جدول المحتويات
هذه النتيجة ليست اعتباطية على الإطلاق، ولكنها خلاصة لأزيد من نصف قرن من مساكنة الموريتانيين لنخبهم السياسية، فعلى مدى عقود الاستقلال اليابسة المرّة، ظلّ المشهد السياسي الموريتاني يراوح مكانه، يدور حول نقطة صفرية عدمية لا معنى لها؛ والنخبة السياسية المترهّلة عجزت أن تعطي لهذا البرزخ الزمني قيمة تخرج هذا – الشعب المغلوب على أمره والمتغلب عليه كذلك – من مرحلة الانتظار؛ لاشيء سوى حقب عجاف تتناسل عبر السنين، ووجوه باردة باهتة تتعاقب على كراسي الحكم. بالأمس القريب حلّقت أحلام الموريتانيين فوق الريح عندما أطل العسكر مجددا في الثالث من شهر أغسطس عام 2005، حاملا شعار "العدالة والديمقراطية" بعد عقدين من الزمن عاث فيهما نظام ولد الطايع فسادا أجهز فيها ببراعة على منظومة القيم بالمجتمع والدولة في موريتانيا.
الآن وقد شارف ولد عبد العزيز على عقده الأول وهو في رحاب السلطة بشكل مباشر أو من خلف الستار، لم يستطع أن يحرك ساكنا من مكانه، فالعدالة التي بشّر بها هو ورفاقه تلاشت كخيال ظل عابر، وشعار التوزيع العادل للثروة بين أبناء البلد أصبح في طي النسيان، بل أن الهوة بين الطبقات الاقتصادية في المجتمع ازدادت عمقا واتساعا، وشبكة أصحاب المصالح ذاتها التي كانت تعبث بمقدرات الوطن وثرواته وموارده اشتد نفوذها وابتدعت أساليب أكثر خبثا ومكرا.
لكن ليس ذلك وحده هو ما يقلق الوطن والمواطن الموريتاني حيال نظام ولد عبد العزيز، فالرجل بدأت تظهر عليه في الفترة الأخيرة الأعراض "الطائعية" إن صح هذا الاشتقاق اللفظي، وهي أعراض يعاني صاحبها من الإنفصال الكلي عن الواقع، والعيش في كنف الوهم وبناء دولة أفلاطونية من نسج الخيال، ولهذا كانت نظرة ولد الطايع إلى موريتانيا لا تتجاوز جدران قصره، وكانت تنتابه هستيريا خطيرة من تصريحات المعارضة وغالبا ما وصفهم بمجموعة أفّاكين يتاجرون بعرض الوطن…. في لقاءه الأخير مع الشباب ظهر ولد عبد العزيز وقد بدأ يتسلق شيئا فشيئا برج ولد الطايع التخيلي، كرّر مرارا وتكرارا في ذلك اللقاء الهزلي المعد سلفا، عبارات ولد الطائع الجوفاء: أنجزنا، وحققنا، وطوّرنا. وطيلة ساعات اللقاء الأربعة تبسم الرجل كثيرا!!! وكأنه لا يواجه لحظة استثنائية مصيرية طاردة للمرح…، لم يشعر ولد عبد العزيز بمرارة آلاف الشباب الذين تطحنهم البطالة وشظف العيش وظروف الحياة القاسية حتى أصبحوا عرضة للانحراف والانغماس في براثن الجريمة والتطرف وعصابات الاتجار بالمخدرات… إنها أوضاع تنذر بشر مستطير.
تم تمييع ذلك اللقاء وتحوّل إلى نفاق سياسي مبتذل، وكما يُقال: لقد تمخّض الجبل بعد عسر فولد فأرا، فبعدما صُرفت مبالغ ضخمة على إعداد وتنظيم "لقاء الرئيس والشباب" تم الإعلان في النهاية عن كيان صوري سمي "المجلس الأعلى للشباب" على غرار "المجلس الأعلى للدولة الذي ترأسه ولد عبد العزيز بعد عزل الرئيس السابق سيد محمد ولد الشيخ عبد الله والمجلس الأعلى للفتاوي والمظالم" و"المجلس الاقتصادي والاجتماعي"، وكلها أجسام مختلقة هدفها استنساخ الماضي في قوالب جديدة ومسميات جديدة، حيث يتحول التعيين في هيئاتها القيادية إلى صندوق رشاوي تمنح فيه المناصب لمن يحسن التصفيق أكثر من غيره وهنا الكارثة الكبرى…!!!! رعاك الله وطني ومواطني المختطف.
