تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات


لكن الرئيس هيدالة رفض، فكان ما تعرفونه جميعا من قصة الحركة التصحيحية التي تغيرت بموجبها تشكلة اللجنة الوطنية للخلاص الوطني و أودع البدوي المتخلف السجن رفقة الباعوض والفئران .

وما إن أستتبت الأمور للرئيس معاوية ولد الطايع، حتى تقدمت إليه « جهة ما » بعرض مشابه لما تقدمت به للرئيس المسجون هيداله، فكان الجواب مغايرا بل وإيجابيا لكن بشرط أن تفتح طريق العبور للعابرين فقط وتنتهي المسألة .

وافق الأدراري الماكر على الطلب دون ان يعي خطورة الموقف معتقدا أن شرطه بعدم دخول « الشيئ المحمول » الاراضي الموريتانية كفيل بحماية الدولة والمجمتع من خطورة ذلك « الشيئ » الفتاك و الفتاك جدا .

ـ وقد لفت إنتباهنا انه صاحبت تلك الموافقة الخطيرة خطوات هامة خاصة على المستوى الإقتصادي، حيث أعلن عن ما سمي أنذاك بالسياسية الجديدة للصيد البحري والتي يمكن تلخيص ابرز ملامحها الكارثية في تخلي الدولة عن الإستثمار في القطاع السمكي الواعد لصالح القطاع الخاص، وهو ما جعل رجال الأعمال الشرهين يتهافتون بسرعة على البلدان الأوروبية وخصوصا الجزر الإسبانية القريبة منا جغرافيا بحثا عن شركاء ومستثمرين يقاسمونهم الكعكة، لكن بعضهم كان يبحث عن شيئ أخر.

وهكذا وزعت رخص الصيد على المستثمرين الوطنيين أو مصاصي دماء هذا الشعب الفقير وشركائهم الأجانب كما توزع بطاقات المترو. و لم يكن الحصول على تلك التراخيص يتطلب أكثر من أن يجمع أحدهم أفرادا من عشيرته تحت خيمتين ويعلن عن دعمه للنظام الجديد في جلسة تزلف وتملق رخصية، أو أن يرمي بزوجته أو إحدى بناته في سرير مسؤول مدني أو عسكري فتنهال عليه الرخص كالمطر حتى يقول مدد.

ـ إجراء إقتصادي أخر كان كذلك ذا هدف ومغزى محددين، وهو السماح للقطاع الخاص بالولوج الى سوق الأوراق المالية، أي الترخيص للعشرات من مكاتب الصرافة وتحويل العملات من والى موريتانيا للعمل أو التحكم إن صح التعبير في عائدات وأرباح الأنشطة التجارية وخصوصا قطاع الصيد من العملة الصعبة، وهو الدور الذي كان حكرا على البنك المركزي الموريتاني .

لكن تلك المكاتب او بعضها أستخدم لغرض أخر، ويؤسفني أن اقول لكم إنه ليس نظيفا البتة .

وهكذا ركب رجال الدولة و رجال المال والأعمال موجة الثراء السريع تلك، وشيدت الفلل الفاخرة، وأقتنيت الشقق الفخمة في لاسبالماس ومدريد وباريس، وحتى في ميامي ونيويورك، لكن شيئا ما ظل دائما غامضا و يمارس في الخفاء لا علاقة له بالصيد البحري ولا بتجارة العملة الصعبة .

والأغرب من كل هذا أن حجم رقم أعمال هؤلاء يتضاعف سنويا عشرات المرات او مئات المرات مقارنة بحجم رقم اعمال شركائهم الأجانب الذين يخضعون في بلدانهم للرقابة والقانون. فما هو ذلك الشيئ الغامض ياترى ؟..

مرحبا بكم في السنين الطائعية …

جرائم ولد الطايع في حق الدولة والمجمتع لايمكن إحصاؤها، فقد مكن حفنة من أبناء عمومته مدعومين ببعض المسؤلين المرتشين في التحكم في أهم القطاعات الإقتصادية والتجارية للبلد، وفي وقت لاحق إتسعت الدائرة لتشمل رجال أعمال أخرين ومسؤولين أخرين تسلقوا سلم قطار الثراء السريع بشكل ملفت وملفت جدا للإنتباه.

