جدول المحتويات
لن أغوص كثيرا في الأسباب التي كانت وراء ذلك لأن الكل يعلم تسلسلها ابتداء من الفترة التي أعقبت انقلاب 2005 و ما اعتُبرَ حينها من طرف "مراسلون بلا حدود" قفزة كبيرة لصحافة وليدة في بلد فتي؛ لكن تلك القفزة في مجال الحرية التي أصبح الصحافيون و أشباهُ الصحافيين ومنتحلو صفة الصحافيين والمتطفلون عليهم يتمتعون بها، لم تصاحبها قفزة أو هرولة إلى الأمام من سالفي الذكر و أختار الصحافي الموريتاني أن يقيد نفسه بكثير من الاعتبارات و شاء القدر أن يكبله بكثير من الظروف ويرميه في بيئة غير ملائمة.
في هذا السياق أحاول أن أسلط الضوء على بعض معيقات تطور الإعلام الموريتاني مسلما بأن الحرية كما كنت أقول دائما ليست هي ما ينقص صاحبة الجلالة في بلاد شنقيط.
أولا: ظروف خارجة عن إرادة الصحافيين و أذكر منها مايلي:
1 غياب التكوين المهني و في أحسن الحالات ضعفه ضعفا عضويا قاتلا؛ فمهنة الصحافة إما أن تدرسها نظريا وتطبقها عمليا وتكون بذلك حصلت على أوراقك الثبوتيه دون أن تكون بالضرورة مواطنا صالحا، و إما أن تكون هواية تصقلها بالممارسة من خلال التتلمذ على مؤطر ذي خبرة سبقك للميدان، لكن للأسف تغييب مراكز أو معاهد التكوين ويغيب المؤطرون في موريتانيا لأن من يعتقد أنهم مؤطرون إنما سبقوا أصحاب هذا الاعتقاد الخاطئ للمهنة و هم لم يجدوا من يؤطر هم ولم يتلقوا دروسا نظرية، وفاقد الشيء لا يعطيه.
2 هزالة الأجور: فالصحفي الموريتاني يتقاضى أجرا هزيلا لا يكفيه لسد حاجياته الشخصية، أحرى إن كان معيلا لأسرة ناهيك عن غياب عقود عمل ولن أحدثك عن التأمين..إلى غير ذلك من الأشياء التي تبدو أقرب إلى كابوس منها إلى الحلم أحرى أن تكون حقيقة.
3 بيئة مأبوءة وجسم فاقد للمناعة حيث إن الصحافة الموريتانية هي مهنة كل من هب ودب وكل من تقطعت به أوصال الأمل وضيقت عليه البطالة أراضين الفرص الأخرى، وهذا وَلَّدَ أبناءً غير شرعيين للصحافة الموريتانية يسيئون إليها بتصرفاتهم وطمعهم وجشعهم وهرولتهم وراء هبات المسؤولين ومنظمي التظاهرات فأصبح الصحفي لوحة تحكم تطبعُ عليها أصابعُ من يمنح أكثر في أسوء مزاد علني عبر العالم.
ثانيا: معوقات يضعها الصحافيون أمامهم ( الصحافيون هنا أقصد بها من يقتاتون من مهنة الصحافة وليس بالضرورة الصحافيين الحقيقيين) ومن تلك المعوقات أذكر على سبيل المثال لا الحصر.
1 البحث عن منافع: عطفا على ما كتبت آنفا فالصحفي في موريتانيا ليس عاشقا للحقيقة منتصرا للمهنية باحثا عن المعلومة الصحيحة قاصدا مد الجمهور بها متعبا نفسه في العض بالنواجذ على المصداقية، ـ والكلام هنا عن السواد لأعظم ففي موريتانيا صحفيون أكفاء يتحلون بكل صفات الصحافي المهني ـ و إنما هو عبدٌ لمطامعه المادية وذلك ورم وبائي جَلبَه على الصحافة القادمون من مشارب جافة.
2غياب المهنية وهي عماد العمل الصحافي لكنها في صحافتنا محذوفة من قائمة اهتمامات الصحافيين فلا هم مهنيون من حيث تناولهم للخبر ولا من حيث اهتمامهم بالمواضيع. ولا هم حرفيون من حيث كتباتهم وهنا تبرز بجلاء ضحالة الكتابة الصحافية في موريتانيا، فقليل منهم من سمع عن قاعدة الهرم المقلوب، وثلة منهم من يفرقون بين الخبر والتعليق والرأي دون أن أدخل في بقية الأجناس الصحفية سواء كانت أجناس الإخبار أو الرأي.
3 انخراط الصحافي في التجاذبات السياسية وهي نفخة اسرافيل في صور الإعلام الموريتاني فالصحافيون باتوا ناطقين إعلاميين أو أبواقا للأغلبية أو المعارضة، متخندقين مع هذا الطرف أو ذاك، ناسين أو متناسين أو غير واعين وهي الأرجح بأن الصحافي هو الموضوعية وهو الحياد.
4 الحرية والمسؤولية: سببُ كتبة هذا المقال هو الحرية في بلادنا، لكن أين هي المسؤولية التي هي الطرف الآخر والجناح الآخر الذي لا يمكن بدونه أن يحلق طائر الإعلام؟ الجواب هي غائبة أو مرجومة أو موءودة، وللأسف مادامت المسؤولية غائبة فلا يمكن الحديث عن صحافة.
يا معاشر الصحافيين ليس بالحرية وحدها تكون الصحافةُ صحافة.