعزيزي دحمان المقري (ابن أخ الفقيد) في مدينة بني ملال بالمملكة المغربية نجمع أمتعتنا للعودة إلى البلاد بعد أن أكملنا الامتحان النهائي في السنة الأخيرة من مرحلة الماستر، وكان الحاج قادما من كندا في إجازته السنوية يصطحب سيارة "نيسان" اقتناها من ألمانيا ويسافر بها برًّا فأكرمنا بزيارة في محل إقامتنا بحي "التقدم" العتيق في سفح جبل تاصمّيت الأعرق.
لم يكن الفارق العمري بيننا إلا كوهم نتخيله أو كجبل من جليد سرعان ما أذابه الحاج بخلقه وظرافته وثقافته الغزيرة. فقد كان ضليعا في اللغة والأدب والفقه والفكر الإسلامي وتاريخ الأمم وعلوم العصر؛ كان يجمع خلفية محظرية وتخصصا علميا؛ فهو مهندس كهرباء، وأضاف إلى ذلك أن نهل من اللغة الإنجليزية وآدابها، فضلا عن شغفه بالقراءة والمطالعة باستمرار.
ثلاثة أيام جمعتنا في بني ملال أَسَرَنَا خلالها الحاج بحديثه ونقاشاته في مواضع مختلفة؛ اجتماعية وسياسية وثقافية.. أعجبني تحليله وتفسيره ورؤيته لماضي وواقع ومستقبل أمة العرب والإسلام.. قلت له ذات نقاش ممازحا: يبدو أن لمهندسي الكهرباء حكايات مع الفكر الإسلامي وتحليل الصيرورة التاريخية للأمم؛ إننا أمام مالك بن نبي جديد فقد كان ابن نبي مهندس كهرباء، فقال لي بتواضعه الجم: "لقد مدحتني يا أبا أبكر، لكنك أسرفت في المبالغة"، وما أنا بمسرف في وصفي الذي يستحق..
لم يبخل علينا الحاج بالنصح فكان يروي لنا تجاربه؛ دراسته، تفاصيل ذكرياته وهو الفتى العايد نهاية الثمانينات من الخارج حاصلا على شهادة مهندس كهرباء بعد سنوات من الدراسة، عمله بأحد المعاهد التقنية، الظروف الصعبة التي عاشها منتصف التسعينات، قبل أن يقرر الهجرة إلى بلاد العم سام.
في مساء يوم الاثنين حزمنا الأمتعة استعدادا للمغادرة وقطع المسافة البالغ طولها حوالي 2500 كلم، وكنا على موعد في مراكش مع طالبين ينتظران ومعهما حقائب كبيرة. كانت السيارة تضيق بالأمتعة لكن صدر الحاج كان رحبا ولم يتمعّر وجهه ولو للحظة ـ وكنت أراقبه ـ في موقف يكشف عن معادن الرجال.. بحث عن حبل وربط بعض الأمتعة فوق السيارة غير مبالٍ بما يصيب أبوابها من خدوش وما قد يتعرض له هو من ضرائب.
من المواقف التي مرت بنا في هذا السفر أن الدرك المغربي أستوقفنا مرتين إحداهما قرب تيزنيت والثانية قرب طرفاية، وكان عليه في كل مرة أن يدفع ضريبة تَجاوُز السرعة المسموح بها. نصحناه بأن في الإمكان التفاوض مع الدرك لتخفيض الضريبة، لكنه أصر على أن تكون وفق وثائق رسمية يوقع عليها ويأخذ وصلا. وقال لنا بالحرف: "أن أدفع ضريبة رسمية تدخل خزينة دولة أحب إلي ـ مهما كانت كبيرة ـ من أن أرشو".
وصلنا نواكشوط في حدود الثالثة مساء يوم الأربعاء 18 يوليو، وكان ذلك آخر عهدي بالحاج فلم ألتقِ به بعدها إلا عن طريق الفيسبوك والبريد الألكتروني حيث تواصلنا من خلالهما في عدة فرص ومناسبات.
عاد الحاج إلى كندا حيث يعمل ويتابع دراساته العليا هناك، قبل أن يفاجئه المرض في ديسمبر الماضي فيلقيه طريح الفراش، عاد إلى البلاد قبل أسابيع ولم يحصل لي شرف زيارته فقد سافرت قبل عودته.
بالأمس وصلني خبر وفاته! كم كنت أرجو أن يستجيب ربنا الدعوات بشفائه لننعم به من جديد بيننا، لكن الله به أرحم وأرأف وأعلم بما فيه الخير لنا وله، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لله وإنا إليه راجعون.