جدول المحتويات
وهذا الحكم – الذي قد يرى البعض أنه غير عادل – ليس انطلاقا من خلفيتي الإيديولوجية بقدر ما هو محاولة بسيطة لقراءة الواقع، فإذا ما نزعنا التهرب الضريبي الذي يعد سمَة مشتركة بين كافة رجال أعمال البلد على مر العصور، واستغلال النفوذ، أو رشوة المسؤولين، أو الحصول على صفقات عمومية بالتراضي، أو الاستفادة من بعض الامتيازات غير المستحقة من طرف السلطة، فإن الذي سيبقى كي نفسر به الثراء الشديد والسريع لهؤلاء لن يكون سوى السرقة أو النهب والاحتيال، أو تجارة المخدرات.
لنواصل إذن مع تجارة المخدرات…
عندما نتحدث عن تجارة وتهريب المخدرات فإننا لا نعني بضعة كيلوغرامات من الحشيش أو القصب الهندي ـ رغم أننا لا ننكر أهمية ذلك ـ يصادرها ضباط مغمورون من سلك الدرك أو الشرطة بين الفينة والأخرى في أحياء وأزقة المدن الرئيسية حيث يعشعش الفقر والجهل وسوء الأوضاع المعيشية وتنتشر البطالة، بل نقصد تلك الأطنان الغالية الثمن والوافدة على متن طائرات خاصة أو بواخر من دول أمريكا اللاتينية، لتعبر حدودنا إلى أوروبا.
والحقيقة أن طائرة انواذيبو لم تكن سوى الحادث البسيط وغير المتوقع الذي كشف عن جزء من خفايا ما كان يحدث طيلة العشرين سنة الماضية.
وبعد عدة سنوات ينتظر الرأي العام الوطني بشغف كبير أن يفرج هذا العام عن بطل تلك الفضيحة ـ أو أحد أبطالها ـ وهو سيدي محمد ولد هيدالة بعد انتهاء مأموريته في سجون الجارة الشمالية المغرب، وهو ما سيمكننا من الحصول على تفاصيل أكثر وإجابات أدق لبعض التساؤلات التي لا تزال تطرح نفسها ومن أبرزها من هم شركاؤه في الجريمة خاصة الموريتانيين منهم، وتحديدا من يفترض بهم السّهر على حماية أمن وحدود الوطن.
فضيحة أخرى لا تقل أهمية عن طائرة انواذيبو وهي تفكيك شبكة دولية لتهريب المخدرات تضم موريتانيين وأجانب، ومن بين صفوفها ضابط الشرطة الدولية "الإنتربول" سيدي أحمد ولد الطايع، ورجل الأعمال ميني ولد السوداني، وباركلل ولد كريميش، وصيدو كان الذي سلمته السنغال، وآخرين. وتتخذ الشبكة من موريتانيا مقرا إستراتيجيا بل ورئيسيا لأنشطتها.
وقد بلغت بها الجرأة ـ أو حماية جهة ما ـ أن شيدت مصنعا مجهزا بالوسائل الضرورية لتعليب وتعبئة المخدرات قبل شحنها على متن زوارق تنطلق تحت حماية ـ جهة ما ـ من الشواطئ الموريتانية، وتنزل حمولتها في اعالي البحار حيث تكون بواخر أو سفن أخرى متعاونة في انتظارها.
أميغان والتير رحلة العبور والسقوط
من شقق الجنرال نجاغا جنغ.. إلى دكار.. إلى السجن المركزي
في نهاية شهر دجمبر 2008 أعلن عن اعتقال السلطات السنغالية للمدعو أريك أميغان والتير، وهو مواطن فرنسي من أصل توغولي ولد في باريس سنة 1972، وكان برفقة مواطن كولومبي حينما داهمتهم فرقة من الدرك السنغالي مدعومة بعناصر من المخابرات الفرنسية في منطقة سياحية على ضفاف المحيط الأطلسي قرب دكار حيث يعمل والتير رسميا كمستثمر في مجال العقارات.
وقد كشفت التحقيقات الأولية التي أجراها الأمن السنغالي معه، أنه الزعيم الفعلي لتلك الشبكة الخطيرة التي تتخذ من موريتانيا مقرا لعملياتها والتي لم يكن ولد هيدالة وميني ولد السواداني وولد كريميش وآخرين سوى عناصر تابعة لها.
ونظرا لكون اعترافاته المتوقعة أي ـ والتير ـ كانت مقلقة جدا لبعض رجال الأعمال وكذلك القادة الأمنيين في نواكشوط، تم إصدار مذكرة توقيف دولية بحق المعني، وراسلت السلطات الأمنية نظيرتها في السنغال بضرورة تسليمه على عجل نظرا لكونه محل متابعة قضائية في موريتانيا، ولضرورة ضبط واستخدام اعترافاته على النحو الأنسب.
لكن السنغاليين كانت لهم رؤية أخرى لمجرى التحقيقات مع زعيم العصابة الدولية والتير ذاك، فوافقوا على تسليمه إلى موريتانيا لكن بعد أن سرد ما بجعبته من أخبار نزلت كالصاعقة فوق رؤوس السادة "شركائه" الأمنيين في نواكشوط.
