تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

 لكننا قررنا أن لا نتوقف..

أولا: من أجل موريتانيا،

وثانيا: حتى يظهر الدركي سيدي ولد يطن ليس لشيء آخر.

 

كانت المحاكمة التي بدأت في فاتح فبراير 2010 مثيرة جدا، وكان الملف رقم  ـ  769 – 07 ـ  المثار أمام هيئة المحكمة  منذ العام 2007 واحدا من أكبر الملفات التي عرضت على القضاء الموريتاني في تاريخه. بينما كان عدد المتهمين يفوق الثلاثين، كذلك كان المحامين على مستوى الحدث أو على مستوى بعض المدانين إن صح التعبير.

 

وكان المفوض الرئيس دداه ولد عبد الله مدير أمن الدولة السابق هو من تولى التحقيقات مع أغلب المشمولين في الملف بما فيهم ابن أخته عالي ولد مولاي صهر ميني ولد السوداني والمتهم رقم 8.

 

وكان الجالسين في قفص الاتهام هم على التوالي: كان صيدو ـ المصطفى الذهبي ـ أميكان أريك والتر ـ ستوني نبيل سمير جميل ـ سيدي أحمد ولد الطايع ـ محمد الفقيه ـ يحيى ولد اعبيد الرحمن ـ ميني ولد السوداني ـ باركله ولد اكريميش ـ عالي ولد مولاي ـ بويه أحمد ولد السالك ـ سيداتي ولد بوشعاب ـ محمد عيسى ولد أحمد ـ ميجل انخيل كالدروس ابرس ـ اخوان كارلوس استروره ـ الشيخ بالدي ـ محمد ولد ابيجه ـ اعل ولد أحمد ديه ـ عثمان ولد ادميس ـ بوبكر أحمد حميد سي ـ أحمدو ولد باكي ـ محمد ولد أحمد سالم ـ خطري ولد أحمد قاسم ـ اعلي ولد شيغالي ـ الشيخ عبد الله ولد البشير ـ أحمدي ولد محمدو ـ المختار السالم ولد سيدي محمد ـ أحمد ولد ويسات ـ لمسافر ولد العتيق ـ سيدي أحمد ولد اكريبه ـ ميشل هاني اكريمي ـ افريدريك.

 

وإلى اليوم لا يزال الغموض يلف مصير باقي الأعضاء الذين حقق معهم وسرحوا على وجه السرعة من مبانى الأجهزة الأمنية، ومن ضمنهم على سبيل المثال المدعو محمد بوي ولد لدهم وهو صهر أعل ولد محمد فال ـ زوج سهام ابنة أخت أعل ـ، وشقيقته هي حرم الجنرال البحري إسلك ولد الشيخ الولي القائد الحالي لأركان البحرية الوطنية.

 

فكيف تمكن من النجاة؟

 

وفي الحادي عشر من شهر فبراير 2010 صدر الحكم على المتهمين، وكان دون ما توقعه المراقبون نظرا لجسامة الجرم المتلبسين بارتكابه.

 

حيث أدين قادة العصابة البارزين، أريك والتير وميني ولد السوداني وباركلل ولد كريميش وصيدو كان وغيابيا يحي ولد اعبيد الرحمن بالسجن النافذ 15 سنة وغرامة مالية بلغت عشرة ملايين أوقية على كل واحد منهم. بينما حكم على البقية بأحكام أخف من ذلك، وحكم على الضابط في سلك الشرطة سيدي أحمد ولد الطايع بالسجن النافذ لمدة سبع سنوات وبرئ آخرون.

 

وراء كل ثروة عظيمة  جريمة … Honoré de Balzac

 

كانت الصورة شبه واضحه بالنسبة لبعض المحللين والمتابعين للملف، وكان الكثير من المطلعين بخفاياه وأسراره  يدركون جيدا أن هنالك "شيء ما" يعبر الأراضي الموريتانية منذ سنين وتحت حماية ورعاية بعض أجهزة الدولة، وأن وراء الأكمه ما ورائها.

 

 كما كان هنالك أيضا من يعرف أن وراء تلك الثروة الطائلة والعظيمة لأغلب رجال أعمال البلد جريمة ما، وليست تلك الجريمة سوى نقل أطنان الكوكايين والعبور بها الأراضي الموريتانية بغية تهريبها إلى أوربا، وكان أعل ولد محمد فال الرئيس السابق ومدير أمن ولد الطايع لمدة 20 سنة يعرف جيدا ما يحصل، بل ويتهم بأنه من يؤمن مرور تلك البضاعة السامة ويحمي ناقليها لا لشيء فقط لوجه الله.

 

كما كان بعض القادة الأمنيين الكبار أبرزهم الجنرال نجاغا جنغ، والمفوض الرئيس ولد آده وآخرين، متورطين رفقة مجموعة من كبار رجال الأعمال الهامين في البلد.