وكانت عشرين عاما من حكمه كفيلة بتبدل سلوك المجمتع، حيث أصبحت قيمة الفرد فيه مرهونة بحكم أعماله وحجم ما يملك، وهو ما جعل الطبقة المثقفة والواعية تتراجع في وجه هذا المد اللاأخلاقي لقوى قبلية ورجعية أخرى تعشق المال والسلطة أكثر من أي شيئ أخر في الوجود وتربط مصيرها ومصير المجمتع ككل به، بل وتتخذ منه أسلوب حياة، و ظهرت أنماط مختلفة من العيش واسلوب أخر من الترف، وإنتشرت مفاهيم غريبة مثل « الظهور و التشعشيع وعبارة ـ وني بيك ـ المقززة ».

وبناءا عليه أصبح عليك أن تكون ثريا وبأي وسيلة حتى تضمن مكانتك اللائقة في مجتمع ولد الطايع التافه ذلك، ولايهم الوسيلة او الطريقة التي ستستخدمها في سبيل ذلك، فكافة الوسائل والطرق بما فيها الوسخة والمحرمة قانونا متاحة لتحقيق الهدف، من القتل الى السرقة و نهب المال العام والتهرب الضريبي واستغلال النفوذ الإحتيال على الأجانب وصولا إلى « تجارة المخدرات » المهم هو تحصيل ما يمكن تحصيله من المال والنفوذ.

لقد هدمت سنون ولد الطايع العشرون المجمتع بكل قيمه وأخلاقه، وإذا كانت القاعدة تقول إن الهدم أسهل وأسرع من البناء، فتخيلوا كم من السنين نحتاج الى إعادة بناء مجتمعنا على أسس سليمة .

في البحر والبر …

ـ دخل إذن شاطئ موريتانيا الممتد على طول 650 كلم وعرض بحري يبلغ عمله 200 كلم في دوامة جديدة من العمل التجاري والربحي الغير نظيف .

وأستمر الحال قرابة العقدين من الزمن، فنقل « الممنوع المحمول » في قوارب بل وحتى في سفن كبيرة للصيد المرخص، كما نقل تحت اكياس الأرز في شاحنات التجار، وفي علب السجائر المهربة في الصحراء، وعلى ظهور الجمال وفي حقائب النساء . 

وأستمر تدفق المال الحرام بشكل خيالي حتى فرج الله كرب هذا الشعب المنكوب ورحل ولد الطايع غير مأسوف عليه، لكن الذي خلفه لم يكن سوى نظامه الأمني والسياسي والإجتماعي وحفنة رجال المال والأعمال والعشائر التي تنكرت له ولأفعاله فيها منذ اليوم الاول .

لسنا هنا بصدد الدخول في سرد كرونولوجي للأحداث السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط شخص ولد الطايع فهي معروفة بالنسبة لكم، لكننا مضطرين الى توضيح نقطة هامة حدثت في تلك المرحلة الأنتقالية من 2005 الى 2007 وهي أن « شيئ ما »، كان حكرا على جماعة قليلة العدد و ـ مستورة ـ الفعل والتعامل مع هكذا قضايا وسخة، اصبح متاحا لوافدين و دخلاء جدد لم يكونوا مأهلين قط لذلك، ومرد ذلك ان الطريق يجب أن تبقى مفتوحة والبضاعة المحمولة يجب أن تصل بإستمرار دون توقف.

كان أولئك الوافدين الشماليين من جنس الشباب خصيصا غير متمرسين، جوعى، شرهين، ومحدودي التعلم والذكاء، وكغيرهم من ضحايا هذا المجتمع المريض أرادوا أن تكون لهم قيمة إجتماعية منعهم الفقر والجهل إياها فنقلوا « المحمول » مرات قليلة، فقبض عليهم وأودعوا السجن بعد أن فاحت من سياراتهم الفخمة وتبدل طريقة عيشهم من البؤس الى الترف رائحة شيئ ما كان حكرا على جماعة أخرى مشغولة بمحاولة ترتيب بيتها الداخلي وفقا للأجندة الجديدة، و التأقلم مع الظروف التي تمر بها الدولة .

الطائرة و الرئيس 

لاشك أن منكم من قد شاهد الفيلم الامريكي « سحر المافيا الأمريكية » ، قصة هذا الفيلم حقيقية وحدثت في مطلع السبعينيات من القرن الماضي . وتدور حول رجل يدعى Frank Lucas يقوم بأداء الدور الممثل Denzel Washington ، وهو مجرم وتاجر للمخدرات يتولى زمام أمور عصابة رئيسه والذي مات بشكل مفاجىء ليبني إمبراطوريته الخاصة ويصبح واحداً من أشهر المجرمين في مدينة مانهاتن .