على الطرف المقابل لا تبدو النخبة السياسية المعارضة أحسن حالا من النخبة الحاكمة، يخبرنا تاريخ المعارضة في موريتانيا أنها تتقن فنّ ركوب موجات السياسة العابرة للحدود، ولكنها لا توصلها إلى شيء يذكر في نهاية المطاف، ففي عقد الستينات والسبعينات عندما كانت الشيوعية والقومية عملة سياسية رائجة، انصهرت مع هذا التوجه النخبة السياسية المعارضة في موريتانيا إلى حد التماهي والانسلاخ من جلدها الثقافي والاجتماعي، فتولّد عن ذلك حركة الكادحين التي لم يبق منها اليوم سوى الذكريات. وفي التسعينات عندما رفع النموذج الليبيرالي الغربي هامته منتشيا بانتصاره على الشيوعية انبثق تجمع سياسي ليبرالي موريتاني معارض حمل اسم "اتحاد القوى الديمقراطية"، وقد تآكل تدريجيا لأن الشعب اكتشف أن الليبرالية وحدها لا تطعم خبزا. وعندما سطع بريق الإسلام السياسي في الوطن العربي والعالم العربي الإسلامي خلال السنوات الأخيرة نبت حزب "تواصل" الإسلامي في البيئة السياسية الموريتانية نباتا، لكنه بالتأكيد لن يخرج عن الأنساق التي عوّدتنا عليها النخب المعارضة، فهو يتغذّى على نبع الإسلام السياسي في الخارج وعندما ينقطع ذلك النبع ويأفل نجمه سيأفل نجم "تواصل" محليا، وسينسحب تدريجيا من البيئة السياسية الموريتانية كما انسحب من سبقوه تاركين خلفهم تاريخا هزيلا على الهامش.
هكذا تبدو النخب السياسة الموريتانية بجميع أطيافها تائهة بين ماض فشلت في الخروج منه وحاضر عجزت عن صنعه، وإذا استثنينا حقبة المؤسس المختار ولد داداه رغم عثراتها، نجد أن حاكم الأمس في موريتانيا هو حاكم اليوم، ومعارضة الأمس هي معارضة اليوم، تبدلّت الوجوه والمشارب وحتى العقائد، لكن الفاعلية، والقدرة على التأثير وتغيير الواقع، ظلت على حالها.
الشعب الموريتاني اليوم على تخوم رئاسيات جديدة، والطيف السياسي يستعد لاستنساخ نماذجه القديمة مجددا، وسواء استمر ولد عبد العزيز حاكما أم جاءه غيره، موريتانيا لن تتبدّل قبل أن تتبدّل فيها فلسفة الحكم وأساليبه، وتتبدّل شخوصه أيضا، عدى ذلك ستبقى الدولة الفاعلة حلم مؤجل؛ لا صحة تنقذ من مرض، ولا تعليم ينقذ من جهل، والمدن ستبقى أشباه مدن، والفقراء سيزدادون عوزا على عوز، والثروة ستبقى في يد أقلية لا تحسن تدبيرها.
ليس في ذلك دعوة لليأس والإحباط، ولكنها دعوة للوقوف مع الذات ومحاسبة النفس، صحيح أن هناك أقلية من شعبنا اكتسبت وعيا ولم تعد تخدعها أساليب السياسيين الملتوية، ولكن هناك أكثرية توفّر بيئة حاضنة للتخلف والفشل، الآن ونحن نكتب هذه السطور، تجري حملة انتخابية في الخفاء لشراء الذمم وبيع المواقف في الرئاسيات المقبلة، هناك باعة كثر وهناك مشترون كثر في سوق النخاسة الوطنية، لقد بدأ المزاد مبكرا لبيع مصالح الشعب في هذه السوق القذرة.
وأمام هذا المشهد السياسي الذي يرفض الخروج من براثنه القديمة، تبدو رئاسة موريتانيا القادمة محسومة – كما العادة – لمن يدفع أكثر، ولأن النظام يعي جيدا أن نصيبه من الأصوات يتناسب طرديا مع رصيده المالي فهو لن يتردد في إشراك معارضة تعاني من التشرذم وضيق ذات اليد، وسواء شاركت المعارضة أم قاطعت، فإن رئاسيات 2014 لن تكون أكثر من سباق يجري فيه حصان واحد.