تخطى الى المحتوى

إلى جنة الخلد أخي..! (تأبين لشقيقي سيدي محمد ولد أحمد سيدي)

جدول المحتويات

 

أحسست في لحظة أن كل ما كان يحيط بي قد انهار فجأة وإذا بي أرجع القهقرى طفلا خائفا وحيدا وضعيفا، أرتعش بحثا عن اﻷمان والدفء والسند وأرجع البصر كرة وكرتين فأجد من كان يمثل لي كل ذلك قد غادر إلى غير رجعة،

مضى لسبيله من كنت ترجو *** به عثرات دهرك أن تقالا

فلست بمالك عبرات عين *** أبت بدموعها إلا انهمالا

وفي اﻷحشاء منك غليل حزن *** كحر النار تشتعل اشتعالا

 

إن كل عزيز نفقده هو مصاب عظيم يورث حزنا في النفس ولوعة في الفؤاد!

 

لكن منهم من يبقي رحيله ندبة في القلب وفجوة في الروح وماذاك إلى لعمق حضوره وشدة تأثيره وبقدر قوة الحضور يكون ألم الغياب!

 

رحل سيد محمد ولد أحمد سيدي عن دنيانا بعد أن سخر ابتداء من إغراءاتها وآمالها وسخر أخيرا من أوصابها وآلامها! ربما لم يسمع الكثيرون باسمه لكنه فارس مر من هنا غريبا عابر سبيل وترجل مخلفا من عميق الحزن ما لا يضاهيه إلا ما خلفه من جميل الذكر!

 

من يعرف الفقيد يعلم أنه كان من طينة خاصة! كان الفقيد نموذجا للتوازن العجيب فمن يعرف زهده وصيامه وقيامه وتبتله يكاد يجزم أن لا وقت لديه للعمل المجتمعي ومن يرى حضوره التربوي والعلمي والخيري وتتبعه لمظان الضعفاء والعجزة وبذله ما يملك وما لايملك وإنفاقه الساعات في الدعوة والنصح والارشاد من يرى ذلك يظن أن لا وقت لديه لتحنث ولا عبادة فردية هكذا نشأ الفقيد وظل هذا ديدنه طيلة عمره القصير العريض!

 

كان من جملة من عرفوا مبكرا ماذا يراد منهم وفهموا ماذا يريدون، واستجلوا الطريق وانطلقوا يعملون في صمت لا تطبيهم بوارق المغريات ولا يفت في عضدهم توالي العقبات يغرسون في كل سهل ما ينفع الناس ويمكث في اﻷرض!

 

ويرفعون على كل ربوة لواء للخير والحق!

 

وﻷنهم مخلصون وصامتون يختفون دائما من الصورة ويتركون البريق الخادع لمن يريده! ظهرت صورة الفقيد الناصعة فقط عندما غاب بجسمه وكأني وأنا اﻷخ الشقيق الذي تربى في حضنه لم أعرفه يوما حق المعرفة فهاهي عشرات المكالمات من معزين يغصون بعبرتهم وتنهمر كلمات العرفان والثناء مدرار من ألسنتهم وأنا لا أعرف منهم أحدا !

 

لكنهم شهداء الله في أرضه وذاك لعمري مؤذن بحسن الظن فيما عند الله! ومن المفارقات أن ينهش المرض كبده وهو من كان يتحرى في كل كبد رطبة أجرا!

 

لكن ذلك عند العارفين ليس إلا محطة من محطات الترقي لتزداد نصاعة العمل الصالح والجهد المبارك بما شاء الله من تطهير وتمحيص!

 

ثم يشتد المرض بالفقيد فتضطرب الآراء في وجهة علاجه فتتعقد وتتأخر كل الخيارات إلا خيار مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدينته المنورة وكأن سيد محمد لايريد إلا أن يجمع المجد من أطرافه فيسلم الروح لباريها في منبع النور الذي ظل يهتدي به، وفي تلك البقعة الطاهرة!

 

وليصلى عليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدفن في البقيع مدفن الشهداء ومثوى الصحابة والصالحين!

 

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا بفراقك يا سيدي محمد لمحزونون، تغمدك الله بواسع رحمته وأسكنك الفردوس اﻷعلى من الجنة ! إنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل!

بقلم: لمات ولد أحمد سيدي

الأحدث