قال والتير للمحققين السنغاليين إنه يعرف موريتانيا تماما ـ كما يعرف جارتها السنغال ـ، وإنه كان ينزل في شقق فخمة يملكها العقيد – آنذاك الجنرال لاحقا – انجاغا جنغ الذي تولى زمام الأمور بقيادة أركان الدرك الوطني فيما بعد. كما اعترف والتير كذلك بأن المصنع الذي ضبط بمحاذاة الشاطئ قرب الميناء ـ هنالك حيث اختفى الدركي ولد يطن ـ يعود لشبكته التي أوقف بعض أعضائها في نواكشوط ـ ولد الطايع وولد السوداني وآخرين ـ، كما اعترف بأن الطائرة الصغيرة ذات المحركين ـ صنع أمريكي نوع سيسنا 441 كونكست ـ والمعروفة بطائرة انواذيبو تعود ملكيتها له.
اعترف والتير أيضا بصلته بقادة بارزين في سلك الشرطة من ضمنهم محمد عبد الله ولد الطالب اعبيدي المعروف بـ"ولد آده"، وهو مدير سابق للأمن الجهوي في ولاية داخلت انواذيبو ومدير سابق لأمن الدولة ومدير سابق لإدارة الشرطة القضائية أيضا، ويعد من أبرز المقربين من العقيد اعل ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية السابق رئيس الدولة.
إذن دخل أعل ولد محمد فال قفص الاتهام…
وقد بدا واضحا أن صديقنا والتير ليس شخصا بسيطا، إذ سرعان ما تبين أن خيوط علاقاته تمتد لتصل الى هرم السلطة في الدولة، وهو ما يفسر تصريحه للمحققين السنغاليين "إنني أعرف موريتانيا تماما كما أعرف السنغال"، كذلك تتحدث بعض الروايات عن علاقة تربطه بنجل الرئيس السنغالي المعتقل حاليا في بلاده على ذمة قضايا فساد كريم واد، هذا فضلا عن بعض الشخصيات الدولية البارزة مثل رئيس سلك المحامين بباريس، الأستاذ فرانسيس اسبزنير الذي طلب من الرئيس واد ـ وهو من متعهديه بالمناسبة ـ عدم تسليمه إلى موريتانيا مخافة أن يواجه حكما بالإعدام.
لكن دكار قررت التخلص من الطرد الملغوم أميغان والتير وسلمته في العشرين من إبريل 2009 إلى نواكشوط، مستندة إلى اتفاق قضائي موقع بين البلدين.
أما في موريتاينا فقد بدأت خيوط العلاقة تنكشف كذلك بين والتير وبعض رجال الأعمال المعروفين في البلاد، فضلا عن علاقته بتجار العملات والسيارات. وأثناء التحقيقات معه في مباني أمن الدولة أكد اعترافاته السابقة للأمن السنغالي وزاد عليها بأن الباص الذي أوقف في أغشت 2007 ويحمل في باطنه ما قيمته مائة مليون دولار من الكوكايين يعود فعلا لشبكته المتخصصة في تهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى أوربا عبر موريتانيا والسنغال وغينيا بيساو.
واعترف أيضا بوقوفه وراء محاولة اغتيال رجل الأعمال ميني ولد السوداني بمساعدة عضوي الشبكة، ضابط شرطة الإنتربول سيدي أحمد ولد الطايع والشاب صيدو كان صهر باركلل ولد كريميش، كما صرح بأن الدافع وراء محاولة الاغتيال تلك هو استحواذ ولد السوداني على ثمن كمية معتبرة من الكوكايين تم تهريبها إلى لاس بالماس قبل أشهر قليلة من الواقعة.
المحاكمة… والهروب… والترقية…
كانت الأجواء في موريتانيا ملبدة بالغيوم نتيجة الأزمة السياسية التي تعصف بالبلد منذ الإطاحة بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في 6 أغشت 2008 عبر انقلاب عسكري نفذه قائد الحرس الرئاسي الجنرال محمد ولد عبد العزيز.
وكانت السيطرة على الأمور داخليا عبر متابعة المعارضين المناوئين للانقلاب، ومقارعة غلمان القاعدة واعتقالهم، فضلا عن البحث عن مخرج للأزمة الخانقة والتي شكلت تهديدا حقيقيا للدولة من أهم الاولويات بالنسبة للنظام الجديد.
لكن استخدام ملف شبكة والتير أيضا لم يكن بلا جدوى أو غير مفيد، خاصة لضرب تحالف متوقع بين الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية المعارضة للانقلاب والرئيس الأسبق اعل ولد محمد فال الذي قاده دهاؤه الى استبيان الطريق الأمثل للنجاة، فقرر الانحناء في وجه العاصفة ولزم الصمت في بيته حتى تم التوقيع على اتفاق دكار ليقرر بعدها الترشح ـ وحيدا ـ في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها ولد عبد العزيز بنسبة 52%.
