جدول المحتويات
وبعد عودته إلى البلاد ومشاركته الفعالة في انقلاب السادس من أغشت بدأ في تطبيق ما تعلمه من أدبيات وعلوم، وهاجس الإبعاد من جديد يؤرق مضجعه، فانبرى يضع الخطط وراء الخطط والإستراتيجيات لتمرير الانقلاب.
فكان فظا غليظ القلب، حيث بدأ بتهديد المسكين سيدي ولد الشيخ عبد الله زوج الرئيسة ختو منت البخاري، آمرا إياه بالتعاون وقبول الوضع الجديد "أحسن له".
وتماما كما قدم الجنرال أوفقير راس ريفي ثائر إلى الحسن الثاني تزلفا خلال أحداث الريف، قاد الجنرال ولد الهادي أقاربه الطاعنين في السن ـ غير الشرفاء ـ إلى السجن تزلفا، وسّحل نسوة المعارضة على طرقات نواكشوط تزلفا، وطارد جميل منصور وأحمد الوديعة بين أزقة سوق "كبيتال" وصّادر أحذيتهم، وضرب السياسي المحترم محمد ولد مولود، وأطلق مسيلات الدموع على مسعود ولد بالخير أيام كان مسعود رمزا ومناضلا قبل أن يتحول بقدرة قادر إلى مسعود رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
كما فكك حركة "لا تملس جنسيتي" وحول قادتها إلى مخبرين يتهافتون كالكلاب على ما يرميه لهم من فتات التعيينات والأموال، وكلف مخبريه بإفشال حراك 25 فبراير الذي كان ينظر إليه بأمل كبير على أنه النسخة الموريتانية من الربيع العربي، فكان أبرز قادته يتظاهرون في النهار ويسلمونه تقارير أنشطتهم وتحركاتهم في الليل.
كذلك فعل مع حركة "إيرا" التي زرع فيها عملاءه وسحبهم بعد ذلك تباعا كل حسب الظروف والمهمة. كما واجه أخونة المعهد العالي للدراسات الإسلامية وجعل طلبته المؤدلجين يركعون راضين باتفاق هزيل مع الوزارة الوصية بعد كثيرا من المواجهات والصدامات العنيفة بينهم وقوات الأمن.
هذا فضلا عن الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات المدنية والنقابات و حتى وسائل الإعلام و المواقع الإلكترونية التي لم تسلم هي الأخرى من بشاطه أو إغرائه البراق غير المجدي نفعا ولا ثوابا.
كما لم يسلم قطاعه "الشرطة والأمن" من بطشه، فرضخ للتعليمات الفوقية الرامية إلى تفكيكه وتسليم مفاتيح الأمن الطرقي فيه إلى جهاز حديث النشأة يقوده جنرال سيئ السمعة والخلق. كذلك الحال بالنسبة للأوراق الثبوتية والمدنية، وأمن المطار، وغيرها من الصلاحيات التي سحبت من الشرطة بشكل مهين حقيقة لفائدة أجهزة أخرى.
ورضي من الغنيمة بالإياب فكان الإنجاز الوحيد الذي قام به خدمة للجهاز هو استصدار مرسوم ظّل حبرا على ورق يتعلق بوضعية وكلاء الشرطة والأمن. لكن النهاية قد دنت وحان وقت السقوط، ولكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ… فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ.
المصطفى ولد لمام الشافعي وحرب التسريبات الخطيرة…
أسابيع قليلة قبل إقالة الجنرال محمد ولد الهادي من إدارة الأمن الوطني أعلن عن استصدار الحكومة الموريتانية لمذكرة توقيف دولية بحق رجل الأعمال الموريتاني والمستشار الرئاسي بدولة بوركينافاسو المصطفى ولد لمام الشافعي.
وحسب بعض المصادر الموثوقة فإن ولد الهادي لم يكن ضمن الخلية الأمنية والإستشارية التي أقنعت الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز باستصدار تلك المذكرة، وهو عكس ما يعتقده كثيرون بما فيهم ولد الشافعي نفسه الذي سعى وبخبث إلى الانتقام.
