تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

وما هي إلا أيام قليلة من بدء الحرب وتحديدا في الحادي والعشرين من يناير 2013، حتى فجّر نائب في البرلمان الفرنسي يدعى نويل مامير (نائب عن حزب الخضر المشارك في الائتلاف الحاكم حاليا في فرنسا) قنبلة مدوية وغير متوقعة. حيث صرح خلال برنامج ـ 28 دقيقة ـ الذي تبثه القناة الفرنسية / الألمانية "آرتي"، بأن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز يرعى شبكات دولية تنشط في مجال تهريب المخدرات وتبييض الأموال عبر منطقة غرب إفريقيا، وأن اسمه ورد في التحقيقات مع أباطرة لتهريب المخدرات تم اعتقالهم قبل أشهر في دولة غانا.

 

وتابع النائب مامير اتهاماته تلك قائلا: إن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز يوفر الحماية لمافيا المخدرات في أمريكا اللاتينية والتي تقوم بتهريب المخدرات إلى أوروبا عبر موريتانيا ودول أخرى في غرب إفريقيا.

 

وقد أثارت تلك التصريحات جدلا واسعا في البلاد، كما تبعتها عدة تحقيقات وتقارير صحفية ـ فرنسية ـ تتحدث عن نشاط متزايد لشبكات تهريب المخدرات وغسيل الأموال الدولية في المنطقة.

 

وكانت تلك التقارير تستند في أحايين كثيرة إلى ما يتم تسريبه من طرف أجهزة استخبارات دولية مهتمة بالأوضاع في مالي، وتشير إلى أن العمليات العسكرية التي بدأتها جيوش فرنسا ومالي وتشاد والنيجر دون مشاركة موريتانيا قد أثرت بالفعل على أنشطة تلك الشبكات الإجرامية المتحالفة ـ كما سبق أن ذكرنا ـ مع التنظيمات الجهادية في شمال مالي، لتصل إلى خلاصة مفادها أن تلك الشبكات وجدت ملجئا وموطأ قدم لها في بعض الدول المجاورة وتحديدا موريتانيا، وهو ما روجت له تصريحات النائب الفرنسي مامير.

 

ضغوط داخلية…

التقطت منسقية المعارضة الموريتانية الحدث، وأعلن قادتها عن تنظيم يوم وطني ووقفات أمام البرلمان تحت شعار "لا لتحويل موريتانيا إلى دولة مخدرات" رفع المتظاهرون خلالها شعارات تحذر من تحويل البلاد إلى دولة مخدرات، وتربط بين الرئيس ولد عبد العزيز وشبكات المخدرات في العالم. وتطالب باستقالة ومحاكمة الرئيس، متهمة إياه باستضافة أبرز مهربي المخدرات في منطقة الساحل.

 

وأصدرت المنسقية لاحقا وثيقة سياسية تضمنت جمعا لما تعده جملة من القرائن والأدلة على صلة ولد عبد العزيز بشبكات المخدرات، التي تؤكد "أن بلدنا أصبح من أكبر أوكار ومناطق عبور المخدرات في شبه المنطقة وأن الشبكات الإجرامية تبسط نفوذها المدمر في أعلى هرم الدولة".

 

واعتبرت المنسقية في وثيقتها تلك أنه إلى جانب كل تلك القضايا المثيرة التي تشير إلى تواطؤ بين النظام الموريتاني وتجار المخدرات، فإن القرائن العديدة واللقاءات الغريبة والإعلانات الصحفية تجتمع على علاقات ومعاملات مشبوهة تربط محمد ولد عبد العزيز نفسه بعدة وجوه معروفة على الصعيدين الدولي والإقليمي بالتورط  في تجارة المخدرات.

 

وقالت إن من بين تلك الشخصيات الجنرال أنطونيو انغاي من غينيا بيساو، وهو موضع مذكرة بالاعتقال للاتجار بالكوكايين، وحسب البيان فقد استقبله ولد عبد العزيز في ديسمبر 2010 في نواكشوط وأدى في نفس الفترة زيارة غامضة لمدينة انواذيبو.

 

واتهمت أيضا الرئيس عزيز بإطلاق سراح مئات المتاجرين والمستهلكين للمخدرات، مع أن أغلبهم يقبض عليه عادة في حالة تلبس ومع ذلك يستفيدون من عفو رئاسي في مناسبات متعددة.

