جدول المحتويات
وقالت المصادر التي تحدثت للأخبار إن البعثة ستعكف خلال الأيام المقبلة على اختيار 150 فردا من قوات الحرس الموريتاني بين الضباط والجنود، وسيأخذ هؤلاء أماكنهم في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في ساحل العاج.
وأكد المصدر أن اللجنة ستنهي أعمالها الخميس المقبل، لتبدأ بعدها في الإجراءات العملية لإضافة الموريتانيين إلى القوات الأممية".
كان هذا نص خبر صغير في وكالة الأخبار لن يبدو لافتا للانتباه لولا مكانته من بين الأخبار الرئيسية، قرأت الخبر عدة مرات، وتساءلت من سيكون مهتما بهذا الخبر؟
عادت بي الذاكرة إلى يوم مشمس وشديد الرطوبة في أحد أيام الصيف الماضي، حين كنت أراوغ الفجاج الضيقة بين السيارات المزحمة في ملتقى طرق مدريد بالعاصمة نواكشوط، تجاوزت الملتقى شمالا بعدة أمتار لأجد قرابة عشرة من قوات الجيش المورتياني بزيهم الرسمي يصطفون في طابور غير نظامي ينتظرون سيارة نقل عمومي، توقفت فتسابقوا مع غيرهم إلى باب السيارة وكل يقول وجهته، طلبت من العسكريين حصرا الركوب، معتذرا لستة منهم أني لا استطيع حمل أكثر من أربعة، – الواقع أني أستطيع حمل ستة وحتى سبعة كما يفعل سائقوا سيارات الأجرة- ولكني أردت أن أشعر هؤلاء بقليل من الاحترام الذي يليق بهم.
سألتهم عن وجتهم فقالوا باحترام بالغ، نعرف أنك لست صاحب سيارة أجرة، لذلك خذنا إلى أقرب ملتقى طرق لا يشق عليك.
طلبت منهم عناوين سكنهم لأوصلهم إليها، دار بيننا حديث كان السخط يسيطر عليه، فهم مستاؤون من ضيق العيش، وسوء المعاملة، والإهمال، ونقص التدريب، وعدم وضوح الهدف من وجودهم أصلا، فضلا عن كل ذلك، هم يرون كيف يجمع الجنرالات مئات الملايين ويبنون القصور ويغيرون سياراتهم سنويا فيما يعشيون هم على هامش الطريق بحثا عن محسن يوصلهم إلى بيوتهم.
حين انتصف الطريق سألتهم سؤالا بسيطا: تخليوا لو كنت واحدا من القاعدة واختطفتكم أنتم الأربعة وسلمتكم لسيارة أخرى بها عشرات المسلحين وغادرنا بكم العاصمة إلى شمال مالي من سيكون المسؤول عنكم حينها ومن يستطيع إنقاذكم؟
رد اثنان بحماس: لا تستطيع فنحن جنود مدربون؟
فيما قال واحد من الاثنين الآخرين: نحن لا نتكل إلا على الله وطيبة هذا الشعب.
قلت للمتحمسين: افترضا أني لم أخطفكم ولكن هذه السيارة مفخخة وضغطت زر التفجير فقتلنا جميعا؟
كان الخوف باد على الذي يجلس جانبي وهو يتحسس زر حزام الأمان..
ضحكت وقلت لهم: أنا أتساءل فقط.. أنا فلان ابن فلان صحفي موريتاني ما يهمني هو أن أوصل صوتكم، ولكني أشعر بالخوف أكثر منكم حين أراكم على جنبات الطريق تبحثون عن من يوصلكم إلى منازلكم، فهذه السينارويهات هي أبسط ما قد يفكر فيها إرهابي لو كان هنا.
دار الحديث بعدها بكثير من الود، متحدثين عن صعوبة العيش، وظروف البلد، وأجمعوا أنهم لو عاد بهم الزمن إلى الوراء فلن يسجلوا في الجيش.
أعرف الآن أن هذه الأيام ستشهد ازدحاما غير مسبوق على مكاتب وبيوت القادة العسكريين، لضمان أن يكون عدد من المحظوظين من ضمن المائة والخمسين المشاركين في قوة حفظ السلام الدولية، في ساحل العاج، وأعرف أن قرار القائمة لن يكون متروكا لاختيار الأمم المتحدة، كما لن يكون البرلمان المعني بتمثل المواطنين مشاركا في النقاش، على الرغم من أن قرارإرسال الجنود خارج البلاد يبقى قرارا سياديا ولا يجب أن يتخذ من دون موافقة البرلمان، خاصة أن هناك مئات المهاجرين الموريتانيين الذين يعيشون في ساحل الحاج سيكونون عرضة للضرر بفعل هذا القرار.
ولكن أيضا هناك مئات الجنود الذين يحلمون أن يكونوا من المائة والخمسين المختارة لأن ذلك سيعني لهم دخلا إضافيا وحماية ويشعرهم أنهم جنود ولدوا ليقاتلوا وليس لتسلية أطفال جنرالات المجون والليالي الحمراء "والتخشاش في الكزرات".
إن جيشا لا يستطيع تأمين سيارة نقل توصل الجنود إلى بيوتهم، وحماية عناوينهم وأسمائهم، وهو يدعي أنه يخوض حربا حقيقة ضد الإرهاب، هو جيش فاشل ولا يستحق ذرة احترام.
وإن جيشا ينشغل قادته بالدرجة الأولى بالصراع على أهم المناصب والمكاسب، ويرقى فيه الجنرالات إلى رتب لا يستحقونها (في الجيش الآن 17 جنرالا) ولم يطلق أحد منهم رصاصة في حرب، ولم يحمل أقدمهم شهادة علمية أكبر من الباكالوريا، هم قادة فاشلون وخير لهم أن يكونوا بائعي قطع غيار للسيارات في لكصر من أن يتحملوا المسؤولية عن أرواح الناس.
إن جيشا يبيت صغار جنوده على الثغور دفاعا عن وطن يؤمنون به، يلفحهم البرد والحر، ويسامرون عقارب الصحراء، وعواء الوحوش، في وقت يبيت قادتهم يتبادلون القبل مع المومسات أو يطاحنون ورق البوكر على نغمات الأغاني الماجنة، هو جيش لا يحق له أن يشارك في حفظ السلام في العالم.
إن جيشا لا يحسن قادته غير الانقلابات وينام أحدهم ليصحو مقررا القضاء على حلم شعبه بالديمقراطية هو جيش لا يستحقون قيادته.
عزائي الوحيد أن فيه شبابا مثل الذين شاركوني رحلة قصيرة من كرفور مدريد إلى المشروع في تيارت يؤمنون أن الجندي ولد ليقاتل وليس ليخوض حروبا سياسية.
نقلا عن أسبوعية "الأخبار إنفو"