تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

انتهت أسطورة جواكين "إل تشابو" غوزمان باعتقاله في 22 فبراير 2014، بعد 13 عاما من المطاردة والهروب الدرامي المثير، وهو الذي تتحدث بعض التقارير عن أنه بكم الأموال التي يملكها بإمكانه أن يجد ملجأ في أي مكان على الكرة الأرضية، إلا أن الأمر انتهى بمن كان يظهر على مجلة "فوربس" على لائحة أقوى الناس على وجه الأرض، معتقلا في مدينة كولياكان، على بعد نحو 140 ميلا فقط من معقل تجارة المخدرات التي يقودها في سنالوا.

 

صديقنا "أل تشابو" المسؤول بالمناسبة عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، يعتبر عاشر أغنى شخصية في المكسيك بثروة تقدر بمليارات الدولارات، بينما يصل دخل عصابته سينالوا سنويا من عائدات تهريب المخدرات إلى 3 مليارات دولار، حيث تصل أعمالها إلى العديد من دول العالم.

 

من المكسيك بلده الذي ولد وترعرع فيه، إلى الولايات المتحدة حيث مصدر دخله الأهم، إلى أوروبا، وأخيرا إفريقيا التي يقال إن له علاقات واسعة ببعض المهربين في سواحلها الغربية وتحديدا غينيا بيساو.

 

وقبل ذلك بأقل من سنة وتحديدا في السادس من فبراير 2013 اعتقلت وحدة خاصة من القوات البحرية الأمريكية القائد السابق للبحرية في دولة غينيا بيساو جوزيه أميريكو بوبو نا تشوتو الموضوع على لائحة بارونات المخدرات في العالم، والتي وضعتها الولايات المتحدة سنة 2010، وقد أعتقل قبالة سواحل الرأس الأخضر مع أربعة أشخاص متهمين بالاتجار بالمخدرات والأسلحة ويتخذون من غينيا بيساو مركزا لأنشطتهم غير المشروعة.

 

غينيا بيساو تلك المستعمرة البرتغالية السابقة والبلد الصغير، والفقير، والغير مستقر الواقع في غرب إفريقيا الذي تصنفه الأمم المتحدة بأحد أكثر الأمكنة ملائمة لنشاط أباطرة ومهربي المخدرات ذات الأثر البالغ والذي يعشعش فيه المهّربون كما يحلو لهم، هي ذاتها غينيا بيساو التي كان يعمل بها صديقنا حمادي ولد بشرايا كقنصل شرفي للمملكة الإسبانية قبل أن تسحب منه تلك التمثيلية الدبلوماسية في 2008 كما رأينا في الحلقة السابقة لأسباب غير معلومة.

 

وهي غينيا بيساو ذاتها التي اغتيل رئيسها جواو برناردو فييرا وزوجته صبيحة الثاني من مارس 2009 برصاصات صديقة لكنها قاتلة أطلقها عسكريون غاضبون بعد 23 عاما في السلطة، في حركة أريد لنا أن نعتبرها محاولة لقلب نظام الحكم ـ غير المستقر أصلا ـ بينما ما ورائيات الأحداث أثبتت أن الأمر لا يعدو كونه صراع على شحنه كوكايين قادمة من أمريكيا اللاتينية.

 

وهي ذاتها غينيا بيساو التي كانت الحافلات والزوارق وحتى الطائرات المحملة بالكوكايين المنطلقة منها تتخذنا معبرا إلى الضفة الأوروبية وذلك تحت حماية ـ جهة ما ـ وفق ما أفاد به أريك والتير للمحققين السنغاليين والموريتانيين على حد السواء.

 

وهي ذات غينيا بيساو التي زارنا قائد أركانها الجنرال آنتونيو انجاي المتهم أيضا بتجارة المخدرات وأركان بحريتها جوزيه أميريكو بوبو نا تشوتو في الخامس عشر من شهر ديسمبر2010  قبل أن توقفه الولايات المتحدة ـ ضاعف الله لنا ولها الأجر ـ قبالة سواحل الرأس الأخضر في 2013، واجتمع مع أغلب المسؤولين السامين في البلاد بما فيهم الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، وقد تناول اللقاء حسب الوكالة الموريتانية للأنباء التعاون الثنائي بين البلدين وسبل مكافحة الهجرة السرية والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات.