وتقوم فلسفة مذكرة التوقيف تلك على فهم خاطئ لطبيعة علاقات الرجل مع بعض الجهات الخارجية أبرزها أجهزة المخابرات الفرنسية والإسبانية والمغربية، حيث يعتقد من أصدرها أنه بالإمكان تقييد تحركات ولد الشافعي التي باتت تشكل إزعاجا حقيقيا للنظام، وربما اعتقاله و جلبه مقيدا إلى موريتانيا وهو ما لم يحدث، لكنه في المقابل جعل صديقنا الشافعي يتفانى في تقديم المزيد من الخدمات والأخبار لتلك الجهات حماية لرقبته من أن تباع بأرخص الأثمان حين يصبح عاجزا عن القيام بما يلزم وعلى النحو الأمثل.
فمع بداية العام 2012 سرب المستشار المصطفى ولد لمام الشافعي حسب مصادر خاصة معلومات خطيرة جدا إلى المخابرات الفرنسية والمغربية تفيد بعقد نظام الرئيس ولد عبد العزيز اتفاقا سريا مع قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذين بدأت شوكتهم تقوى شيئا فشيئا مع المد العددي والعتادي القادم من ليبيا المدمرة.
وحسب ما يتناقله الثقاة فإن الشافعي أقنع الفرنسيين بأن مصادره في تلك التنظيمات الجهادية أكدت له أن النظام الموريتاني أبرم اتفاقا ـ بليل ـ مع قادتها منتصف سنة 2011 يفضي إلى وقف المواجهات بين الطرفين، وتعهد قادة التنظيم الجهادي بعدم مهاجمة موريتانيا أو الاقتراب من حدودها، كما يلتزم النظام الموريتاني بعدم المشاركة في أية عمليات قد تستهدف مستقبلا معاقل القاعدة في الشمال المالي إضافة إلى بعض النقاط الأخرى التي اتفق عليها الطرفان حسب الشافعي وحصلت شخصيا على تفاصيلها.
وبكثير من الخبث والمكر سرب الشافعي في نفس الوقت وبشكل عكسي هذه المرة الأخبار ذاتها لكن بطريقة ملغومة عن طريق شخصية برلمانية موريتانية داعمة للنظام وترتبط معه بعلاقات اجتماعية. حيث قال الشافعي للنائب البرلماني المكلف بمهمة ما، إن المخابرات المغربية حصلت بالفعل على تفاصيل ذلك الاتفاق عبر صديقها الجنرال الوفي لها حسب تعبيره محمد ولد الهادي الذي توقف في الرباط خلال رحلته إلى الإمارات العربية المتحدة.
وحسب ما يتوقعه هو ونظرا للعلاقات غير الجيدة بين الرباط وانواكشوط حاليا، فإن تفاصيل ذلك الاتفاق ستكون لا محالة في دواليب مكاتب قادة الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية، التي بدورها ستشعر الرئيس ساركوزي بالأمر لإتخاذ ما يلزم ففرنسا ساركوزي تعتبر أن حربها بالوكالة على الإرهاب في المنطقة يجب أن تستمر وربما لهذا السبب أوكلت إلى خلية ـ فرانس افريك ـ مهمة تمرير الانقلاب العسكري في موريتانيا 2008 ودعم ترشيح الجنرال محمد ولد عبد العزيز للرئاسة بعدها بعام.
وبعد أيام قليلة من عودته من تلك الرحلة المشؤومة وتحديدا في 18 من يناير 2012 أقيل الجنرال ولد الهادي من منصبه.
والحقيقة أن قضية الشافعي ليست سوى القطرة التي أفاضت الكأس وأفاضت غضب عزيز على رفيقه في السلاح ومدير أمنه، فلم يكن هنالك بد من التضحية به وتحميله مسؤولية توتر العلاقة بين النظام وشرائح عديدة من الشعب الموريتاني كان ولد الهادي يجابه مطالبها العادلة بالقمع… والقمع فقط. فضلا عن علاقاته المتوترة دائما مع باقي جنرالات المؤسسة العسكرية.
وفي مساء يوم إقالته عاد الجنرال مهموما وقلقا إلى بيته وبدأت ماكينة أقاربه تلوك القصص والتحليلات الكاذبة والمشوهة لحقيقة عزله، مستندة في ذلك على ما يروى ويحاك في صالونات نواكشوط من أخبار غير دقيقة. ورفع رجل الأعمال محمد ولد نويكظ سماعة الهاتف ليأمر مساعده بصرف راتب شهر إضافي إلى كافة عمال مجموعته التجارية فرحا بهذا الحدث السعيد.