 

كما وزعت المعارضة أيضا تسجيلات صوتية نشرتها مواقع إلكترونية موريتانية "يُسمع فيها صوت الرئيس ولد عبد العزيز يفاوض لإبرام صفقة مشبوهة مع عراقي يسمى علاوي يقيم في دولة غانا" حسبما ورد في وثيقة المعارضة.

 

وبعد تلك الهجمة الشرسة من طرف المعارضة والمدعومة بالتصريحات القادمة من باريس، والوثائق والتسجيلات الصوتية المستجلبة من واغادوغو، قرر النظام التحرك لاحتواء الموقف.

 

فأمر ـ المخلوق ـ محمد محمود ولد محمد الأمين رئيس الحزب الحاكم بقطع خلوته في "تيگند" جنوب العاصمة، والحضور على عجل لتدبيج بيان يصف تلك التسجيلات بالمبتذلة، ويتهم المعارضة بنشر الأكاذيب والأباطيل، وبمحاولة إلصاق تلك التهم جزافا برئيس الجمهورية.

 

وربط البيان بين تلك الاتهامات والحملة المغرضة التي أطلقتها المعارضة خلال وجود الرئيس في رحلة استشفائية سابقة بالعاصمة الفرنسية باريس، وهي الحملة التي بان زيفها بعد عودة الرئيس سالما لأرض الوطن، وانكشاف زيف دعايات المعارضة ـ فتيلا يا أرحم الراحمين ـ.

 

وجاء مفوض حقوق الإنسان الأسبق محمد الأمين ولد الداده مسفّر الوجه وهو الذي سجنه ولد عبد العزيز مدة عامين ونيف على خلفية ـ ما يعتقد الأبرياء منكم أنه اختلاس أموال عمومية ـ، جاء يعرض خدماته على النظام. ويؤكد خلال لقاء جمعه بالرئيس عزيز في القصر الرئاسي بانواكشوط انه يمكن واستنادا إلى علاقاته القوية بحزب الخضر أن يحل المشكل ويجعل مامير يتراجع ويعتذر للرئيس الموريتاني،  وربما

يعلن انسحابه من حزب الخضر الفرنسي وانضمامه للاتحاد من أجل الجمهورية الموريتاني  في مبادرة تحت خيمة على أعلاب قرية تنادي.

 

لكن ولد الداده لم يكن يعي جيدا حقيقة ما يدور في الكواليس.

 

ورغم أن وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك محمد يحي ولد حرمه قد رفض التعليق على موضوع التسجيلات المنسوبة للرئيس، إلا أن النائب البرلماني عن الحزب الحاكم، محمد ولد ببانه صرح في حديث إعلامي بانواكشوط، أن التسجيلات المنسوبة للرئيس مفبركة ولا تملك أي مصداقية قانونية، دون توجيه الاتهام لجهة محددة بفبركة تلك التسجيلات.

 

وهو ما نفاه الرئيس ولد عبد العزيز نفسه بعدها بأشهر خلال برنامج  ـ لقاء الشعب ـ  حيث أكد أن تلك التسجيلات تعود فعلا له، وأن الصوت صوته، لكنها حرفت واستخدمت من طرف شخص وصفه ـ بالخارج عن القانون ـ في إشارة إلى المصطفى ولد لمام الشافعي لتشويه صورته أمام الرأي العام. حسب تعبيره.

 

كان ذلك داخليا، بينما على الجبهة الخارجية أوكل النظام الموريتاني إلى مكتب المحاماة "واستون / فارلي ويليامس" الذي يديره المحامي الفرنسي الشهير "إيريك جامانتيس" مهمة التقدم بشكوى أمام القضاء الفرنسي ضد النائب نويل مامير بتهمة القذف، وكان يمثل ذلك المكتب المحامي الموريتاني جمال ولد محمد القيادي السابق في حركة ضمير ومقاومة الذي تطارده عقدة "الصناع التقليديين"، ودعم بضابط فرنسي متقاعد وثلاثة صحفيين موريتانيين هم: محمد فال ولد عمير، شيخنا ولد النني، وإسلم ولد صالحي، طلب منهم الشهادة لصالح الرئيس الموريتاني أمام القضاء الفرنسي، وكانوا جميعا دون مستوى الحدث.

