جدول المحتويات
كذلك خرج إمام عصره في القراءات ولسان العرب، محمد بن مالك من المغرب (لأسباب مجهولة لدى الباحثين عكس أسباب خروج البغدادي من بغداد) فشرفت به بلاد الشام وأصبح إمامها المقدم وعلامتها المعظم، حتى كتب الإمام البوريني على الصفحة الأخيرة من نسخته من صحيح البخاري التي خطها بيمينه (لديَ نسخة مصورة من المخطوطة) منوها بها ومنبها إلى ما تمتاز به عن غيرها من النسخ، أنها عرضت بحضرة إمام اللغة في زمانه؛ محمد بن مالك؛ فكان إذا ضبط (ابن مالك) الكلمة بوجه واحد ضبطها الناسخ (البوريني) وإذا ضبطها بأكثر من وجه اتّبع توجيهه في ذلك. ثم بقينا – معشر المغاربة – نتشبث بما هو مثبت في تراجم الرجل (ابن مالك) عن أصله ومهاجَره المغربي / الأندلسي؛ افتخارا به واحتضانا لتراثه، بعد أن فرطنا في احتضان شخصه المعطاء ذات يوم…!
تذكرت هذين المثالين وأمثالهما وأنا أتابع (وإن عن بعد) سلسلة المحاضرات الربانية والدروس النافعة التي قدّمها ويقدمها علّامة عصرنا ومفخرة مِصرنا الشيخ محمد الحسن ولد الددو، في مختلف مقاطعات العاصمة ومساجدها، ردًّا من الرجل بالإحسان على إساءتنا (بل إساءاتنا) المشؤومة على فضيلته.
أجل! لقد قابلنا نعمة الله علينا بوجود هذا العَلَم (الذي تشرئب أعناق طلبة العلم وحَمَلتِه في أصقاع الدنيا إلى الجلوس معه أو الاستماع إلى حديثه والانتفاع بعلمه وسمته، بلهَ نيلَ شرف انتمائه إلى أقطارهم) بين ظهرانينا؛ باذلا للعلم غارسا للقيم ناصحا أمينا لقمتنا وقاعدتنا… قابلنا هذه النعمة بكفرانها؛ قصرَ نظر وضيقَ أفق من القائمين على شأننا العام؛ فأغرينا بالرجل سفهاءنا (من فلول المنهزمين) بالتعيين في الوظائف السامية، محاولة للنيل من مكانة الرجل بكتاباتهم المشوشة ومقالاتهم الممجوجة، قبل أن نتعامل ذلك التعامل المشين مع الاعتداء الجسدي الآثم على فضيلته، ثم محاولة النيل المعنوي من إشعاع الرجل وعطائه المعرفي والثقافي والدعوي، بحل جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم، التي شكلت لمرتاديها – من جميع الموريتانيين – محضنا تربويا ربانيا، وساحة ثقافية نظيفة، ومنارة علمية مشعة، طيلة سنوات عملها الغرّ، ثم كان حلّ الجمعية و"مصادرة ممتلكاتها" بحجج أوهى من بيت العنكبوت، لعل من أنهضها للاحتجاج؛ أنها كانت تمارس الدعوة (غير المرخصة) إلى الله تعالى!
كل هذه الإساءات التي "وجهناها" إلى الشيخ ومشروعه الإصلاحي، يقابلها فضيلته (كعادته وعادة علماء الأمة المصلحين من قبله) بإحسانه إلينا؛ بثا للعلوم النافعة في صدورنا وإشاعة للقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة في صفوف شبابنا تحصينا لهم من عدوى الإفراط، وترفعا بهم عن إسفاف التفريط.
أدرك أن التصرفات الحمقاء التي تقدم عليها الأنظمة لا يمكن أن تحمل الشعوب تبعاتها (يحسب للشعب الموريتاني التفافه المستحق حول الشيخ ومشروعه الإصلاحه) غير أن تصرفات رسمية بهذا الحجم من الرعونة لا بد أن تطرح السؤال بجدية وتخوف؛ عن مدى استحقاقنا لأمثال هذا الشيخ المصلح؟!
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية