جدول المحتويات
وقبل الحديث عن إحدى المفارقات التي اكتنفت هذا المؤتمر الصحفي – وهي متعددة – فإنه لابد من الإشادة بهذه المبادرة من حيث المبدأ؛ انفتاحا على الإعلام الوطني أولا، ثم تنويعا جدّيا للصحافة المحاورة، فضلا عن تنوير الرأي العام بصراحة بالغة (تكاد تصل أحيانا إلى حد الابتذال) وهو أمر لا بد أن يذكر للرجل فيشكر.
لا بد من الإشادة كذلك بالمستوى العالي – في العموم – الذي ظهرت به المجموعة الشبابية المحاورة للسيد الرئيس من أبناء إعلامنا النبهاء؛ جديةَ أسئلة ووضوح فكرة واستحضارا لمشاكل المواطن التي يود أن يسمع رأي رأس السلطة التنفيذية في البلاد (وإن أكد أنه ليس مسؤولا عن تنفيذ الأحكام القضائية؛ عند سؤاله عن تنفيذ حكم محكمة الشغل لصالح الإعلامي مأموني ولد المختار!) بخصوصها.
سئل السيد الرئيس عن موضوع المقال المسيء ومصير صاحبه، فكان جواب الرجل واضحا؛ من حيث إن الأمر يتعلق بموضوع معروض أمام القضاء، وإنه كممثل للسلطة التنفيذية لا يمكنه أن يبلّ فيه قلما؛ وإن كان قد قدّم (إذا كنتُ قد وعيت ما قال بشكل جيد) ما يمكن اعتباره تفهما مخففا عن صاحب الفعلة الشنيعة؛ بقوله: إنه ربما كتب وهو غير مستحضر لخطورة ما يكتب!
عموما لقد كان جواب الرجل جوابا محترما لرجل دولة يحترم مبدأ فصل السلطات المكرس في الدستور الذي أقسم على احترامه والسهر على حسن تطبيقه، وإن كان البعض سيدفع بأن صاحب الجواب المحترم (السيد الرئيس) سبق أن تحدث عن صاحب المقال المسيء (وبعد أن أصبح ملفه بيد القضاء) مدينا ومؤكدا أن الدولة الموريتانية الإسلامية ستطبق عليه شريعة الله!
مكمن المفارقة ليس في هذه، وإنما في السؤال الذي طرح على فخامته حول حلّ جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم، والتي هي – وعلى عكس المقال المسيء -محضن تربوي متميز وفضاء ثقافي طاهر ورسالة تعليمية معطاءة بشهادة المستفيدين من عطائها وهم كثر… وإن جمعها مع قضية المقال المشؤوم أن كلتا القضيتين معروضة أمام القضاء!
حينما طرح السؤال على فخامته مشفوعا بذكر اسم مفخرة بلادنا وعلامة عصرنا الذي يرأس المجلس العلمي لهذه الجمعية الطاهرة الشيخ محمد الحسن ولد الددو، كان ردّ السيد الرئيس مختلفا عن رده بأريحية تحترم القضاء وتتحفظ على الحديث عن الملفات المطروحة أمامه في شأن المقال المسيء، بل إنني أكاد أجزم أن السؤال أوشك أن يخرج فخامته عما يقتضيه موقعه السامي – كرئيس دولة – من التوازن والبعد عن الخفة والنزق.
لقد جاء ردّ السيد الرئيس متجاوزا لقضية طرح الملف وعرضه أمام القضاء، بل تعدى ذلك إلى الحديث عن الموضوع وكأنه موضوع يصادف منه وترا حساسا، بدليل أنه لم ينطق باسم الشيخ الددو وإنما ظل يعبر عنه بشخص أو إنسان، على ما تحمله الكلمة من جفاء، مكتفيا بأن أمر إغلاق الجمعية أمر محسوم. مع تقديم مبررات لحل الجمعية تقع في "الوسط" بين تبريرات وزارة الداخلية التي ارتكزت على ممارسة الجمعية للتأثير المفزع على المواطنين، وتبرير وزير الاتصال الذي أفصح لنا عما يمكن اعتباره تعيينا لأحد الشهود (حتى لا أقول الوشاة) الذين اعتمدت الداخلية عليهم في قرار الإغلاق؛ حيث صرح أن السيد وزير الاتصال نفسه كان شاهدا على قيادة بعض من ألمح إلى أنهم قادة الجمعية للمظاهرات المنددة بالإساءة للمصحف!
لا أريد أن أعكر صفو المبادرة الشجاعة والمقدرة باستضافة السيد الرئيس لبعض الصحفيين كما قدمتها التلفزة الوطنية، بقد ما أشرك قراء هذا العمود في الحيرة من مفارقة التمييز (الإيجابي!) بين الملفات المعروضة أمام القضاء؟