وفتحت صالونات غرمائه أمام ـ شويرات ـ أهل أطار الساقطة.. "الجينيرال الليلة.. والجينيرال البارح".
أسبوع فقط بعد إقالة ولد الهادي أطلق بدر ولد عبد العزيز النار على فتاة تدعى رجاء منت أسيادي خلال جلسة سمر بضواحي نواكشوط، فحمل السعاة الخبثاء وشاية أخرى تقول إن الجنرال يدعي في مجالسه الخاصة أنه وتسبيحه الطويل يقفان وراء تلك "التزبوت ولعماره" العاجلة التي كادت تعصف بابن الرئيس لولا العناية الإلهية التي أنقذت الفتاة "الطائشة" من موت محقق.
لكن الحقيقة أن ولد الهادي كان قد اكتشف قبل إقالته ملفات خطيرة بعضها يتعدى المجال الأمني إلى الاقتصاد، ومن المؤكد أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يطلع عليها حتى الآن بدليل أن المتورطين فيها لا يزالون في مراكزهم الحساسة في هرم الدولة، كما أن أية إجراءات لم تتخذ لوقف تلك الجرائم التي ارتكبوها في حق اقتصاد هذا الوطن البائس.
بعض تلك الجرائم متعلق بملفات تثبت تورط رجل الأعمال الأجنبي حمادي بشرايا في عمليات غسيل أموال عبر شركات مشبوهة استجلبها للعمل والاستثمار في البلاد، وبعضها الأخر متعلق بعمليات تجارية مشبوهة يقوم بها رجل الأعمال الشاب أحمد ولد مكناس في أعالي البحار الموريتانية. وأخرى متعلقة بأمور أخطر يعرفها جيدا سيدي ولد التاه وزير الاقتصاد الحالي والدائم في حكومة مولاي ولد محمد لغظف. ولد التاه الذي استشعر عن طريق جهة ما متحالفة معه في الجرم بأن ولد الهادي قد حصل على تلك الملفات وأنه بصدد تقديمها إلى الرئيس ولد عبد العزيز فور عودته من الإمارات العربية المتحدة، فكان من اللازم التحرك وبسرعة لإنقاذ الرقاب قبل أن تقطع أو يزج بها في غياهب السجون وهو ما تم بالفعل.
فرنسا تدخل على الخط…
يرى بعض المراقبين أن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قد ابتكر لنفسه نمطا وأسلوبا جديدا فيما يخص طريقة التعامل مع الأنظمة الأفريقية الداخلة تحت غطاء ما يمكن تسميته بالنفوذ الفرنسي في المنطقة. حيث حاول إخراج العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة من إطارها التقليدي المحكوم بثوابت، ومحدد بآليات تعاون منها ما هو اقتصادي وإستراتيجي وعسكري ودبلوماسي وحتى ثقافي، لتكون الشخصنة هي الطابع الذي يسم تلك العلاقة.
والمقصود بالشخصنة هنا هو جعل العلاقة بدلَا من أن تكون بين فرنسا ودولة ما على نحو أساسي، تصبح بين ساركوزي ونظام ما، وهو ما فتح عليه الكثير من الويلات أدت لاحقا إلى سقوطه.
وهو ما يفسر أيضا تصريحات بعض المسؤولين الليبيين إبان الأزمة الليبية والتي ذكروا فيها معلومات تم تأكديها على نطاق واسع فيما بعد، تفيد بتلقي صديقنا ساركو لدعم مالي ليبي ضخم مقابل صفقات أسلحة وبترول وأشياء أخرى. كما يفسر كذلك تنامي نفوذ خلية ـ فرانس أفريك ـ التي ارتكبت الكثير والكثير من الجرائم السياسية المالية في حق شعوب المنطقة وموريتانيا تحديدا.
