تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

ما إن استقر به المقام في مقعده، حتى التفت إلى الزوجين الغريبين، قبل أن يعود إلى المطالعة في كتابه. مظهرهما يوحى بأنهما ليسا من أهل الفضول. فقد غزا بياض الشيب رأس الرجل، في حين لا يظهر وجه السيدة غير تجاعيد خفية، تعكس أنها صاحبة تجربة فى الحياة ليست بالقصيرة. أما ملامحهما العامة فلم تسعفه بتفصيل كاف للقطع بشأن جنسيتهما، خاصة أن المدينة حدودية مما صعّب عليه الأمر كثيرا، فمن طبيعة هذا النوع من المدن تنوع الجغرافيا البشرية فيه، بحيث تمتزج الملامح، إلى حدّ ذوبان الفوارق أحيانا.

 

غرقت السيدة وزوجها ـ بعد ذلك ـ في حديث بيني، غابا في ثناياه عن تفاصيل المشهد الخارجي، الذي بقى هوّ وحده شاهدا عليه، فقد كان يصغى السمع إلى ما يقولان، مثل محقق يبحث باهتمام بالغ عن الهوية الحقيقة لمتهم، وينتظر بصبر اللحظة التى يضبطهما فيه متلبسين بجرم الإنتماء لرقعة محددة من هذه الكرة الأرضية، التي تقاسمها أبنائها، ذات أيام خلت، كالكعكة ولكن بطريقة أبعد ما تكون من الإنصاف والمنطق.  

 

وقع ما كان يخشاه، فالمعنيان ليسا سوى عربيين طحنتهما رحى الهجرة، وصبغتهما بطابع أهل البلد بعد أن ذابا فيه على ما يبدو اختيارا لا إجبارا. إلا أن لغة الوطن الجديد كانت تخونهما أحيانا فلا يجدا بدا من العودة  لأحضان لغتهما الأم، التي كانت تعطيهما بكرم وحب ما عجزت أمهما الجديدة عن توفيره لهما. كانت تلك اللهجة العربية إذن هي الخيط الذى أوصله إلى هويتهما…

 

تأمل المناظر على جانبي الطريق السيار، وفكر في نفسه، غريبة حقا هيّ أمومة الوطن، لا يتركنا حتى وإن تركناه، ويظل يمنحنا ما نعتقد أننا لن نحتاجه يوما، ونحن نحتاجه في الحقيقة كل يوم

 

محمد أحمد سالم

الأحدث