جدول المحتويات
الشاهد في هذا أنه أنني أرى من واجبي بيان أوجه الخلط والتسطيح التي شابت مقال الدكتور الشيخ ولد حرمة ولد ببانة في مقاله الأخير ولو لم يكن الكاتب هو ممن يجمع بين الأصالة والمعاصرة ومقالاته طافحة بالاستشهادات القرآنية والحديثية لما ساغ لنا أن نتتبع سقطات الكتاب…
ولأن الكاتب في مقاله هذا دعي دعوة من تخلف عنها اعتبره من المخلفين القاعدين.
هذا ما جعلنا نرى من الضروري التثبت في مدي صدقية تلك الدعوة وهل لها من بينات أو شهود؟!
وإذا كان الدكتور قد تحدث في مقاله الأول بلغة جزلة سلسة جميلة استغربها العديدون على مثله ممن سكنوا ديار الغرب ودرسوا لغته إلا أن تلك الغرابة تزول إذا عرف محتده ومنبته الأصيل… إلا أن مقاله الأخير وللأسف ظهر يتحدث بلغة شعبية سوقية مملة وبأفكار لاكتها الألسن وشبعت منها بطون أكلة السحت ومسعرو [ي] الحروب…!
وللأمانة العلمية فإن الأفكار التي جاءت في مقاله يتقاسمها معه الكثير من النخب لكن لغتها كانت سوقية تصلح لمهرجان شعبي ولا تصلح لمقال علمي يراد منه إقناع من لم يكونوا معه في خط… وتحريك همم يراها متقاعسة عن التحرك من أجل إنقاذ البلاد من مستقبل مجهول…!
فهل ودعه شيطانه أم أن لغة الضاد استحالت إلى عامية مكتوبة بأحرف الضاد؟.
ظهر الدكتور في مقاله منذرا لقومه من خطر داهم فكأنه دريد بن الصمة :
نصحت لعارض وأصحاب عارض *** ورهط بني السوداء والقوم شهدي
منحتهم نصحي بمنعرج اللوي *** فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
غير أن الوحل الذي وقع فيه كما وقع فيه من قبله العديد من النخب السياسية يكمن في صدود الناس وعدم تصديقهم!!!
قد يكون صادقا فيما يراه خطرا وقد يكون صحبه صادقين كذلك… لكن حالهم كحال الرجل الذي كذب على قومه مرات ثم أنذرهم بجيش داهم عليهم يريد أن يهلكهم فلم يصدقوه وظلوا علي حالهم حتى داهمهم العدو فصاح قائلا يا ويح: لقد أهلك قومي كثرة كذبي عليهم…
يصدق هذا المثل على كثير من هذه النخب إن لم يكن أغلبهم؟!
ألم يكن أغلب هذه النخب ضالعا فيما يراه فسادا؟
ألم يكن أغلب هذه النخب شارك من قريب أو بعيد في أنظمة سابقة لا يحن إليها الشعب في هذه الآونة؟
لا يجوز في منطق الأخلاق والقيم أن نكون أنصارا اليوم وأعداء يوم غد متحولين كحال سعاد تلون في أثوابها كما تلون في أثوابها الغول…
وقد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فان أعطاه منها رضي وإن لم يعطه سخط… تمام الحديث في صحيح البخاري).
إن معايير الولاء والمعارضة يجب أن تكون على معايير أخلاقية ومعيارية لا أن تكون المعايير عشوائية متغيرة بحسب العطاء والمنع، وعلي الرغم من أن طبيعة الانسان تجعله يحب ويبغض بحسب ذلك كما قال الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ *** نصيب ولا حظ تمني زوالها
وما ذاك من بغض غير أنه *** يرجو سواها فهو يهوي انتقالها
غير أن ذلك لا يمكن أن يكون معيارا توزن به الانظمة بحسب الزمان والمكان؟.
وإذا كان المعيار هو ذلك فإن فئات اجتماعية كثيرة ومجموعات بشرية ليست بالقليلة وجدت في هذا النظام ما لم تجده في غيره؟
إن محب الوطن شبيه إلى حد كبير بحال تلك الام التي سرق منها ولدها ولم تجد شهودا فأراد القاضي أن يقسم ابنها نصفين نصف لها ونصف للسارقة فصاحت في وجهه لا تفعل إنه ولدها فعرف القاضي أنها الام الحقيقية ولا تريد تقسيم الابن حتى لو ظفرت به تلك الغاصبة السارقة…!
هذا حال من يحب وطنه لا يريد له مكروها مهما قل نصيبه إن الخوف علي السفينة من حق الجميع لكن الخرق الذي لاحظتموه قد يكون حفاظا عليها حتى لا يأخذها ملك يأخذ كل سفينة غصبا!!
لا يمكن تحميل النظام حال الأمة اليوم، فالتطرف الحاصل في جميع مفاصل المجتمع خطير كل الخطر على الشعب قبل الدولة لكن جزءا كبيرا من ذلك تتحمله نخب كثيرة تريد حرق السفينة ومن عليها!!
إن كل مواطن مخلص لبلده يشاهد ما تجره التجاذبات السياسية من ويلات على البلاد لا يمكنه الترويج لما يحاول الدكتور الترويج له، ماذا نفعل إن كانت الطبقة السياسية قد تآكلت مصداقيتها وأصبحت تعاويذها ومسيراتها لا تعني شيئا بالنسبة للغالبية العظمى من الشعب؟
ماذا نفعل إن كانت حجج هؤلاء لم تعد تقنع شركاءه من الغرب؟
ماذا نفعل إذا كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز قد صدقته الجماهير وما زالت تصدقه؟
هل علينا إذن أن نقلب الطاولة على الوطن خوفا من نجاح فلان أو علان…
فهل هذا يصلح معيارا؟
أو يكون بأي حال من الأحوال دليلا على صدقية حب الوطن…!!
وأخاف أن يصدق حينئذ قول القائل إن من الحب ما قتل!
انواكشوط 14 مايو 2014