 

وقبل تجاوز الحكم الصادر على أعضاء عصابة والتير نجد أنه من المضحك أن الصحفي المسكين عبد الفتاح ولد اعبيدنا الذي حكم عليه سنة 2007 بالسجن النافذ لمدة سنة بتهمة التشهير، ألزم بدفع غرامة مالية تبلغ 300 مليون أوقية ـ حوالي مليون دولار ـ  لصالح رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو بعد أن أدين بتهمة التشهير والقذف واستجلب من دولة الإمارات مقيدا ليقبع في ليمان دار النعيم الرهيب. بينما أباطرة تهريب المخدرات يحكم عليهم بغرامات مالية أقل.

 

اتهم ولد اعبيدنا في مقال كتبه وكان هو سبب البلاء والشقاء عليه رجل الأعمال بوعماتو بالتورط في تجارة المخدرات، لكنه استفاد من عفو رئاسي في شهر إبريل 2009. وهو نفس العفو الذي استفاد منه بعض المشمولين في الملف رقم  ـ  769-07 ـ بعد ذلك بسنتين وتحديدا في الخامس عشر من شهر فبراير 2011 حيث صدر مرسوم رئاسي يقلص عقوبة بعض المدانين وهو ما يعني الإفراج عنهم بعد أن أمضوا المدة المحددة في السجن، وجاء ذلك العفو بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف وقد شمل إضافة إلى المسجونين في هذا الملف الناشط الحقوقي بيرام ولد الداه ولد اعبيدي.

 

وقبل ذلك بسنة غادر البلاد رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو دون أن يتمكن أحد من فك لغز هذا الرحيل المفاجئ الذي أسال الكثير من الحبر. غادر ولد بوعماتو بعد أن أفرج عن ولد أعبيدنا بعفو رئاسي دون أن يتمكن من دفع الغرامة المستحقة له عليه..!

 

لكن هنالك من يعتقد أن ذلك ليس سببا كافيا يجعل رجل الأعمال الشهير يحزم أمتعته ويرحل هكذا دون سابق إنذار، فاتحا الباب واسعا أمام الكثير من التساؤلات والتكهنات. أهمها ما هو السبب الحقيقي لرحيله؟.

 

كيف تحول ولد بوعماتو من حليف قوي وركن  رئيسي من أركان النظام الجديد وأحد أبرز داعميه، والذي دعا في ملحمة عرفات يوليو 2009 كل من ـ يعرف فيه معروفا ـ إلى التصويت في الانتخابات للمرشح ولد عبد العزيز، فهو حسب قوله الوحيد القادر على تخليص البلاد والشعب من أولئك ـ البنضيات ـ كيف تحول إلى شخص غير مرغوب فيه؟.

 

ولماذا قرر الرحيل  وهو الموشح من طرف الرئيس الجديد محمد ولد عبد العزيز بوسام فارس في نظام الاستحقاق الوطني يوم عيد الاستقلال الوطني في حين يقبع منافسوه من رجال الأعمال ـ غير الشرفاء ـ في السجن المركزي بتهمة السرقة؟. كيف يرحل وهو المتحصل على حوالي خمسة عشر مليار أوقية كديون مستحقة  ـ أو ربما غير مستحقة ـ لشركاته على الدولة سنة 2009؟.. وهو ما يفسر على الأقل أن النظام الجديد لم يكن له الكثير من العداء…!

 

صدقت نبوءة العجوز الثري إذن عبد الله ولد نويكظ رحمه الله حين قال في إحدى مجالسه الخاصة إبان ما بات يعرف بأزمة رجال الأعمال والنظام وتعليقا على توشيح ولد بعماتو من طرف رئيس الجمهورية ولد عبد العزيز "إن عزيز وبعماتو مجرد تمساحين في حوض واحد ويوما ما سيأكل أحدهما الأخر أو يتخلص منه".

وبالفعل خرج رجل الأعمال ولم يعد حتى كتابة هذا التحقيق. وبقيت السؤال الأهم يطرح نفسه ما هو سر الخلاف بينه والرئيس ولد عبد العزيز؟ ولا شك أن كليهما يملك الجواب.

 

الرجل اللغز…

 

تغيرت الإستراتيجة الأمنية والسياسية مع وصول ولد عبد العزيز إلى الحكم، ودخلت البلاد في عهد جديد تميز على المستوى الأمني بمضاعفة الرقابة على الحدود عبر سلسلة من الإجراءات الأمنية والإدارية القوية، والتي كان الهدف من ورائها حسب ما هو معلن هو محاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والتي من أبرزها تهريب المخدرات ذات الأثر البالغ.

 

وعلى المستوى السياسي وضع النظام الجديد الخطوط العريضة لتصور ملامح هيكلته السياسية التي أراد من خلالها ومنذ الوهلة الأولى لانقلاب السادس من أغشت 2006، ضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية ومسح الطاولة المهترئة وفق منظور أزعج الكثير من الفاعلين السياسيين أطلق عليه وصف ـ تجديد الطبقة السياسية ـ في البلاد.