يقوم Frank Lucas بتهريب المخدرات ذات الأثر البالغ إلى أمريكا عن طريق وضعها في توابيت الجنود الأمريكيين الذين راحوا ضحية الحرب في فيتنام ويقوم مفتش غريب الأطوار يدعى Richie Roberts يقوم بأداء الدور الممثل Russell Crowe بالتحري عن أعمال Frank Lucas في تجارة المخدرات وإرتكاب الجرائم بحيث يعتقد بأن هناك شخص ما يتسلق الدرجات فوق عوائل عصابات المافيا المعروفة، ليسقط بطلنا في النهاية وتسقط معه عصابته الشريرة.

أنتج الفيلم سنة 2007 بالولايات المتحدة الأمريكية ، وهي نفس السنة التي أنتخب فيها سيدي ولد الشيخ عبد الله كأول رئيس مدني منتخب لموريتانيا. وهي نفس السنة أيضا التي تورطت فيها شخصيات سياسية وأمنية كبيرة في ما بات يعرف بفضيحة « طائرة نواذيبو »، حيث أعتقل رئيس حزب سياسي معروف، وهرب نجل رئيس سابق للبلاد ومرشح رئاسي خاسر قبل أن يقبض عليه في إحدى الدول المجاورة .
أمر الرئيس ولد الشيخ عبد الله بفتح تحقيق جدي في الموضوع، فتهاطلت على مكتبه عدة إتصالات من كل حدب وصوب تطالبه بترك المسئلة جانبا لأن الوقت غير مناسب وهنالك من القضايا الجوهرية ما هو أهم، وفي الأخير ضلل الرئيس المسكين على الطريقة الأمريكية في التمويه بتقريرين متناقضين كليا قبل أن يودع السجن الإجباري في السادس من أغشت 2008 وينتهي الأمر .

فضيحة الطائرة التي صودرت في شهر مايو واصبحت وسيلة تنقل مفضلة لرئيس لاحق، تستحق منا بعض التوقف للفحص والدرس ، ففي ثناياها تكمن الإجابة على كثير من الأسئلة و الألغاز المحيرة …؟؟.
كيف يمكن لطائرة محملة بالمخدرات ذت التأثير البالغ أن تهبط دون علم أو إذن من بعض الشخصيات الهامة في هرم الدولة ؟ ومن هي تلك الشخصيات؟ . وأين هي الكمية المصادرة في الطائرة ؟ وهل أحرقت فعلا الكمية المصادرة على مدرج المطار ؟ ومن هي الجهة التي ضللت الرئيس ولد الشيخ عبد الله وضغطت عليه كي يتغاضى عن الموضوع ؟ .

نبقى في 2007 دائما حيث أوقف في شهر أغشت « باص » يحمل في ظاهره أكياسا من الأرز و الفحم، أما في باطنه فيحمل قرابة الطن من الكوكايين تقدر قيمتها بأكثر من مائة مليون دولار أمريكي. وطبعا أغلق الملف بعد أن أودع المتهمين السجن ليفرج عنهم لاحقا، ولم تظهر لحد الأن أية معلومات عن مصير الكمية المصادرة .

كما أعتقل الأمن في حادثة منفصلة ممثل شرطة الإنتربول في نواكشوط الضابط سيدي أحمد ولد الطايع ـ ليست مصادفة أن يكون إبن عم الرئيس معاوية ـ و كذلك بعض رجال الأعمال الشباب أبرزهم ميني ولد السوداني، وفي وقت لاحق تسلمت البلاد من الجارة الجنوبية السنغال صيدا ثمينا لم يكن سوى المدعو أميغا أريك والتير .

حين كنت أحضر محاكمة تلك العصابة الخطيرة من المهربين، حاولت بكل جهد الحديث الى والتير، ذلك الرجل الأسمر صغير الحجم و قصير القامة، صافحته وأنا أنظر بتمعن الى عينيه، إبتسم ودون أن يرد السلام فهمت من محياه أنه لن يمضي طويلا في سجوننا الغير مريحة بالنسبة لشخص مثله، كما أوحت لي إبتسامته أيضا أن من الجيد أن يظل ساكتا وأن لا نجبره بأي شكل من الأشكال على الكلام. 

مع الأسف هنالك من يعتقد أن موريتانيا مسرحا هوليووديا مناسبا لتطبيق ما يشاهده في أفلام الإجرام الأمريكية، وهو مخطأ بكل تأكيد أو هكذا يفترض.

الرئيس محمد ولد عبد العزيز يغلق الطريق.

يتبع…

الأحدث