نفس أسلوب التعامل جعل صديقنا عزيز يعرف جيدا من هو ساركوزي، ويتعامل مع تسريبات الشافعي تلك التي ادعى أن ولد الهادي يقف خلفها بكثير من الدهاء والحنكة، فوافق على طلب تقدم به الرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيدالة يقضي باستقبال المدير السابق لجهاز المخابرات الليبي، الطريد عبد الله السنوسي في مارس 2012، وهو الاستقبال الذي خرج على هيئة اعتقال بمطار نواكشوط الدولي.
حصل النظام الموريتاني إذن على صيد ثمين وفي وقت حساس ـ شهرين فقط قبل الرئاسيات الفرنسية ـ، فتغيرت نبرة الحديث بالنسبة للمسؤولين الفرنسيين إلى الدور الأساسي لموريتانيا في محاربة الإرهاب وإحياء السلم في الساحل، كذلك تطابق وجهات النظر بين البلدين في مجمل القضايا الحساسة التي تشهدها المنطقة، مع إشادة مفضوحة بما حققته الحكومة الموريتانية من إنجازات في مجالات حقوق الإنسان والاقتصاد وترسيخ الديمقراطية وحتى البيئة وكرة القدم.
لكن الشارع الفرنسي كانت له كلمته هو الأخر، فالأوضاع الداخلية السيئة لم تعد تحتمل خمس سنوات أخرى من السياسية الساركوزية الفاشلة، فثار على المحتال وعصبته عبر انتخابات مايو 2012، التي أوصلت الرفاق الاشتراكيين ومرشحهم فرانسوا هولاند (57 عامًا) إلى الحكم بعد فرقة دهر، فتغيرت الموازين والمعادلات وكذلك الحسابات وانتفت العلاقة الشخصية على الطريقة الساركوزية مع أنظمة إفريقيا البائسة تلك.
يعتبر الاشتراكيون في باريس النظام الموريتاني الحالي صنيعة ساركوزية بامتياز، كما أنهم لم ينسوا رفضه إبان التنافس المحموم على الرئاسة مع اليمينين، لطلب تقدم به بعض صحفييهم لإجراء مقابلة مع عبد الله السنوسي المعتقل في نواكشوط، كان سيتحدث فيها دون شك عن الدعم المالي السخي الذي قدمه العقيد القذافي لحملة نيكولا ساركوزي 2007، قبل أن يكافئه الأخير برصاصة في الرأس تقول بعض وكالات الأنباء أن ساركوزي نفسه أعطى الأوامر لمطلقها الذي لم يكن سوى عميل للمخابرات الفرنسية في العشرين من أكتوبر 2011.
وكانت الرسائل التي يرسلونها إلى حكام أفريقيا الفرنسية منذ تسلمهم السلطة واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الذكاء لفك شفراتها.
فقرر النظام الموريتاني التعامل مع الوضع الجديد وتخلص في الخامس من سبتمبر 2012 من المستجير المزعج عبد الله السنوسي بتسليمه إلى بلده ليبيا في خطوة أثارت استنكار الكثيرين، وذلك بعد أن سرد كل ما في جعبته للسعوديين واللبنانيين والأمريكيين والإيطاليين والفرنسيين والبريطانيين وغيرهم.
لكن الرئيس الفرنسي الجديد هولاند واصل بعث رسائله المطالبة باتخاذ مواقف أكثر جدية وأكثر مرونة، و تعاونا أكثر نجاعة، مع التأكيد على ضرورة طي صفحة الطريقة الساركوزية وتجاوزها بشكل نهائي. وهي الرسائل التي بدأت تزداد وضوحا شيئا فشيئا مع مرور الوقت.
حيث دعا هولاند في 12 من اكتوبر 2012 في خطاب ألقاه بدكار أمام الجمعية الوطنية السنغالية إلى شراكة متجددة بين فرنسا وإفريقيا تقوم على الاحترام والتضامن والصراحة. مضيفا أن علاقة فرنسا وإفريقيا هي علاقة يجب أن تنبني من اليوم على أسس سليمة، وختم خطابه بكلماته الشهيرة: زمن فرانس افريك قد ولى وسيحل محله الاحترام المتبادل، كما أن فرنسا لا يجب أن تتدخل في شؤون الدول الأفريقية حسب تعبيره. وهو ما جعل المراقبون يعتبرون أن الرئيس الفرنسي كان يقصد بالإضافة إلى بعض الأنظمة الإفريقية الأخرى النظام الموريتاني بالتحديد.