وفي الإدارة العامة للأمن الوطني تم إشعار المفوض الرئيس محمد عبد الله ولد آده بعدم مغادرة البلاد ووضع بشكل غير معلن تحت الإقامة الجبرية، فقرر التعاون.
تقيأ ولد آده كل ما بجوفه من أخبار ومعلومات عن الرئيس ولد محمد فال وشبكة علاقاته في الأمن والجيش ورجال السياسة والإعلام، كما استجلب بسرعة فائقة جماعة من بني قومه ليبايعوا – على مضض – النظام الجديد ويعلنون له الولاء والطاعة. كذلك قام بسحب زوجته من حلف شقيقاتها المعارضات النشطات في حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي بدأت قيادته ـ بعد أن خاب ظنها ـ تلتمس الطريق نحو المعسكر المناوئ للأجندة الأحادية التي يفرضها الانقلابيون في انواكشوط.
بدا إذن أن النظام في موريتانيا قد حصل على صيد ثمين لكنه شبيه بالزئبق الأحمر لذا من المستحسن أن يستخدم بحذر، وإلا فإن بعض الأصدقاء والحلفاء سيدخلون دائرة الاتهام رفقة ولد آده وصديقه.
وكما رأينا في الحلقة السابقة من هذا التحقيق فقد حملت حادثة اختطاف الرعايا الأسبان دجمبر 2009 على طريق نواكشوط ـ نواذيبو خبرا سارا بالنسبة للعقيد الذي رقي إلى رتبة جنرال نجاغا جنغ، حيث عين قائدا لأركان الدرك الوطني بعد أن شغل لمدة منصب الأمين العام لوزارة الدفاع، وهو المنصب الذي خلفه فيه القائد السابق للدرك والمدير العام الحالي للأمن الوطني الجنرال المسالم والوديع أحمد ولد بكرن.
وقد كان هذا التعيين غريبا بالنسبة للبعض، كما أثار الكثير من الأسئلة أبرزها ما الذي يفعله أحد أهم رجالات نظام العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في نظام يحارب الفساد والمفسدين..؟.
وقد يجيب أحدهم بأن للرجل خبرة واسعة في المجال الأمني ومحاربة الجريمة المنظمة باعتباره ضابطا دركيا كان له حضوره البارز في بعض الأحداث الهامة من تاريخنا المعاصر.
والحقيقة أن هذا الجواب مردود عليه، نظرا لكون العقيد أو الجنرال نجاغا جنغ عمل لفترة ليست قليلة كمدير عام للجمارك إبان الحقبة الطائعية ـ وتلك وحدها تهمة ـ، وخبرته توسعت أكثر في مجال الرشوة ونهب المال العام واستغلال النفوذ وتشييد الشقق الفاخرة ـ قال أميغان والتير إنه كان يقيم في شققه المفروشة بتفرغ زينة ـ ، ونسج شبكة من العلاقات المشبوهة مع كبار رجال الأعمال في الدولة.
كما أنه كان محل شبهة واتهام تماما مثل المفوض ولد آده. فقبل تعيينه بأشهر وتحديدا إبان اعتقال أريك أميغان في السنغال تحدثت و سائل إعلام فرنسية تحديدا قناة CANAL plus في تقرير أعدته حول شبكة والتير عن حماية قدمها عقيد في سلك الجمارك الموريتاني لوالتير، ونقلت عن شهود قولهم إن أميغان شوهد في قاعة مشروبات بالمركز الثقافي الفرنسي بالعاصمة الموريتانية انواكشوط قبل أن يغادر في سيارة تابعة للإدارة الموريتانية رغم أنه موضع بحث من لدن العدالة الموريتانية. وأكد الشهود ان أريك ولتير آميغان يسكن في شقة لعقيد من الجمارك الموريتانية.
لذا وجب السؤال هل كان نجاغا فعلا متورطا؟
بعد استكمال التحقيقات مع شبكة أميغان والتير تمت إحالة أعضائها إلى القضاء في نوفمبر 2009 وهم: أريك أميغا والتير زعيم الشبكة، وباركلل ولد كريميش، وصهره صيدو كان، ورجل الأعمال ميني ولد السوداني، وضابط الشرطة المكلف بالتعاون مع الشرطة الدولية الانتربول سيدي أحمد ولد الطايع، ورجل الأعمال الشاب لمسافر ولد العتيق، والمواطن اللبناني ميشو، وصهر ميني ولد السوداني المدعو عالي ولد مولاي، وهو ابن أخت المفوض الرئيس دداهي ولد عبد الله مدير أمن الدولة السابق، وهذا الأخير سنتطرق له لاحقا، وأكثر من 30 متهما آخرين.
وحضر المحامي العالمي الشهير جاك فيرجس رفقة محام آخر هو أريك دبوند موريتي ليدافعا عن المتهمين أو بعضهم خصيصا أريك أميغان والتير زعيم العصابة.
وفي الحادي عشر من شهر فبراير 2011 صدر الحكم على المتهمين، وكان دون ما يتوقعه المراقبون نظرا لجسامة الجرم المتلبسين بارتكابه.
في الحلقة المقبلة (4) الرجل اللغز.
يتبع.