تخطى الى المحتوى

حلقــة مـُمِلــّةٌ من مسلسل سيزيفي

جدول المحتويات

 

فليسمح لنا "سارق النار"، و"الشاعر الفخر" أن نصطلي بنار شعره الفلسفي، ونكتشف مأساتنا كما لخّصها هو، ولنقصر "التجربة" في نص ولد الطالب على واقعنا المحلي، وفي سياقه الآني، رغم إمكانية قراءتها في سياقها الأعمق، ولنــَكــْبـَحْ جماحنا تجاه الجابري حتى لا يــُطـَوّحَ بنا بعيدا عن موريتانيا وانتخاباتها الرئاسية الوشيكة، الروتينية، المملة والسيزيفية.

 

إن مفردة "أَفَقـْنَا" تترجم كل معاني "الوثوقية" و"الدوغمائية" التي تمثل أبرز خصائص ذهنيتنا السياسية المتحجرة والمتصحرة، والمتجذرة في "الماضوية" والتقليد. وفوق هذا وذاك هي تترجمنا نحن، فنحن: هي.

 

إن هذه الكلمة، بالذات، لها مكانة خاصة في حفريات لغتنا اللهجية، وهي ذات بعد قدسي، تلقي قداستــُـها  بظلالها التنويمية المغناطيسية على الواقع بكل تجلياته لأنه " أُفيق" عليه هكذا، خلق هكذا، فيجب أن يظل هكذا. إن فكرة السببية طابو هنا، لأنه في "الزمن الأول" (في البدء) تــُمنع الأسئلة لأنه وببساطة: "زمن يكره الأسئلة"!

 

ولأنا "أفقنا على زمن يكره الأسئلة"،  فنحن، كما قال شاعرنا، "نحث خطانا إلى المقصلة"، دائما وأبدا وسرمدا، وهنا يكمن سر تخلفنا، فلكي نغير واقعنا لا بد من  طرح سؤال، وهذا السؤال لابد أن يكون مختلفا وغير مألوف أو ثوريا،  كما لا بد لجوابه أن يكون ثوريا كذلك  أو ثورة بالأحرى.

 

المتتبع لتاريخنا السياسي يلاحظ أن هنالك معنى "مخزنيا" رتيبا ورثناه منذ ما قبل قيام الدولة، جعَلَنا دائما  نقف في خانة الأنظمة. فكيف يمكن التغيير ما دام لا مجال للتوازن على الأقل، سبيلا إلى أمل التغيير؟!!.

 

إن ثالوث "شيخ القبيلة، التاجر، الفقيه" ثالوث يكره الأسئلة، كما يكره "مثلث برمودا" الأسئلة، استباقا للإجابة عليها. حكامنا لا يخشون العقاب الانتخابي لأنهم يعرفون أن شعبهم يعيش زمنا "لا متناهيا" يكره الأسئلة، لأنه موجه من ثالوث يــُـلـْزِمُ  تابعيه بالوقوف في صف الأنظمة، وهؤلاء التابعون لا يحق لهم السؤال، لأن جيل "الزمن الأول"، الذي يراد لهم أن يكونوا امتدادا له، يكره الأسئلة.

 

منذ أيام الحزب الواحد ونحن نعيش أجواء الحزب الواحد. فــ"المركزية السلطوية" في الذهنية العامة لهيداله وريثة لذات المركزية  التي كان يتمتع بها المختار ولد داداه. يحرم التساؤل حول الفرق بين طبيعة الرجلين وتكوينهما، فهما في ذات المركز (السلطة، الرئاسة، الدولة).

 

عندما حدثت تغيرات جذرية على الصعيد الدولي، فسقط جدار برلين سنة 1989، وظهرت الأحادية القطبية، فــُــرضت التعددية الديمقراطية على موريتانيا – ولد الطائع بحكم الواقع، لم  نتساءل عن السبب، لأننا "أفقنا على زمن يكره الأسئلة"، ولأننا لم تتح لنا معرفة الاسباب لم نغير أي شيء، فكل المحصول التراكمي للثالوث الذي يقودنا هو أنه يعرف أن ولد الطايع في الحكم، كما كان الواقع مع ولد هيداله وولد داداه (هذا المعطى الساذج هو السائد وهو الموجه لتصرفاتنا).

 

اليوم نحث خطانا إلى مقصلة الانتخابات، بقيادة عسكري انقلب على الشرعية، في الهزيع الأخير من الليل وبدافع مصلحة ذاتية.

 

فكل زعيم من زعماء المعارضة يعلن ترشحه، على حدة،  ليشارك في مهزلة يعرف الفائز فيها مسبقا، لنـُـمكــّـن للعسكر أكثر فأكثر، كما مكنا لهم في آخر مرة من خلال اتفاق داكار المشؤوم، بدل استمرارنا في ذلك السعي النبيل والمثالي والمشروع: النداء بإعادة الشرعية.

 

نحن شعب "يبحث عن حتفه بظلفه" أو، بتعبير ولد الطالب: "نحن نحث خطانا إلى المقصلة"، لأننا لم نطرح سؤاله هو: "إلى أين يا تائهين؟!"، ولم نعرف ما الذي يراد لنا، ولا ماذا نريد، "لأنا أفقنا على زمن يكره الأسئلة"!.

 

السؤال: "إلى أين يا تائهين"؟ سؤال محوري يجب أن نكسر به طابو الأسئلة، فهو في حد ذاته "ثورة" إذا امتلكنا الشجاعة على طرحه لأنه سيمكننا من الوقوف في صف التغيير، وعندها سوف يخشى الرئيس العقاب الانتخابي، ويحث خطاه إلى التنمية بدل أن "نحث خطانا إلى المقصلة".

 

 هذا السؤال بالنسبة لنا يمثل بوعزيزيا بنيرانه وعربة خضّاره، لكن من يجرؤ  على طرحه؟

 

هنا يكمن شيطان التغيير والثورة.

الأحدث