بعد خطاب الرئيس الفرنسي بساعات وتحديدا مساء السبت 13 من أكتوبر أصيب الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بطلق ناري ـ ليس محل بحثنا هنا ـ نقل على إثره إلى باريس في رحلة علاجية دامت قرابة الشهر والنصف، فقرر أن يكون اشتراكيا وأبدى استعداد موريتانيا لتعاون وثيق مع المجتمع الدولي وفرنسا تحديدا بهدف رفع التحديات التي تواجهها منطقة الساحل بعد سيطرة الطوارق وحلفائهم الجهاديين على أكثر من نصف مساحة البلاد.
الطريق إلى تمبكتو…
لم يعجب طرح النظام الموريتاني ورؤيته للموقف في مالي الفرنسيين، فضغطوا أكثر وبشدة، وهم يعالجون جراح ـ الرصاصة الصديقة ـ ويرفضون إعطاء الضوء الأخضر لجهة ما قد تنتهز الفرصة في انواكشوط وتستغل التعبئة الجماهيرية الكبيرة للقيام بحركة غير محسوبة النتائج. فحصلوا على موافقة مبدئية من الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بالمشاركة في المخطط الرامي إلى تحرير شمال مالي من الطوارق بقوة السلاح.
وبالفعل تم الحديث حينها عن مخطط فرنسي يقضي بتوجيه ضربات جوية مركزة بهدف تدمير معاقل الجهاديين ومخازن أسلحتهم في المدن الرئيسية الكبرى بالشمال المالي ـ تمبكتو ـ غاو ـ كيدال ـ مع هجوم بري تقوم به قوات برية مشكلة من مالي وموريتانيا وتشاد والنيجر بدعم من قوات خاصة فرنسية وكذلك دعم استخباراتي فرنسي لاحتلال مواقع تلك التنظيمات التكفيرية وطرد مقاتليها إلى أعالي الجبال.
لكن عودة ولد عبد العزيز القصيرة إلى نواكشوط للمشاركة في احتفالات عيد الاستقلال الوطني كانت كافية بإقناعه من طرف قادة أركانه الجبناء بأن الوضع أخطر بكثير، حيث أن تلك الجماعات قد حصلت على أسلحة ليبية هي في الأصل أسلحة فرنسية بالغت الخطورة، كما أن الخطة الفرنسية غير مقنعة حيث بدا واضحا أن باريس تريد توريط جيوش المنطقة في حربها المدمرة تلك وتنسحب بعد ذلك.
تسارعت الأحداث وبات الجميع يعي جيدا أن فرنسا تستعد للحرب. بدورها قررت الحركات المسلحة والجهادية التحرك نحو هدف إستراتيجي سيرفع عدد الرهائن الفرنسيين لديها من 6 رهائن إلى ستة آلاف ونيف هم تعداد الرعايا الفرنسيين في العاصمة المالية باماكو ، فسيطرت مع بداية العام 2013، على بلدتين في الوسط هما قريتي ـ موبوتي وكونا ـ بعد فرار الجنود الماليين كعادتهم من ساحة المعركة وبات الوضع يتطلب تدخلا عاجلا وفوريا دون العودة إلى بيروقراطيات التنسيق مع الدول والأنظمة.
فبدأت في الحادي عشر من يناير عملية "سرفال" الفرنسية في شمال مالي.
ومع بدء العمليات الجوية قررت كل من النيجر وتشاد المشاركة في الحرب، بينما تخلفت موريتانيا مفضلة عدم المشاركة العسكرية مع تقديم خدمات إنسانية للاجئين الماليين الذين زلزلت المقاتلات الفرنسية الأرض من تحت أقدامهم، لكن اثنتين من مروحياتهم أسقطت، وهنا حق لنا أن نتساءل عما إذا كان مقاتلوا الحركات المسلحة في شمال مالي قد تمكنوا من إسقاط الطائرات الفرنسية.. فما الذي كان سيحدث لطائرات الجنرال محمد ولد لحريطاني التي تسقط وحدها دون الحاجة إلى من يسقطها…؟
يتبع ….
في الحلقة المقبلة… خفايا المواجهة بين مامير و ولد عبد العزيز.
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية