تخطى الى المحتوى

من الجنرال إلى أبنائه الشباب فى موريتانيا

جدول المحتويات

 

أثارت الرسالة إذن كثيرا من العجب والتندر عند العاملين فور وصولها إلى مقر البريد، قبل أن يقرروا تركها جانبا، إذ لا أمل لديهم فى العثور على صاحبها القاطن فى عاصمة يسكنها ملايين البشر، يمثل "الأبناء" الشباب نسبة معتبرة منهم.

 

وذات يوم قدم شاب غر إلى مبنى البريد، ووقف ببلاهة ملحوظة قائلا دون مقدمات: "أريد رسالة أبى" ما جعل العمال يستنتجون ببساطة شديدة أن مثل هذا الشاب لا يمكن إلا يكون ابنا لمثل ذلك الرجل البسيط التفكير صاحب العبارة التى حيرتهم طويلا. لقد فهموا، بحدسهم وفطنتهم، ومن خلال تصرف الشاب ووالده طبعا، أن الرسالة موجهة إلى هذا الشاب بالضبط، فمن غيرهما كان ليتصرف بتلك السذاجة والبساطة..؟

 

 

استحضر هذه القصة الآن فى ظل التجاذب الذى أثاره الحدث السياسى  الأخير المتمثل فى لقاء الجنرال بالشباب الطامحين إلى، والطامعين فى غد أفضل لهم خصوصا، كما هو واضح من طبيعة الحوار، وكذا من طبيعة أغلب المشاركات فيه أيضا، أو للبلد عموما ـ الأصل حسنُ الظن ـ وإن كان هذا ليس محل النقد هنا، إذ لهم كامل الحق فى ذلك كأبناء شرعيين لهذه الأرض، يحق لهم الحديث فى الشأن العام والتعرض له كما يحلو لهم، على أن لا تضيق أنفسهم، مقابل ذلك أيضا، بتعليقات أصحاب الرأي المخالف لهم، ممن يرون فى فعلتهم تلك تصرفا غير مدروس، أو حتى تناقضا بينا فى شخصيات بعضهم ممن عُرفوا، واقعيا وافتراضيا، بمداخلاتهم وكتاباتهم  النضالية المتوثبة. خاصة بعد أن أضربت الأحصنة بشكل واضح عن الدخول معهم  إلى حظيرة الترويض، ليظهروا وكأنهم  يركبون الريح، أو يمسكون بلجام  خيول صينية يتحكم الجنرال تماما فى الطاقة الكهربائة التى تُشغلها. أما الخيول الأصلية فقد جمحت بعيدا عن ساحة مغلقة ومحروسة تنافى طبيعتها الحرة العاشقة للركض والرفض غير المحدودين، مكانا أو زمانا.

 

بيد أن علاقة الحب تلك هذه بين الخيول وأصحابها ما كانت متبادلة أو حميمية مثلما رسمها المتنبى يوما:

 

العارفين بها كما عرفتهمُ *** والراكبين جدودُهم أماتها

فكأنها نُتجتْ قياما تحتهم *** وكأنهم ولدوا على صهواتها

تلك النفوسُ الغالباتُ على العلى *** والمجد يغلبها على شهواتها

 

عاد الشباب إذن من جامعات العالم ومعاهده، ومن قاعات المدارس والثانويات وميادين العمل الثقافى والبحث العلمى الرصين، لكي يتلقوا دروسهم النموذجية من قبل الباشا الذى حفر لهم خندقا كبيرا، مستفيدا من فلسفة الإنضباط العسكرى التى تذل المجندين كي يتربوا على الطاعة العمياء، قبل أن يستأثر القائد لنفسه بأخذ زمام المبادرة. كيف لا وقد كان حضرة الجنرال فى موقف قوة بكل المقاييس فهو صاحب الحرس، كما أنه صاحب الحفل أيضا. أليس العرف الشعبى عندنا  يقول إن الزائر فى قبضة المزور؟

 

ذابت شحوم المعارف النظرية، تحت حرارة اللقاء، عند أول اختبار تطبيقى لها، وكانت تلك أول تجربة علمية يقوم بها جنرال فى كلية علوم جديدة هي الأخرى، ليخرج منها ببراءة اختراع تؤكد بشكل لا لبس فيه أن المعرفة دون قناعات راسخة، بعيدة عن عواطف النفوس، أو سطحيات العقول، لا يمكنها أن تكون أبدا محركا للتغيير المنشود.

 

سيظل ذلك الحوار الشبابى يمثل غصة عميقة لدى قطاع واسع من الشباب، فقد جمعت قاعاته دون ريب بعضا من نخبه، ولكن ثقافة الشباب المشارك و"نخبويتهم" ـ مع استثناءات قليلة طبعا ـ  وقفت عاجزة أمام الكاريزما العسكرية التى أعمى بريقُها أغلب الحاضرين، ما جعل أوراقهم وأفكارهم وحتى لغتهم تذوى.

 

الإيجابى فى هذا الحوار، الأول من نوعه، هو أنه  شكّل أيضا درسا آخر جاء مختلفا بالنسبة "للمستمعين الأحرار" الذين تابعوا اللقاء عن بعد ـ وهذا عصر التعلم عن بعد ـ  لقد شاهدوا كيف كان المُعلَم يقدم دروسه لطلابه فى جامعته العلمية الحديثة، ويحاضر فى مبادئ نظريات السقوط الحر بطريقة سهلة ومبسطة جدا، بل ومبتكرة.

 

باختصار، فإن عناصر الأثر الإسبانى الآنف الذكر ثلاثة هي: الأب الأبله والسطحى الذى بعث بالرسالة، والإبن الساذج الذى جاء ليأخد رسالة والده، والطرف الثالث هم عمال البريد الذين استوعبوا الأمر ووضعوه فى إطاره الصحيح.

 

فى مقابل ذلك أيضا، فإن عناصر"لقاء الشباب" ثلاثة هي الآخرى: الجنرال الذى قام بدعوة الشباب للحوار، الشاب الذين عرفوا أو فهموا أن الدعوة تخصهم بالتحديد، دون غيرهم، فشاركوا فيه أو سعوا إلى ذلك، والطرف الثالث هم الرافضون الذين وقفوا يوما على القول العربى المأثور: البعرة تدل على البعير، فقالوا مثل عمال البريد، نعم هذه رسائل تخصكم لوحدكم، هنيئا لكم بها إذن.

الأحدث