 

وفي منتصف شهر إبريل استقبل الرئيس عزيز السيناتور الفرنسي Jeanny Lorgeoux بالقصر الرّئاسي، رفقة المحامي المغمور جمال ولد محمد، وصرح عقب اللقاء قائلا: إن تهمة المتاجرة بالمخدّرات التي وجهها مامير غير مقبولة، مشيرا إلى أن النائب مامير ربما يكون قد اعتمد على معلومات خاطئة. لكن عبارة ذلك السناتور الزائر ـ إن هذه التهمة لا تخدم العلاقات الموريتانية الفرنسية ـ جعلتنا نتوقف للفحص والتدقيق في فحواها بعض الشيء.

 

مامير يتجهز للمعركة…

 

لم يكن النائب مامير وحيدا في معركته ـ المبرمجة ـ تلك مع النظام الموريتاني، كما لم تكن تعوزه المعلومات ولا تفاصيل ما يدور في منطقة غرب أفريقيا عموما وموريتانيا على وجه الخصوص من أحداث. ومن ما زاد حدة شوكته أكثر،  وصول بعض المتّبرعين "المغاضبين" من مراكش ولاسبالماس ودبي وأكرا ومناطق أخرى لدعم حججه أمام القضاء الفرنسي، ولتأكيد تورط الرئيس محمد ولد عبد العزيز فعليا في رعاية تجارة المخدرات.

 

وقد حصل مامير حسب مصادر موريتانية على صلة وثيقة به، على لائحة بأسماء وعناوين شركات تعمل في موريتانيا وتحوم حولها الكثير من الشكوك خاصة فيما يتعلق بغسيل الأموال ذات المصدر المشبوه، والتي يعتقد أنها من عائدات أنشطة مرتبطة بتهريب المخدرات .

 

وكانت بعض تلك الشركات مملوك لرجل الأعمال حمادي بشرايا، وبعضها الأخر للسناتور ببكر ولد غدور ـ لنا عودة إلى هذه الشخصية ـ، وأخرى تعمل في مجال نقل وتوزيع المحروقات ويمكلها رجل الأعمال محمد ولد كركوب الذي أوكل إدارتها إلى ابن شريكه الشاب الذي لم يكن سوى مولاي ولد فاضل ولد اعبيد الرحمن والذي سبق أن سجن وشقيقه مع آخرين سنة 2006  في انواذيبو، متلبسين بتهريب شحنة كوكايين إلى لاسبالماس ليفرج عنهم لاحقا ويغلق الملف.

 

وكلف مدير مكتبه السيد باتريك فاربيز Patrick Farbiaz بجمع كل المستندات والأدلة التي تثبت تورط الرئيس ولد عبد العزيز، وبالفعل حصل على وثائق وتسجيلات صوتية وتحقيقات هامة من جهات أمنية وقضائية في موريتانيا يهمها أن يتورط الرئيس ولد عبد العزيز، ومتعلقة باعترافات اميغان والتير وأعضاء شبكته التي استفادت من عفو رئاسي 2011.

 

بينما سابق رجل الأعمال محمد ولد نويكظ الزمن لشراء ما تم تسريبه إلى بعض الصحفيين من تسجيلات وشرائط فيديو لتقديمها كعربون صداقة إلى الرئيس ولد عبد العزيز، الذي كان هو الأخر يعرف جيدا أن مصدر كل ذلك الضجيج المزعج، ليس سوى رجلي الأعمال المعارضين محمد ولد بعماتو والمصطفى ولد لمام الشافعي.

 

كما حصل مامير أيضا على إذن قضائي يمكن محاميه من زيارة صديقنا الجنرال الغيني بيساوي أنطونيو انغاي في زنزانته بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي لا شك أنه يملك الإجابة على الكثير والكثير من الأسئلة المحيرة التي سبق لنا ذكرها في الحلقات السابقة.

 

وفي الأخير حصل مامير على أغلب التحقيقات الصحفية والأفلام الوثائقية المتعلقة بتهريب المخدرات عبر منطقة غرب إفريقيا وموريتانيا بالتحديد، وكانت بعض تلك التحقيقات التي أعدت منذ سنوات يذكر قائد أركان الدرك الوطني الجنرال نجاغا جنغ بالاسم كمتورط في عمليات غير مشروعة.

 

وهو ما جعله على أتم الاستعداد للمواجهة القضائية التي بدأت في 24 من شهر مايو، واستمرت جلستها الأولى نحو 20 دقيقة استمع فيها القاضي لمحامي الطرفين.

 

يتبع…

 

في الحلقة المقبلة.. خفايا الصراع بين عزيز وبعماتو.. الدباغ يحل ضيفا على السجن المدني.

 

الأحدث