 

كما تفّقد ذلك الوفد المريب بعض المنشآت الحيوية في العاصمة أبرزها ميناء الصداقة ـ هناك حيث اختفى الدركي سيدي ولد يطن ـ وزار مدينة انواذيبو الساحلية، وفي الأخير قابل بعض الشباب الذين يعرفهم في "برص" بيع السيارات قبل أن يقتني عددا من الهواتف المحمولة والعطور والقمصان ويرحل..

 

تسارعت الأحداث إذن واختلطت الأمور بشكل متشابك ومقلق، لكن صديقنا حمادي كان يشعر بارتياح كبير فهو بعيد كل البعد عن كل تلك الضوضاء المزعجة أو هذا ما تخيله له نفسه على الأقل، بينما دخل غيره المصيدة.

 

الأسئلة المحيرة…

 

بالعودة إلى "أل تشابو" أو روبن هود الفقراء كما يحلوا للبعض تسميته خرجت بعض التقارير بعد اعتقاله في المكسيك، تتحدث عن شبكة علاقاته الواسعة. وكان بعضها يهتم تحديدا بملياراته التي يستثمرها رجال أعمال مرتبطين بشكل وثيق بشبكته في عدة دول من العالم أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها! وحتى الضابط الغيني بيساوي نفسه كانت هنالك معلومات متداولة على نطاق واسع عن إمكانية أن يكون نسخة مصغرة ـ إفريقية ـ من أل تشابو، يستثمر هو الآخر الأموال التي اكتسبها عن طريق المتاجرة بالمخدرات والأسلحة في بلدان عدة، وهو ما يجعلنا نتساءل.. لماذا زار كل من آنتونيو إنجاي وجوزيه أميريكو بوبو نا تشوتو موريتانيا في تلك السنة بالذات؟ وما طبيعة علاقتهما ببعض رجال الأعمال الموريتانيين؟ وأين أقاما خلال تلك الزيارة المريبة خاصة عندما زارا مدينة نواذيبو الشمالية؟ وما هي حقيقة المعلومات التي تم تناولها مؤخرا عن أن قائد الأركان طالب السلطات الموريتانية بإطلاق سراح أريك والتير وعصابته؟

 

الأسئلة كثيرة ومحيرة حقيقة، تتراقص في أذهاننا باستمرار دون توقف أو كلل…

 

ما هي حقيقة المعلومات التي تقول بأن رجل أعمال موريتاني شاب يدعى (يعقوب) يملك إحدى أكبر المؤسسات الأمنية الخاصة والمختصة في مجال الحراسة في البلاد قد تم توقيفه والتحقيق معه مطلع العام الجاري بالولايات المتحدة الأمريكية، وأفرج عنه بعد دفع كفالة مالية كبيرة على أمل أن يعود فور إستدعائه من طرف القضاء الفدرالي الأمريكي لمواصلة التحقيق؟.

 

البحث والتقصي قادنا إلى أن نفس شركة الحراسة والمتعاقدة مع عدد من شركات التعدين في البلاد توظف على قائمة مسؤوليها المتهم رقم: 8 على لائحة أريك والتير وميني ولد السوداني وبالركلل ولد كريميش وسيدي أحمد ولد الطايع، المدعو عالي ولد مولاي.. فهل هي مجرد صدفة؟.

 

البحث والتقصي قادنا أيضا إلى اكتشاف وجود صديقنا حمادي بشرايا ضمن المسافرين على متن طائرة الرئيس الموريتاني المنتخب محمد ولد عبد العزيز ضمن وفد رجال الأعمال المرافقين للرئيس بتاريخ: 25 سبتمبر 2009 والمتجهة إلى فنزويلا، بمناسبة انعقاد القمة الثانية لرؤساء دول وحكومات بلدان أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وهي أول زيارة لمسؤول موريتاني بهذا المستوى إلى إحدى بلدان أمريكا الاتينية كما أنها أول رحلة للرئيس الجديد خارج البلاد.

 

فما الذي يفعله مواطن إسباني الجنسية صحراوي الأصول في قمة رؤساء دول وحكومات بلدان أمريكا الجنوبية وإفريقيا، ضمن وفد موريتاني رسمي؟.

 

وتحت أي ضغط أفرج القضاء الموريتاني عن ابن أخيه وسميّه حمادي ولد بشريا "الصغير" بعد توقيفه نهاية 2007 رفقة أشخاص آخرين متلبسين بجرم نقل عدة كيلوغرامات من الكوكايين في سيارته؟.

 

وعاد الفتى الذي يحمل الجنسية الإسبانية إلى أسبانيا ليرجع بعد أشهر كموظف كبير في شركة تازيازت ويتنكر لكل ماضيه غير المشرف.

 

البحث قادنا كذلك إلى اكتشاف تغييرات كبيرة أجراها الجنرال نجاغا جنغ في السابع و العشرين من شهر أغشت 2013، وكان من ما لفت انتباهنا في تلك التغييرات أنه تم استجلاب ضابط شاب يدعى الدي ولد بمب ولد اليزيد من دورة تدريبية في فرنسا ليعين على أهم نسق أمني تابع للدرك، وهو النسق الممتد من مدينة انواذيبو شمالا إلى روصو جنوبا مرورا بانواكشوط وميناء الصداقة، هنالك حيث اختفى الدركي سيدي ولد يطن.. فهل يمكن لهذا الضابط الشاب أن يجيبنا على السؤال البسيط أين الدركي سيدي ولد يطن؟.

 

حلق بنا التساؤل بعيدا إلى الولايات المتحدة الأمريكية…

 

لماذا دفعت الحكومة الموريتانية مبلغ مليون دولار مقابل تقرير اقتصادي أعدته جريدة Financial Times الأمريكية وحفل عشاء فاخر في فندق Willard Intercontinental  لتحسين صورة البلاد شهرين بعد توقيف "أل تشابو"، وأشهرا قليلة قبل الانتخابات الرئاسية؟.

 

لماذا هروّل فد وزاري وبرلماني رفيع ـ لكن مستواه عكس ذلك ـ قبل أسابيع قليلة إلى عاصمة المكسيك مكسيكو سيتي حيث يقبع "أل تشابو" في زنزانة انفرادية، للمشاركة في اللقاء الأول العالي المستوى حول الشراكة العالمية من أجل التعاون في مجال التنمية الشاملة، وتكون الوفد الموريتاني من وزير المالية تيام جمبار ووزير الشؤون الاقتصادية والتنمية سيدي ولد التاه، ومن البرلمانيين النائب في الجمعية الوطنية محفوظ ولد الجيد وعضو مجلس الشيوخ سوماري عمر؟.

 

وخرج خلال اللقاء الذي اعتبره المراقبون عديم الجدوى والفائدة والمشاركة فيه بهذا الوفد الكبير العدد مضيعة للوقت والمال والجهد، خرج النائب الفكاهي محفوظ ولد اجيد بقوقعة إعلامية أعلن من خلالها أن مشاركة موريتانيا في اللقاء الهدف منها هو تسويق فكرة ـ برنامج الأمل ـ وأن نواكشوط هي المدينة الإفريقية الوحيدة التي ترأسها سيدة بل وحتى إنها سبقت باريس في ذلك. وهو ما جعله محط أنظار وسخرية المشاركين الذين تساءل العديد منهم أين تقع موريتانيا؟.

تماما كما يقول الشاعر:

 

أماتَكُمُ من قَبلِ مَوْتِكُمُ الجَهْلُ

وجَرّكُمُ من خِفّةٍ بكُمُ النّمْلُ

 

واصل صديقنا حمادي إذن مدّ شبكة علاقاته في كافة أجهزة الدولة، وأصبحت شركاته العديدة والمتنوعة تحصل في كثير من الأحيان على صفقات هامة، كما فتح له الباب واسعا للمشاركة في مشاريع عدة بشتى الميادين الاقتصادية.

 

لكن شخصية أخرى كان يتوقع أن تكون أقوى منه وأخطر كانت تنظر عن كثب إلى تحركاته، وعلى كافة المستويات كانت تتحين الفرصة للتخلص من هذا الوافد المشبوه والمتسلق الشره، غير أن الأحداث أدت إلى ميل كفة الصراع لصالحه، ذلك الصراع الذي يمكن القول بأنه ليس من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض أو من أجل الوطن وبالتالي لا ناقة لنا فيه ولا جمل.

 

وتمكن حمادي من هزيمة أقوى منافسيه وأخطرهم رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو الذي غادر البلاد غاضبا ولم يعد حتى الآن.

 

صراع الرجلين على السلطة والمال والنفوذ هو ما يفسر هجوم بعض الأقلام المحسوبة على الأخير بين الفينة والأخرى على بشرايا واتهامهم له بالمتاجرة في المخدرات. شخصية أخرى كانت تعتبر حمادي بشرايا يشكل خطرا على نفوذها وخيوط علاقاتها المشبوهة ليس في موريتانيا فقط بل في المنطقة على العموم، وهي المصطفى ولد لمام الشافعي الذي يقلقه كثيرا وجود حمادي على الساحة باعتبار أن الاثنين مرتبطين بشكل أو بآخر بالمخابرات الإسبانية ويقدمان لها كل حسب تخصصه ومجال نشاطه الكثير من الخدمات.

 

والمثير في قضية حمادي هذه أن منافسيه المعارضين والمغاضبين حددوا له التهمة التي يجب إلصاقها به على الدوام بين سطور مقالات صحفييهم المرتشين وساستهم الذاعنين، ألا وهي تهريب المخدرات ذات الأثر البالغ، وكما يقول المثل الحسّاني "أخبر هومّ"، لكن صديقنا كان يخرج في كل مرة منتصرا حتى في معركته مع من كان سبب دخوله إلى دهاليز السلطة والنفوذ بالبلاد رجل الأعمال حسنّ ولد أحمد لعبيد والجنرال محمد ولد الهادي.

 

كيف سقط الجنرال محمد ولد الهادي…؟

 

أعلن في 18 من يناير 2012 عن إقالة الجنرال محمد ولد الشيخ ولد الهادي من منصبه كمدير عام للأمن الوطني، وتعيينه في منصب هامشي كأمين عام لوزارة الدفاع، بينما عين خلفا له الجنرال المتدين والمسالم أحمد ولد بكرن والذي يدعو الله كل مساء أن يحين وقت تقاعده حتى ينجوا بجلده.

 

أنزل الجنرال محمد ولد الهادي من عليائه ليركن في مكتب مهترئ لا حمام له بوزارة الدفاع الموريتانية، وهو الذي شهد مع رفاقه المواقف الصعبة كلها على مدى أربع سنوات.

 

وكان التعليق الأول الذي تم تداوله بعد تلك الإقالة المفاجئة هو ما نقل عن رجل الأعمال المغاضب محمد ولد بوعماتو الذي أعلن لمقربين منه أنه رضي على النظام بنسبة 50%، وإن الـ50% الباقية متمثلة في إبعاد حمادي بشرايا والى الأبد.

 

كما نظمت الفنانة علية منت اعمر تيشيت حفلة ـ أنشدت فيها أبيات حرب ـ بالمناسبة بضواحي نواكشوط حضرها الجنرال مصغارو ولد أغويزي المحسوب على حلف قائد الأركان الجنرال محمد ولد الغزواني غريم ولد الهادي التقليدي.

 

سقوط ولد الهادي أثلج صدورا كثيرة كان أغلبها من داعمي النظام الحالي، وخاصة من بني عمومته مجموعة رجال الأعمال التي قبضت عليها شرطته مطلع 2010 بتهمة السرقة.

 

يؤكد العارفون بخفايا ـ الحركة التصحيحية ـ صبيحة السادس من أغشت 2008 أن الوحيد الذي علم بقرب إقالة الضباط الكبار في المؤسسة العسكرية من طرف الرئيس سيدي ولد الشيخ ولد عبد الله هو ولد الهادي، والوحيد الذي نبه رفاقه بمخطط الرئيس ولد الشيخ عبد الله ومحيطه الساعي إلى إقالتهم وتعيين آخرين مكانهم هو ولد الهادي .

 

والوحيد الذي تواجد في كتيبة الحرس الرئاسي صبيحة ذلك اليوم الأسود من تاريخنا الديمقراطي القصير هو ولد الهادي. جاء حينها وكان في وضعية المستعد للقتال في سبيل ما يعتقد أنه حماية موريتانيا من حرب أهلية وشيكة، ولنصرة رفاقه الذين يعود لهم الفضل بإعادته إلى البلاد بعد سنوات من الإبعاد إلى المغرب يتهم الرئيس السابق معاوية ولد الطايع بالوقوف ورائه.

 

وفي نفس الوقت تمكن المسكين افيل ولد اللهاه من الدخول إلى الكتيبة لاهثا كالكلب، ويتطاير لعابه فزعا من هول الصدمة، قبل أن يطمئنه ولد الهادي بأنه ليس هنالك ما يدعو للقلق…!

 

سنة من الأزمة.. كان ولد الهادي حاضرا فيها بقوة، ومستعدا لفعل أي شيء في سبيل تمرير الانقلاب وتثبيت أقدام رفاق السلاح في الحكم، حتى وإن اقتضى الأمر ضرب النساء المعارضات وسحلهن بشكل مهين وسافل على أرصفة طرقات انواكشوط الوسخة.. لا يهم.

يتبع ….

في الحلقة السادسة… فرنسا تدخل على الخط .

 

نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو"

الأحدث