 

وبالفعل حملت رياح ذلك التغيير الجارف شخصية لم تكن قط معروفة على أي من المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية ولا حتى الاجتماعية في موريتانيا إلى هرم السلطة والنفوذ. إنه حمادي بشرايا جمعه محمد أو حمادي ولد بشرايه، وهو رجل أعمال صحراوي ويحمل الجنستين المغربية والإسبانية، وقد أصبح خلال سنوات قليلة أحد أهم رجال الأعمال الجدد في البلاد.

 

ينتمي بشرايا (62 عاما) إلى قبائل الصحراء الغربية، لكن بعض إخوته وخاصة المرحوم احميده ولد بشرايا كان من أهم رجال الأعمال في مدينة انواذيبو شمال موريتانيا، وكان رجلا ذا مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة ومحترمة.

 

كان ولد بشرايا يعمل كقنصل شرفي للمملكة الإسبانية في غينيا بيساو، وفي سنة 2008 سحبت منه تلك التمثيلية الدبلوماسية لأسباب غير معلومة. وفي بداية نفس السنة توسط في لقاء جمع بين نجل الرئيسة السابقة ختو منت البخاري ومجموعة من رجال الأعمال لم يتمكن الفتى الطائش من تحديد جنسياتهم، وكان الهدف من اللقاء الذي عقد في فندق فاخر بالعاصمة الإسبانية مدريد هو تسهيل الفتى لبعض الإجراءات الإدارية التي تعرقل  ما قالت مجموعة رجال الأعمال تلك إنه إطلاق مشاريع استثماراتية معتبرة في مجال النقل والطاقة والمصارف بموريتانيا.

 

كان ذلك أشهرا قليلة قبل الانقلاب العسكري الذي أطاح بختو منت البخاري…

 

على هامش الاجتماع عبر أحد رجال الأعمال والذي قال الفتى فيما بعد إن لكنته تدل على انه غير إسباني، عن إعجابه الشديد بالهيئة الخيرية التابعة للسيدة الرئيسة والتي قال رجل الأعمال الغريب، إنها من أهم المنظمات العاملة في مجال العمل الخيري بغرب إفريقيا ـ على الرغم من أن نشاطها بدأ منذ أشهر فقط، وتوجد مطالب برلمانية للتحقيق في مصادر تمويلها. أمر مريب فعلا..؟.

 

وبالفعل تعهد الفتى لحمادي ومجوعته بتدبير لقاء لهم مع السيدة الأولى خلال أقرب فرصة ممكنه. وهو اللقاء الذي كان مبرمجا قبيل الزيارة التي قامت بها ختو منت البخاري رفقة زوجها الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله لمدريد أسابيع قليلة قبل الانقلاب، لكنه لم يتم أبدا.

 

وجاء ما أطلق عليه تيمنا الحركة التصحيحة صبيحة السادس من أغشت 2008، ليجد نجل منت البخاري نفسه في ورطه حقيقية حيث كان قد تسلم عمولة من طرف رجال الأعمال آنفي الذكر، وقد حان الوقت لاسترجاعها بعد فشل المخطط المريب.

 

فتدخل حمادي بشرايا وعالج الموضوع على طريقته…!

 

لكن مصالحه بقيت معلقة وبات عليه أن يبحث عن مصدر جديد يأخذه إلى دهاليز السلطة الناشئة في نواكشوط، فقاده البحث إلى رجل الأعمال والقيادي في الحزب الحاكم حاليا حسنّ ولد أحمد لعبيد الذي قدمه بدوره إلى الجنرال المدير العام للأمن الوطني محمد ولد الشيخ ولد الهادي، ليقوم الأخير بربطه مباشرة بالجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى للدولة المحاصر داخليا وخارجيا بفعل ورطة الانقلاب على  شرعية سيدي ولد الشيخ عبد الله.

 

قدم ولد بشرايا نفسه لانقلابيي نواكشوط على أنه شخص نافذ ويملك شبكة علاقات قوية وواسعة في إسبانيا وغينيا والمغرب وحتى ـ فرنسا ـ حسب ما نقل عنه في لقاءاته الأولى بقادة الانقلاب، إضافة إلى بلد أخر يقع بعيدا عن المصالح الموريتانية وعن محيطها الجغرافي هو فنزويلا التي قال إنه يرتبط بعلاقة صداقة قوية مع شقيق رئيسها الراحل هوغو شافيز.

 

وعملت بعض الدوائر في النظام على وضع تصور يجعل منه بديلا عن رجل الأعمال الموريتاني المصطفى ولد لمام الشافعي الذي أعلن منذ اليوم الأول معارضته للانقلاب.

 

وبالفعل بدأ صاحبنا التحرك وعلى كافة المستويات بغية تسهيل لقاءات ببعض المبعوثين من طرف سادة القصر الرئاسي ومسؤولين في بعض الدول المهتمة بالشأن الموريتاني، لكن اتصالاته تلك لم تكن ذات نجاعة كبيرة سوى في غينيا بيساو التي يمكن أن تدخل على رئيسها فييرا مقابل هاتف جوال كهدية أو فنزويلا شافيز غير المجدية في هكذا مواقف.

 

يتبع…

 

في الحلقة الخامسة كيف سقط الجنرال محمد ولد الهادي ؟

 

نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو"

 

الأحدث